الجمعة 23 سبتمبر 2022 12:42 م

يبدو أن النظام العالمي الحالي في طريقه للأفول، بينما لا يوجد تصور واضح حتى الآن عن طبيعة النظام المقبل والذي يتشكل حاليا.

لقد تمكنت الولايات المتحدة من قيادة النظام العالمي لمدة 30 عاما فقط منذ انتهاء الحرب الباردة، لكن السلام الدافئ استمر بالكاد لعقد من الزمان. فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأ التاريخ يستعيد طبيعته بعد اعتقاد البعض أننا وصلنا إلي النهاية. وجاءت أحداث 11 سبتمبر/أيلول والحروب الأمريكية الطويلة في العراق وأفغانستان لتهز القيادة أحادية القطب للولايات المتحدة، وأصبح تفوقها العسكري في تراجع منذ ذلك الحين.

وأصبحت هناك شكوك متزايدة في أعمدة النظام العالمي القائم على القواعد التي تقودها الولايات المتحدة بما في ذلك النيوليبرالية واقتصاد السوق الحر والعولمة.

فقد أثارت الأزمة المالية العالمية عام 2008 شروخا عميقة بشأن الثقة في النظام الاقتصادي. وكانت التداعيات تدابير تقشف قاسية نشرت عدم المساواة. وتم وضع النظريات الاقتصادية طويلة الأمد جانباً، واهتزت الثقة في ما يسمي "اليد غير المرئية" التي تلعب دورا مهما في موازنة السوق.

ونسي السياسيون النيوليبراليون والاقتصاديون والخبراء في ظل الوباء فجأة ما كانوا يبشرون به منذ عقود.

وبعد 150 عامًا من التدخلات الإمبراطورية والكوارث، استيقظت الصين ببطء واستعادت دورها كقوة اقتصادية رائدة في العالم، وذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث تحولت لقوة تكنولوجية مثيرة للإعجاب (ويتجلى ذلك في تكنولوجيا "الجيل الخامس" والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية) كما بدأت في نشر أصول عسكرية خارج البلاد. وقد دق هذا أجراس الإنذار في واشنطن.

وما تزال الولايات المتحدة تعيش في صدمة من صعود الصين وما تزال غير راغبة في مشاركة الهيمنة العالمية معها.

أزمة المناخ

أما بالنسبة للطبيعة، فبعد أن تم تدميرها بسبب النشاط البشري (والتصنيع الغربي في المقام الأول) يواجه الكوكب الآن أزمة المناخ بشكل أسرع مما كان متوقعا، في حين أن الأوبئة مثل "كورونا" تقدم تهديدًا جديدًا للبشرية.

وأدت أزمة الطاقة إلى بعض الأفكار حول الثورة الخضراء، لكن لايزال الوقود مهما حتى أن "إيلون ماسك" نفسه بدأ يعيد التأكيد على أن الوقود الأحفوري لا يزال ضروريًا. ويعد الحد من الانبعاثات العالمية عملية أكثر صعوبة وتعقيدا عندما يتجه الاقتصاد في العالم نحو الركود.

بشكل عام، هناك غضب في الوقت الحاضر وخوف على المستقبل مع توقعات بأن الأجيال القادمة ستكون حياتها أسوأ من الآن. وفي مثل هذه الظروف المقلقة، قد يتوقع المرء أن تشمر الدول الرائدة في العالم عن سواعدها وتتصدى معًا لهذه المجموعة الكبيرة من التحديات، لكن بدلاً من ذلك، فإن النظام العالمي يتصدع أكثر.

وكانت الشرارة هي غزو روسيا لأوكرانيا، لكن الظروف كانت موجودة قبل الحرب بوقت طويل. بعبارة أخرى، في حين أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" هو الشرير الرئيسي هنا، فهو ليس الوحيد. ويعد التقييم الصحيح أمرا بالغ الأهمية.

وأخطأت وسائل الإعلام الغربية في تغطية قمة "منظمة شنجهاي للتعاون" الأخيرة، حيث كانت تبحث عن أي إشارات للانقسام بين الصين وروسيا، لكن الواقع أن هناك طابورا طويلا من الدول الراغبة في الانضمام إلى المنظمة.

وبالفعل، تم قبول عضوية إيران وبيلاروسيا، ويمكن إضافة دول أخرى قريبًا، بما في ذلك مصر وتركيا والسعودية وقطر والبحرين والكويت والإمارات. وهؤلاء كلهم ​​حلفاء وشركاء للولايات المتحدة.

