الثلاثاء 11 أكتوبر 2016 12:10 ص

في مكان لا يبعد كثيرا عن مدينة الموصل، هناك قوة عسكرية كبيرة تضع اللمسات الأخيرة على خطط ظلت قيد التكوين لثلاثة عقود. القوات هي الميليشيات الشيعية التي تقاتل ضد تنظيم الدولة الإسلامية ولكنها لم لكنها لم تعط دورا مباشرا في الهجوم المنتظر لتحرير ثاني أكبر مدن العراق.

بدلا من ذلك، في حين يهاجم الجيش العراقي الموصل من الجنوب، فإن الميليشيات تتمركز في الغرب لمنع مسلحي تنظيم الدولة من الفرار نحو معقلهم الأخير في مدينة الرقة في سوريا. ويهدف غيابهم إلى طمأنة المسلمين السنة أن الاستيلاء على المدينة ليس مدفوعا بدوافع طائفية ضدهم. ومع ذلك، فإن قرار عزل الميليشيات الشيعية عن معركة الموصل لا يحظى بقبول واسع في الجيش العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة.

منذ نشأتها، ركزت هذه الميليشيات على وضع بصمتها على ساحات المعارك في العراق، لكنها كانت دائما مركزية بالنسبة إلى طموحات طهران في أماكن أخرى. وفي الوقت الذي لا تلعب فيه الميليشيات دورا في معركة الموصل، فإن لديها الفرصة لدفع أحد مشاريع إيران الأبرز، وهو تأمين قوس النفوذ عبر العراق وسوريا انتهاء إلى البحر المتوسط.

شريط الأراضي غرب الموصل الذي تتمركز فيه الميليشيات ضروري جدا لتحقيق هذا الهدف. بعد 12 عاما من الصراع في العراق، والحرب الأكثر وحشية في سوريا، فإن إيران الآن تبدو أقرب من أي وقت مضى إلى تأمين ممر بري من شأنه أن يرسخ أقدامها في المنطقة ويغير من طبيعة تواجدها في الأراضي العربية. «هم يعملون بجد من أجل ذلك»، وفقا لما يؤكده مسؤول أوروبي رصد دور إيران في كل الحروب على مدى السنوات الخمس الماضية. هذا يمثل مصدر فخر واعتزاز لهم من جهة، ونهجا براغماتيا من جهة أخرى. وسوف يكونون قادرين عل تحريك الناس والإمدادات بين البحر الأبيض المتوسط ​​وطهران وقتما يريدون، عبر طرق آمنة يتم التحكم بها من قبل وكلائهم.

الممر الإيراني

قمت بإجراء مقابلات خلال الأشهر الأربعة الماضية مع عدد المسؤولين الإقليميين. وقد أكد بعض ذوي النفوذ من العراقيين والمقيمين في شمال سوريا أن الممر البري بدأ يتشكل ببطء منذ عام 2014. هو الطريق المعقد الذي ينسج عبر العراق العربي، من خلال الشمال الكردي، إلى المنطقة الكردية في شمال شرق سوريا وساحات القتال في حلب حيث تسيطر إيران وحلفاؤها على الأرض. ولكن ناقوس الخط بدأ يدق خلال الأسابيع الأخيرة. وتعارض تركيا هذا الأمر خصوصا خوفا من تطور علاقة اتصال مباشر بين إيران وحزب العمال الكردستاني.

تم تنسيق الخطة من قبل كبار المسؤولين الحكوميين والأمنيين في طهران وبغداد ودمشق، وكلهم يخضعون لرأس الحربة في سياسة إيران الخارجية، قوة القدس التابعة للحرس الثوري، برئاسة اللواء «قاسم سليماني»، الذي يدير حروب إيران في سوريا والعراق. تشمل الخطة تحولات ديموغرافية وقعت بالفعل في شمال العراق وتجري الآن في شمال سوريا. وهي تعتمد على دعم مجموعة واسعة من الحلفاء، الذين ليسوا بالضرورة على بينة من مجمل المشروع ولكن لديهم مصالح منفصلة في تأمين بعض هذه المناطق.

يبدأ الممر من نقاط الدخول التي استخدمتها إيران لإرسال الإمدادات والمقاتلين إلى العراق على مدار السنوات الـ12 الماضية. وهي نفس الطرق التي استخدمت من قبل فيلق القدس لتشغيل حرب عصابات ضد القوات الأمريكية في البلاد.

كانت مجموعات عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله وفروعها مسؤولة عن 25% من الإصابات في صفوف القوات الأمريكية وفقا للمسؤولين الأمريكيين. وقد أصبحت هذه المجموعات أكثر نفوذا منذ انسحاب القوات الأمريكية من البلاد. وفي واحدة من المفارقات الصارخة للحرب الحديثة، فإن هذه المجموعات قد قاتلت تنظيم الدولة الإسلامية على مدار العامين الماضيين مستفيدة من الغطاء الجوي الأمريكي.

يمر الطريق من خلال بعقوبة عاصمة محافظة ديالى، نحو 60 ميلا إلى الشمال من بغداد. ومع كونها منطقة يمتزج فيها الشيعة بالسنة، كانت ديالي ساحة للاضطراب الطائفي إبان الحرب الأهلية في العراق. على طول الطرق التي تم تأمينها من قبل الميليشيات، التي تعرف محليا باسم الحشد الشعبي، يمر الطريق شمالا إلى المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة قبل شهور.

