الخميس 2 أكتوبر 2014 10:10 م

بين واشنطن وطهران أزمة مكبوتة لا يرغب الطرفان في الإفصاح عنها أو الخوض في تفاصيلها، ولهذا أيضاً أسبابه الوجيهة عند الطرفين .

ظاهر الأزمة ما تحرص واشنطن على ترويجه من رفض أولي لدعوة إيران للمشاركة في التحالف الدولي الذي جرى تشكيله لمحاربة "داعش"، وتكذيب إيراني متردد لذلك الرفض، لكن باطن الأزمة يؤكد أن واشنطن وطهران مختلفتان على تفاصيل الحرب على "داعش"، وبالذات حول دور النظام السوري في هذه الحرب، ومآلات مستقبل هذا النظام في حال تجاوز التحالف الدولي الإقليمي لمشاركة النظام في الحرب، وما هي التحالفات السياسية التي سوف تترتب على التحالف العسكري وكيف ستنعكس على النظام في سوريا؟

ليس هذا فقط، بل الأهم هو الربط الإيراني الشرطي بين مشاركتها في الحرب على "داعش" وإحداث نقلة نوعية في ملف مفاوضاتها حول برنامجها النووي مع "مجموعة دول 5+1"، وبالذات في اتجاه إزالة العقوبات المفروضة على إيران، أو على الأقل الالتزام ب"استراتيجية تلازم المسارات" التي تريدها طهران بين مشاركتها في الحرب على الإرهاب، وليونة الغرب في التعامل مع ملفها النووي.

كانت إيران هي من اتخذ موقف المبادأة في طلب التعاون مع الولايات المتحدة لمحاربة الخطر الذي بات يتهدد العراق من جراء تمدد قوات "داعش" في محافظات عراقية عدة والسيطرة على الموصل . هذه الطلبات جاءت على لسان كل من هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومن بعده الرئيس حسن روحاني . وبرهنت إيران على جديتها في التعاون مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب عبر مسارين، أولهما الإسراع في تقديم الدعم العسكري للقوات الحكومية العراقية، والوقوف إلى جانب الميليشيات الكردية (البيشمركة) للتصدي لتوغل "داعش" في مناطق كردية مهمة، وثانيهما التعاون مع واشنطن في إبعاد نوري المالكي عن المنافسة على رئاسة الحكومة العراقية، ودعم حيدر العبادي المرشح ضمن مساعي توحيد الصف العراقي وتشكيل حكومة وحدة وطنية تكون قادرة على مواجهة الخطر الإرهابي .

لم يتوقف الأمر على ذلك فقط، بل هناك معلومات تؤكد أن إيران وروسيا كانتا معاً قناة تواصل غير مباشرة بين واشنطن ودمشق عندما أمدّت الأقمار الصناعية الأمريكية قوات النظام السوري بإحداثيات مواقع مهمة لقوات "داعش" شمال شرقي سوريا، نجحت القوات الجوية السورية في استخدامها لشن ضربات موجهة لتلك القوات.

ثم بادرت واشنطن على لسان وزير خارجيتها جون كيري بإعلان أن إيران لن تكون طرفاً مشاركاً في التحالف الذي يجري تشكيله للحرب على الإرهاب، وبالفعل لم توجه الدعوة لإيران كي تحضر الاجتماع المخصص لتشكيل هذا التحالف الذي عقد في مدينة جدة السعودية على مستوى وزراء خارجية الدول المشاركة، ولم توجه لها دعوة أيضاً لحضور الاجتماع الذي عقد في باريس للتنسيق في المواقف السياسية بشن الحرب، الأمر الذي دفع الإيرانيين لإعلان خطاب سياسي يبدو "متلعثماً" يقول أحياناً إن إيران هي من رفض المشاركة في هذا التحالف، وفي أحيان أخرى ينتقد عدم توجيه الدعوة إليها . التلعثم ذاته كان أمريكياً أيضاً على نحو ما جاء على لسان ماري هارفي المتحدثة بلسان وزارة الخارجية الأمريكية يوم الجمعة (5-9-2014) عندما أكدت أن واشنطن "منفتحة للمشاركة مع إيران"، لكن هارفي عادت بعد أقل من أسبوع (11-9-2014) لتقول إن بلادها "لن تتعاون مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أو تنسق مع إيران الداعمة له لقتال داعش".

التلعثم الإيراني كان أكثر وضوحاً . وخطاب الرفض الإيراني للمشاركة في التحالف جاء على لسان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي الخامنئي الذي حرص في أول ظهور إعلامي له بعد خروجه من المستشفى الذي أجرى فيه عملية جراحية على توجيه انتقادات لاذعة للتحالف الأمريكي، ووصف عملية تشكيل هذا التحالف بأنها عبثية وخاوية وموجهة، مشيراً إلى رفض بلاده لطلب واشنطن التعاون معها ضد "داعش".

وأشار خامنئي إلى ما جاء على لسان وزير الخارجية الأمريكية كيري، والمتحدثة باسم وزارته ماري هارفي، بعدم دعوة إيران للمشاركة في التحالف بأن "ما يبعث على الفخر لنا أن تيأس الولايات المتحدة من إيران في الدعوة للمشاركة بعمل جماعي خاطئ".

خامنئي كان حريصاً على كشف بعض ما جرى في كواليس التواصل الأمريكي مع إيران بخصوص الموضوع، وقال "في الأيام الصعبة لهجوم "داعش" على العراق، دعا السفير الأمريكي في بغداد في طلب قدّمه إلى سفيرنا لعقد اجتماع بين طهران وواشنطن للبحث والتنسيق بشأن قضية داعش"، وأضاف أن "سفيرنا في العراق نقل هذا الموضوع إلى الداخل، حيث لم يعارض بعض المسؤولين عقد مثل هذا الاجتماع، إلا أنني عارضت، وقلت إننا لن نواكب الأمريكيين في هذه القضية، لأن لهم نوايا غير واضحة، فكيف يمكن أن نتعاون معهم في مثل هذه الظروف" .

اللافت هنا أن وزير الخارجية الأمريكي عندما ووجه إعلامياً بما ورد على لسان خامنئي رد قائلاً: "ليس لديّ فكرة عن أي عملية مشتركة استخلصوها من أي مناقشة، ربما تكون حدثت أو لا، لا ننسق مع إيران وهذا أمر نهائي".

واضح التلعثم الأمريكي، لكن هذا لا ينفي أيضاً التلعثم الإيراني، فهناك من يرغب في إيران في المشاركة في التحالف ضد الإرهاب، ربما حرصاً على أن تكون إيران طرفاً في معادلات ما بعد الحرب، وألا تستبعد عن التحالفات السياسية التي ستفرض نفسها حتماً بعد الانتهاء من هذه الحرب، وربما - وهذا هو الأهم - ألا تتأسس هذه التحالفات على قاعدة العداء لإيران .

الموقف الإيراني الآخر الحريص على المشاركة في التحالف الدولي يقوده الرئيس روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف . فقد ندد ظريف في محاضرة له أمام مركز للدراسات في نيويورك على هامش حضوره الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة بعدم دعوة إيران إلى المؤتمر الدولي الذي عقد في باريس (15-9-2014) والذي خصص لمناقشة ملف تنظيم "داعش"، مؤكداً أن بلاده "بإمكانها أن تلعب دوراً رئيسياً في الحرب ضد الجهاديين"، ومشيراً إلى أن تنظيم "داعش" لا يمكن دحره بالقصف الجوي.

واضح أن الطرفين يخفيان الأسباب الحقيقية للغياب الإيراني عن المشاركة في التحالف، وهي الأسباب التي لا تخرج عن ثلاثة تفسيرات، أولها الخلاف الجذري بين واشنطن وطهران على دور نظام الرئيس بشار الأسد في الحرب على "داعش"، امتداداً للخلاف حول دوره المستقبلي . فطهران ترى أن حرباً حقيقية ضد "داعش" وأخواتها يجب أن تكون في سوريا بصفة أساسية وليس فقط في العراق، لأن رؤوس التنظيم موجودة في سوريا، وأن أي حرب جادة ضد الإرهاب في سوريا لا يمكن أن تنجح من دون مشاركة النظام السوري . وهكذا حالت "العقبة السورية" دون مشاركة إيران.

التفسير الثاني يربط بين حرص إيران على تحقيق تقدم ملحوظ في ملفها النووي وبين الدور الذي يمكن أن تلعبه في الحرب على الإرهاب ضمن ما تسميه ب "استراتيجية المسارات المتلازمة" . هي تريد تنازلات غربية مقابل مشاركتها في الحرب . ففي لقاء مع رؤساء تحرير الصحف في نيويورك على هامش مشاركته في أعمال الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن "توصل بلاده والقوى العالمية لاتفاق نووي طويل الأمد ينهي العقوبات المفروضة على طهران سيفتح الباب لتعاون أعمق من أجل السلام والاستقرار في المنطقة ومكافحة الإرهاب"، مشيراً إلى أن "أمريكا لا يمكنها إنكار دور إيران في الحرب على الإرهاب" .

أما التفسير الثالث فيرجح الغياب الإيراني إلى قرار من الدول العربية المشاركة في التحالف، يرفض أن تكون إيران شريكاً في الحل، وهي المتهمة بصنع الأزمات في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

أياً كان التفسير، فالأرجح أن الإقصاء الإيراني لن يكون أبدياً، وهناك مؤشرات مهمة لذلك، منها أن أطرافاً غربية (ألمانيا وبريطانيا) بوجه خاص مع دور إيراني لا بدّ منه . فلقاء ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني مع روحاني، وهو الأول من نوعه، أسفر عن تصريح على لسان كاميرون يقول: "إن إيران يمكنها أن تلعب دوراً بناءً في منطقة شرق أوسط مستقر"، ومنها لقاء كيري وزير الخارجية الأمريكي ولقاء سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي كل على حدة مع نظيرهما الإيراني في نيويورك، حيث كان التفاهم والحرص على التعاون هو القاسم المشترك لكل من اللقاءين.

المصدر | الخليج