الأحد 10 يوليو 2016 03:07 ص

توقيت انعقاد أول اجتماع للجنة الحكومية المُشتركة بين المملكة العربية السعودية والصين في 2-7-2016 في بكين، له دلالات سياسية واقتصادية واضحة. شروع البلدين لتفعيل الاتفاقات التي وقعها الرئيس شي جين بينغ، مع الملك سلمان بن عبد العزيز في يناير/كانون الثاني 2016 في الرياض؛ ينمّ عن رغبة مشتركة في تطوير التعاون الاستراتيجي على صورة مُختلفة عن السياق الذي تمّ فيه التعاون بعد توقيع الاتفاق الاستراتيجي الأول بين البلدين في عام 1999.

زيارة الوفد الكبير المرافق لوزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد الفالح، إلى الصين على هامش انعقاد اجتماع وزارء الطاقة لمجموعة العشرين، لا تُقلِّل من أهمية المباحثات الثنائية بين البلدين. الواضح أن هناك رغبة مُشتركة بتفعيل التعاون إلى أقصاه، خصوصاً في مجالات الطاقة والتصنيع والتنمية والبُنى التحتية، وفي إشراك القطاع الخاص في هذا التعاون، لتكبير حجم التبادل التجاري بين الدولتين.

بدأت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والسعودية عام 1990، أي بعد سقوط الثنائية القطبية في العالم من جراء انهيار الاتحاد السوفييتي. وكانت تلك؛ محطة لإعادة النظر في مُعظم الرؤى لدى عدد كبير من دول العالم، ومنها الصين والسعودية. الصين تخلَّت عن اعتماد الفكر الشيوعي في الترويج لسياستها الخارجية، والمملكة التي كانت تتعاطف مع المعسكر المُناهض للشيوعية؛ لم تعُد تخشى من تمدّد الفكر الشيوعي على بيئتها العربية الإسلامية.

لا نريد أن نُبالِغ في تفسير حيثيات زيادة التعاون بين البلدين، ولكن الخشية التي أبدتها الولايات المتحدة من تطور العلاقات بين الصين من جهة والسعودية وباكستان من جهة أُخرى، ألقى الضوء على نية واشنطن تبني شكلاً من أشكال الحصار الاقتصادي والسياسي ضد الصين، لخشيتها من سرعة تنامي الدور الصيني، لاسيما في منطقة جنوب شرق آسيا، وإفريقيا، وبعض مناطق الشرق الأوسط.

بدأت واشنطن تتحدث عن استثماراتها الأمنية التي تتجاوز 50 مليار دولار لحماية ناقلات النفط في منطقة الشرق الأوسط، وبحر الصين الجنوبي. في المُقابل، فإن مشاعر الود بين الشعوب العربية والإسلامية من جهة، والولايات المتحدة من جهة ثانية؛ ليست في أحسن حال. ذلك أن غموض الموقف الأمريكي مما يجري في سوريا والعراق وغيرهما، ليس محل رضى كامل من قبل هذه الشعوب.

والمعروف أن الصين تستورِد ما يُقارب 30% من حاجاتها النفطية من السعودية، كما تبلُغ صادرات المملكة إلى الصين اكثر من 48.5 مليار دولار وفق إحصاءات العام 2014، بينما لم تتجاوز صادرات الصين إلى السعودية 20.6 مليار دولار في العام ذاته.

لا توجد معوقات سياسية أو اقتصادية تدعو للخوف من تطوير العلاقات بين البلدين، فكلاهما يعتمد سياسة عدم التدخُل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. كما انهما حريصان على تعزيز السلم والأمن العالميين، ولهما مواقف مُناهضة للمنظمات الإرهابية والمُتطرِفة.

أما في المجال العسكري؛ فقد نوَّعت بموجبها المملكة مصادر تسليحها واشترت أسلحة صينية، بعد أن كانت تعتمد على النموذج الغربي حصراً.

ولا يمكن التقليل من أهمية تطوير التعاون بين الصين والسعودية، فالبلدان الكبيران لهما تأثيرهما الجيوبوليتيكي في مناطق واسعة من العالم، وتمتلك كل دولة منهما مروحة واسعة من الصداقات على امتداد آسيا وإفريقيا، وللبلدين دور فاعل في سياق مجموعة «العشرين» الذين يحتلون أكبر اقتصادات في العالم.

الصين من جهتها، تمتلك أكبر اقتصاد في آسيا، والثاني على مستوى العالم، بينما السعودية تتمتع بمكانة الدولة الأولى في العالم على مستوى الإنتاج والاحتياط النفطي، كما أنها الأولى على مستوى الدخل القومي الإجمالي بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتطوير العلاقات السعودية - الصينية في هذا الوقت بالذات؛ قد يُزعج بعض الدول التي تتحفظ على السياسة الصينية الجديدة في منطقة بحر الصين الجنوبي، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة والفليبين وفيتنام، ولكن الرغبة القوية في زيادة التعاون لم تكن بهدف خلق مثل هذه الإزعاجات، والمملكة ليست طرفاً في نزاعات جنوب شرق آسيا على الإطلاق.

ولا يمكن تجاهل دور الصين في العلاقات الدولية، وفي حجم تأثيراتها الاقتصادية. وزيارة الرئيس الصيني إلى بعض دول الشرق الأوسط - ومنها السعودية - في يناير/كانون الثاني الماضي، حملت رغبة في تطوير العلاقات مع هذه الدول، وقد بادلته هذه الدول الرغبة ذاتها. كما أن تدنّي مستوى الاهتمام الأمريكي في المنطقة وتحوُّل هذا الاهتمام إلى شرق آسيا، ساعد على التفكير الجدي بإيجاد البدائل عن الممرات الإلزامية الأمريكية للعبور إلى الاستقرار الدولي، وكان هذا التحوُّل عاملاً مؤثراً في تنويع مصادر التبادلات، وفي تنويع الاتفاقات الدولية.