صحيح أن موسكو وبكين لديهما وجهات نظر مختلفة حول العديد من القضايا، لكنهما على متن نفس القارب، وقد اعترفت مجلة "الإيكونوميست" مؤخرا بهذه الحقيقة.

وتستعد الصين لسيناريو تعرضها لنفس الإجراءت العقابية التي واجهتها روسيا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبالتالي تضاعف بكين جهودها لتحقيق الاستقلال (قدر الإمكان) في التكنولوجيا والطاقة والغذاء والتمويل.

وتشهد الصين حدثا مهما الشهر المقبل، حيث من المتوقع إعادة تعيين "شي جين بينج" كزعيم للبلاد لولاية ثالثة غير مسبوقة يمكن أن تمهد الطريق لترشيحه مدى الحياة. في المقابل، ستحدد انتخابات التجديد النصفي للولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني، ما إذا كان بإمكان إدارة "بايدن" تنفيذ أجندتها الطموحة، داخل وخارج البلاد.

وبعد أسبوع، ستظهر قمة مجموعة العشرين في إندونيسيا كيف تتطور العلاقات بين كتلتي الجنوب العالمي والشمال العالمي.

وما هو واضح الآن هو أن العولمة تنهار. وكما لخص "زولتان بوزار" من بنك "كريدي سويس" ببراعة، فإن العولمة كان يغذيها الغاز الرخيص من روسيا إلى أوروبا والمنتجات الرخيصة من الصين إلى الولايات المتحدة، والتي حافظت على الحلم الاستهلاكي الأمريكي.

وبعد عزلها عن الطاقة الروسية الرخيصة، ستتبنى أوروبا بدائل أكثر تكلفة بكثير، فيما تنفصل الولايات المتحدة والصين عن بعضهما البعض بشكل متزايد، دون اهتمام بالآثار التي يمكن أن تنجم عن قطع سلاسل التوريد والتدفقات المالية.

واعتمد النظام أيضًا على الهيمنة المالية الأمريكية المبنية على الدولار كعملة احتياطية عالمية. ولعقود من الزمن، كان التضخم منخفضا وأسعار الفائدة صفرية. لكن كل هذه الواقع تغير تماما خلال الفترة الأخيرة.

الحرب الاقتصادية

بينما تدور حرب حقيقية في أوكرانيا، تتطور حرب اقتصادية عالمية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة وكل من روسيا والصين بشكل منفصل. ويراقب الجنوب العالمي التطورات على أمل البقاء على الحياد لكنه قد يكون شريكا في هذه الحرب قريبا.

وتفكر الولايات المتحدة في فرض عقوبات ثانوية على الدول التي لا تتماشى مع عقوباتها ضد روسيا، ويمكن أن يتكشف وضع مماثل في المستقبل القريب فيما يتعلق بالصين.

ومع اقتراب الشتاء، بدأت أوروبا التفكير في وضع حد لاستهلاك الطاقة. وبينما أوضحت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع المساعدة أصدر 40 مديرًا تنفيذيًا لمنتجي المعادن الأوروبيين (مجتمعين تحت راية "يوروماتوكس") هذا الشهر رسالة مشتركة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي يحذرون فيها من أن قطاعهم يواجه تهديدًا وجوديًا من ارتفاع تكاليف الطاقة.

وعلى المستوى العالمي، أصدر البنك الدولي مؤخرًا تقريرًا يفيد بأن "الاقتصاد العالمي في خضم واحدة من أكثر الأزمات خطورة على مدار العقود الخمسة الماضية". ومن بين الاستنتاجات أن الركود العالمي قد يكون وشيكًا.

وبالرغم أن الولايات المتحدة أبدت تحيزا واضحا وعدم التزام بالقواعد التي أرستها بنفسها للنظام العالمي، لكن الأزمة أيضا تمثلت في ظهور قيم مختلفة في جميع أنحاء العالم، لا سيما في الصين وروسيا والجنوب العالمي. ما يعني أن النظام العالمي قد يتطور على أسس حضارية.

وقبل قرن من الزمان، حذر المفكر الفرنسي "رينيه جينون" من إفراط الحضارة الغربية في الجوانب المادية والفردية. بعد بضعة عقود، أوضح المؤرخ "أرنولد توينبي" أن الغرب لا يمكنه التظاهر بأنه النموذج الوحيد الذي يجب اتباعه.

اليوم، هناك حاجة إلى إعادة تقويم النظام العالمي. وللعمل بشكل صحيح، يجب أن يكون ذلك قائمًا على القيم المشتركة على نطاق واسع، ما يعكس واقعنا الجديد الأكثر تنوعًا.

المصدر | ماركو كارنيلوس | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد