أتلانتك كاونسل: ماذا وراء صفقة مسيرات بيرقدار بين تركيا والإمارات؟

الجمعة 18 نوفمبر 2022 03:21 ص

على مدار أشهر، عقد مجلس التوازن الاقتصادي "توازن" الإماراتي، وشركة "بايكار" التركية االمصنعة لمسيرات "بيرقدار" الشهيرة مناقشات حول سبل التعاون بين الجانبين، وفي نهاية المطاف قدم الإماراتيون عرضًا مغريا بقيمة 2 مليار دولار. وتضمنت الصفقة طلب أبوظبي تلبية قائمة تضم 120 طائرة "بيرقدار" بدون طيار وذخيرة ووحدات قيادة وتحكم.

وجاءت هذه الأنباء في ضوء الحديث حول الارتقاء بالتعاون الدفاعي بين البلدين إلى مستوى أعلى. وفي 21 سبتمبر/أيلول الماضي، ورد أن تركيا سلمت 20 طائرة "بيرقدار" إلى الإمارات. وأكد مسؤول تركي كبير أن بلاده سلمت بعض الطائرات بدون طيار وأن أبوظبي تسعى بالفعل للحصول على المزيد.

ووجد العديد من المراقبين أن هذا التطور على المستويين الدفاعي والعسكري مفاجئ للغاية لسببين رئيسيين.

أولاً، خطوط إنتاج "بيرقدار" مشغولة بالكامل بعد أن بلغت طاقتها القصوى مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط الماضي. ووفقًا لما قاله الرئيس التنفيذي لشركة بايكار "خلوق بيرقدار" فإن خط تصنيع المسيرات محجوز بالكامل لمدة 3 سنوات. وبالرغم أن أنقرة تعمل على زيادة طاقتها الإنتاجية وسط الطلب الدولي المتزايد على طائراتها، فلا يوجد مجال في الوقت الحالي لتلبية الاحتياجات المفاجئة وغير المجدولة بسرعة.

والسبب الآخر هو السياسة الخارجية الحازمة لدولة الإمارات وتجربتها مع الطائرات بدون طيار الصينية. فمن المفترض أنه يشير إلى أن أبوظبي يمكن أن تستخدم الطائرات التركية بطريقة تتعارض مع مصالح أنقرة الإقليمية أو حتى تمريرها إلى أطراف ثالثة يمكن أن تهدد هذه المصالح. ويشار إلى أن الإمارات قدمت للجنرال الليبي "خليفة حفتر" طائرات بدون طيار من طراز "وينج لونج" الصينية لاستخدامها ضد حكومة طرابلس (المدعومة من تركيا) في عام 2019.

وتعني عملية التسليم هذه، بالرغم من الظروف الحالية في ليبيا، أن تركيا تولي أهمية كبيرة للعرض الإماراتي وأن الطرفين توصلا لطريقة لمعالجة المخاوف المتعلقة بطبيعة استخدام المسيرات التركية. ويبدو أن الأتراك لم يرغبوا في تفويت الصفقة لكنهم لم يلبوا كل ما طلبته الإمارات، وتُبقي هذه الاستراتيجية كلا الجانبين مشاركين في محادثات دفاعية لبعض الوقت.

عرض مذهل

في عام 2011، وقعت أبوظبي وأنقرة مذكرة تفاهم بشأن التعاون في الصناعات الدفاعية. وتم التصديق على مذكرة التفاهم في عام 2017. وبالرغم أن الإمارات ظلت واحدة من أكبر مستوردي المعدات الدفاعية التركية في العقد الماضي، لم يتم إحراز أي تقدم كبير في التعاون في مجال الصناعات الدفاعية.

ومع ذلك، فإن إمكانية تنفيذ صفقة بقيمة 2 مليار دولار تعد بلا شك خروجًا عن الاتجاه التقليدي. وبعد تطبيع العلاقات مع تركيا في فبراير/شباط 2021، أعربت الإمارات عن عزمها تسريع التعاون على المستوى الدفاعي. ونتج عن ذلك توقيع الطرفين على خطاب نوايا بشأن التعاون في الصناعات الدفاعية وعقد اجتماعات منتظمة بين الجانبين لتحديد مجالات التعاون ومتابعة النتائج.

وخلال اجتماع مع اللجنة التنفيذية المركزية لحزب العدالة والتنمية في يوليو/تموز 2021، كشف الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أن دولة الإمارات عرضت بناء مصنع للطائرات التركية بدون طيار في أبوظبي. لكن لماذا الطائرات التركية بدون طيار على وجه الخصوص؟ وما مبرر شراء 120 طائرة أو حتى بناء مصنع؟

تعتمد قوة الطائرات بدون طيار في دولة الإمارات بشكل أساسي على بعض الطائرات بدون طيار الأمريكية القديمة وكذلك الإصدارات الصينية الحديثة ومعظم هذه الطائرات بدون طيار مخصصة للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.

فيما يتعلق بالطائرات بدون طيار التي تم الحصول عليها من الولايات المتحدة، طلبت الإمارات شراء "إم كيو 9 ريبر" المتفوقة قبل عامين لكن واشنطن علقت هذا الطلب في عام 2021. أما بالنسبة للطائرات الصينية بدون طيار، بالرغم أن "وينج لونج 2" قادرة على حمل أنواع متعددة من الذخيرة لكن أداءها كان متواضعًا بالمقارنة مع التركية، وبالرغم أنها أكبر وأثقل، فإن الطائرات الصينية بدون طيار لم تظهر براعتها.