بلدة الشرقاط في محافظة صلاح الدين هي منطقة هامة أخرى. تم الاستيلاء عليها من قبل الميليشيات جنبا إلى جنب مع القوات العراقية في 22 سبتمبر/أيلول، ما مثل دفعة جديدة للطموحات الإيرانية.

تتواجد الميليشيات الآن بأعداد كبيرة في الشرقاط وهي تستعد للتحرك نحو الطرف الغربي من الموصل، إلى نقطة تبعد حوالي 50 ميلا إلى الجنوب الشرقي من سنجار، التي تمثل المحطة القادمة للممر. تفصل تلعفر، أحد معاقل الدولة الإسلامية الآن، بين الميليشيات وبين سنجار، وتعد تلعفر معقلا تاريخيا للسنة والتركمان الشيعة القريبين من تركيا.

وأكد مسؤول استخباراتي كبير أن الذراع بين تلعفر وسنجار ضروري للخطة. سنجار هي موطن اليزيديين الذين اضطروا إلى الفرار في أغسطس/آب بعد غزو الدولة الإسلامية للمدينة وقتلها جميع الرجال واستعباد النساء. وقد تمت استعادتها من قبل القوات الكردية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. ومنذ ذلك الحين، اتخذ مقاتلو حزب العمال الكردستاني من المدينة معقلا لهم. يتم تمويل حزب العمال من قبل الحكومة العراقية، وتم إدراجه ضمن وحدات الحشد الشعبي. ويقول مسؤولون في المخابرات العراقية والغربية أنه تمت الموافقة على هذه الخطوة من قبل مستشار الأمن القومي العراقي، «فلاح فياض».

يظهر الشيخ العراقي «عبد الرحيم الشمري»، كشخصية بارزة إلى الشمال. يمتلك الشيخ قاعدة نفوذ بالقرب من معبر الربيعة إلى سوريا، ويتلقى الدعم من وحدات الحشد الشعبي، وهو مقرب من «نظام الأسد» في دمشق.

من معبر الربيعة، يمضي الطريق عبر مدينتي القامشلي وكوباني نحو عفرين التي تخضع لسيطرة وحدات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. طوال فترة الحرب، كانت رهانات وحدات الحماية الكردية تتأرجح بين قتال الدولة الإسلامية متحالفة مع الولايات المتحدة وبين الوقوف مع النظام السوري. «تعتقد إيران أنها تريدهم حيث يتواجدون الآن. رغم أني لست متأكدا أنهم حسبوا موقف الأتراك بشكل دقيق»، وفق ما صرح به مسؤول أوروبي كبير.

من بين جميع النقاط بين طهران والساحل السوري، تركز إيران طاقتها في حلب أكثر من أي مكان آخر. هناك 6000 من أفراد الميليشيات، معظمهم من العراق، تجمعوا هناك جاهزين للتحرك للسيطرة على شرق المدينة الواقع تحت سيطرة المعارضة السورية. يمكن أن يبدأ الهجوم في نفس الوقت الذي يبدأ فيه الهجوم على الموصل.

الذين لاحظوا «سليماني» عن قرب وهو يتفقد الخطوط الأمامية في سوريا والعراق، أو في اجتماعاته في دمشق وبغداد حيث يبرز قوته، يؤكدون أنه استثمر كل ما يمكن استثماره في سوريا للتأكد أن إيران سوف تخرج من تلك الحرب الوحشية وقد عززت مصالحها. «إذا خسرنا سوريا فسوف نخسر طهران»، كما أخبر «سليماني» السياسي العراقي الراحل «أحمد الجلبي في عام 2014. وأضاف بالقول: «نحن نحول كل هذه الفوضى إلى فرصة».

سوف يكون تأمين حلب خطوة مهمة في هذا الممر، والذي سوف يمر لاحقا إلى الشمال عبر قريتين كانتا تاريخيا واقعتين تحت سيطرة الشيعة. ووفقا لمسؤول سوري بارز ومسؤول عراقي في بغداد، فإن الطريق سوف يمتد إلى مشارف المدينة السورية الرابعة، حمص، ثم يتجه شمالا مخترقا المناطق العلوية التي يؤمنها الطيران الروسي لصالح «الأسد». ينتهي الطريق الذي سعت إيران إلى تأمينه بشق الأنفس في مدينة اللاذقية التي بقيت واقعة تحت سيطرة «الأسد» منذ بداية الحرب.

ويقول «علي خضيري»، مستشار سفراء الولايات المتحدة في العراق وقيادات القيادة المركزية بين عامي 2003 و2011، أن تأمين الاتصال بالبحر المتوسط يعد انتصارا استراتيجيا لإيران. وأضاف: «إنه يدل على ترسيخ سيطرة إيران على العراق وبلاد الشام، وهذا بدوره يعزز طموحاتها للهيمنة الإقليمية». وأضاف: «هذا أمر يقلق كل زعيم غربي إضافة إلى حلفائنا في المنطقة لأن هذا سيزيد من جرأة إيران لمواصلة التوسع، على الأرجح إلى دول مجلس التعاون الخليجي في المرحلة المقبلة وهو هدف أفصحت عنه إيران بشكل متكرر».

المصدر | الغارديان