وقد أعرب العديد من المشترين عن خيبة أملهم من أداء الطائرات بدون طيار الصينية. لذلك فإن شراء طائرات تركية بدون طيار من شأنه تنويع وتحديث مخزون الإمارات. ويمكن القول إن بحث الإمارات عن التكنولوجيا والخبرة والمعدات من كبار الموردين المتقدمين خارج الولايات المتحدة يعني ضرورة بناء علاقة عمل مع تركيا.

الدوافع وراء الصفقة

بالرغم من أهميته، فإن دافع التنويع لا يقدم وحده إجابة شاملة عن سبب طلب الإمارات 120 طائرة بدون طيار تركية أو حتى عرض بناء مصنع لإنتاجها. وقد تساعد مجموعة من الأسباب السياسية والتجارية والدفاعية في توضيح الدوافع الكامنة وراء العرض الإماراتي الضخم.

أولاً، يجدر النظر في أداء الطائرات التركية في المواجهات العسكرية غير التقليدية بالإضافة إلى الحروب الهجينة. وما يجعل الطائرات بدون طيار التركية مرغوبة للغاية للعملاء من جميع أنحاء العالم هو أنها بشكل عام نظام عسكري عالي الكفاءة بتكلفة منخفضة. لقد تم اختبارها في ساحة المعركة في العديد من المسارح الجيوسياسية الحرجة وفي ظروف وبيئات معادية مختلفة. وبالرغم من بعض القيود التشغيلية مع عدم وجود عدد كافٍ من المحطات الأرضية والاعتماد بدلا من ذلك على الأقمار الصناعية، فإن أداء "بيرقدار" كفيل بإحداث نقلة نوعية من وجهة نظر أبوظبي.

ثانيًا، تعد الصفقة بمثابة رسالة إلى الولايات المتحدة: "إذا لم تعطنا أسلحة فسنحصل عليها من مكان آخر". وخلال إدارة "دونالد ترامب"، طلبت أبوظبي شراء طائرات مقاتلة من طراز "إف35" ومسيرات "إم كيو 9"، ومعدات وذخائر أخرى بقيمة 23 مليار دولار. وبالرغم أن إدارة "ترامب" وافقت في البداية على الطلب، لكن إدارة "بايدن" علقت الصفقة لاحقًا.

ثالثًا، لا ينبغي النظر إلى صفقة أبوظبي من منظور تقني فقط، حيث إن هذا العرض الذي تبلغ قيمته 2 مليار دولار يهدف إلى تعزيز النفوذ الإماراتي داخل تركيا وإنشاء علاقات عمل قوية مع المؤسسات السياسية وصناعة الدفاع الناشئة على أساس المصالح والتهديدات المشتركة.

ففي الآونة الأخيرة، تواجه الإمارات وتركيا تهديدًا متزايدًا من توسع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في المسارح المجاورة لها. وقد أثبتت الطائرة التركية أنها منصة هجومية مقنعة للغاية ضد الأصول العسكرية ذات القيمة العالية والجماعات المسلحة والميليشيات.

وبعد تطبيع العلاقات مع أنقرة، أظهرت الإمارات قوتها المالية وعمقت علاقاتها التجارية مع تركيا. ويعد قطاع الصناعات الدفاعية أحد المجالات التي يمكن لأبوظبي أن تلبي من خلالها بعض احتياجاتها الدفاعية وتحقق أرباح في نفس الوقت.

أما بالنسبة لتركيا، فبالرغم من أهمية صفقة بقيمة 2 مليار دولار، قد يكون لديها العديد من الأمور الحساسة التي يجب مراعاتها قبل المضي قدماً بحذر. وتتمثل إحدى المشكلات الإشكالية في أن بيع 120 طائرة بدون طيار للإمارات في وقت واحد - حتى لو كانت متوفرة - من شأنه أن يغير التوازن العسكري الدقيق داخل دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة مع قطر والسعودية.

ومع ذلك، فمن خلال تسليم 20 طائرة "بيرقدار" للإمارات، لا يزال لدى أنقرة فرصة لاختبار رغبة الآخرين في شراء المزيد من طائراتها بدون طيار وحتى تحفيزهم على القيام بذلك دون الإخلال بشكل خطير بالتوازن داخل دول مجلس التعاون الخليجي.

في نهاية المطاف، ربما تعتبر الإمارات وتركيا أن الصيغة الحالية للصفقة هي وضع مربح للجانبين. لقد أظهرت تركيا أنها قادرة على تأمين المتطلبات الدفاعية لدولة الإمارات حتى في الأوقات الحساسة. في الوقت نفسه، أثبتت أبوظبي أنها جادة في ضخ الأموال مع فتح صفحة جديدة مع أنقرة وتعزيز العلاقات الثنائية.

المصدر | علي باكير | أتلانتك كاونسل - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

الإمارات المسيرات التركية العلاقات الإماراتية التركية بيرقتار بيرقدار بيكار

لترسيخ العلاقات.. الإمارات تقترب من اتفاقية تجارة حرة مع تركيا