الخميس 19 يونيو 2014 05:06 ص

مشرق عباس، المونيتور، 18/6/2014

مع اقتراب المعارك العسكرية التي اندلعت في العراق مع احتلال مسلحين يتقدمهم تنظيم «داعش» مدينة الموصل في العاشر من الشهر الجاري، من مناطق ذات حساسية طائفية، لدى الطائفة الشيعية، يكون نمط الصراع ودلالاته قد اتخذا منحى جديدا.

بدا واضحا أن المسلحين بعد احتلالهم مدينة الموصل، توجهوا جنوبا نحو مدينة تكريت، ومناطق بمحافظتي صلاح الدين وكركوك لكنهم تركوا خلفهم مدينة تلعفر التي تقع إلى الشمال الغربي من الموصل، وتسكنها غالبية تركمانية شيعية، حتى اليوم السادس من بدء عملية الموصل، حيث هاجموا تلعفر من دون أن يتمكنوا من السيطرة عليها.

يمكن القول أن «تلعفر» نقطة تماس طائفية شددة الخطورة تحمل بعدا قوميا (تركمانيا) وبعدا مذهبيا (شيعيا) ولهذا استمرت قوة حكومية كبيرة في التحصن داخلها.

لكن القوات الحكومية التي شهدت منذ بداية المعارك سلسلة انهيارات مروعة، تركت نقطة تماس اخرى هي «طوزخرماتو» وهي تشبه تلعفر في تركيبتها السكانية والمذهبية، وهذه المرة لصالح قوات «البشمركه» التابعة لاقليم كردستان، وسط وجود للمسلحين بأطراف المدينة.

منذ الايام الاولى للمعارك، تمركزت القوات الحكومية، ومعها متطوعون شيعة استجابوا لفتوى أصدرها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، بمدينة سامراء (شمال بغداد) وفي حدودها وتأمين الطريق الرابط بينها وبين بغداد.

الواقع أن سامراء مدينة معقدة جدا، فهي تضم مرقدين دينيين مقدسين لدى شيعة العراق، كان تدميرهما على يد تنظيم القاعدة عام 2006 قد أدى لنشوب حرب أهلية طاحنة.

لكن مشكلة الدفاع عن سامراء، مركبة، فبالاضافة الى جغرافيا المدينة، وانفتاحها شمالا وشرقا على صحراء الجلام وهي محور غير مسيطر عليه، وسبق أن كان مدخلا للمسلحين لاحتلال المدينة، فإن البيئة السكانية السنية غير المرحبة بقوات الجيش العراقي، وغير المرحبة ايضا بالمتطوعين وعناصر المليشيات الشيعية المتمركزين في المدينة، تفرض خيار زيادة حجم التحصينات والقوات في محيط مرقد العسكريين على وجه الخصوص.

لكن المسلحين لم يهاجموا سامراء بقوة كبيرة كما كان متوقعا، وتركوها باتجاه نقطة تماس الى الجنوب منها وهي بلدة بلد، ذات الغالبية الشيعية، والتي يتحكم من يفرض سيطرته عليها بقدرة الجيش العراقي على توفير الإمدادات المطلوبة للقوات المتمركزة داخل سامراء، وبقدرة القوات الحكومية التي رابطت في بلد من صد ذلك الهجوم.

نقطة التماس ذات الطابع المذهبي الأخرى في خريطة المعارك هي بلدة الخالص، إلى الشمال الشرقي من بغداد، في إطار حدود محافظة ديالى، وهي بلدة ذات غالبية شيعية، شهدت بدورها تحضيرات أمنية مكثفة، تصاعدت بعد الإعلان عن سقوط  بلدة العظيم الى الشمال منها بقبضة تنظيم «داعش» والمسلحين المتعاونين معه.

واقع الحال أن بلدة العظيم على المستوى الاستراتيجي في هذه المعارك أكثر أهمية من الخالص، فسقوط البلدة، يعني إنهاء كل وسائل الاتصال البرية بين مناطق النفوذ الكردي والذي امتد من مدن اقليم كردستان حتى جبال حمرين ، والنفوذ الشيعي الذي يمتد من بغداد وصولا إلى الخالص، ويتخلله وجود بلدات وقرى سنية متفرقة. علما أن طريق بغداد– كركوك– أربيل أصبح اليوم في حكم المغلق بسبب هذا الواقع.

مركز مدينة بعقوبة التي يسكنها خليط مذهبي، يعد بدوره نقطة تماس مذهبية شديدة الحساسية، وقد نجحت القوات الحكومية في صد هجوم للمسلحين في داخل بعقوبة، بعد أن سقطت بلدات جلولاء والسعدية والمقدادية بيدهم.

محافظة ديالى التي تحاد إيران شرقا، وأصبحت اليوم خاضعة لثلاثة قوى مسلحة هي القوات الحكومية ومسلحي «داعش» وقوات «البيشمركة» الكردية، لها أهمية كبيرة في مجمل هذا الصراع.

فمع تداول المعلومات التي لم يتم تأكيدها رسميا عن دخول 3 وحدات إيرانية إلى ديالى، قد يدخل الصراع حول ديالى منعطفات جديدة، وقد يثير أزمة ذات طابع إقليمي أو دولي.

الحديث عن نقاط التماس التي تحمل أبعادا مذهبية، والتي تنتشر على شكل بلدات وسط المحيط السني شمال بغداد، يرتبط بتعريف المعارك الجارية حاليا في العراق.

فحتى الآن تشير خريطة انتشار تنظيم «داعش» والمجموعات المسلحة السنية المتحالفة معه، إلى أنها تمركزت في مدن وبلدات تسكنها غالبية سنية، وأن البلدات التي تسكنها غالبية شيعية تمت حمايتها بشكل جيد من قوات حكومية ومتطوعين.

يمكن القول أن شكل الصراع في هذه المرحلة سياسي في جوهره، وأن توقف زحف المسلحين باتجاه نقاط التماس، وإيقاف تهديداتهم بدخول بغداد، يترك هامشا لمعالجة نوعية للأزمة ترتبط بمسارين أساسيين:

الأول: اطلاق حل سياسي حقيقي على الارض، والبدء باجراءات تشكيل حكومة جديدة، تعزل تنظيم «داعش» عن المحيط السني بمدن شمال بغداد، بما يضمن إجراءات كفيلة بتحقيق هذا الفصل.

الثاني: إطلاق عمليات عسكرية نوعية، بمساعدة السكان المحليين للمدن السنية، بهدف اعادة سلطة الدولة على الارض. وكان محافظ الموصل أثيل النجيفي رحّب بتشكيل قوة عسكرية من أهالي الموصل لاستعادة المدينة.

لكن تجاوز «داعش» لنقاط التماس، وإقدامه على احتلال بلدات شيعية، وارتكاب مجازر فيها، قد ينقل الصراع إلى مستوى مختلف تماما، ويتيح تحويله رسميا إلى صراع طائفي، وهذه نقطة ليس مستبعدا الوصول اليها في ضوء سلوك «داعش» المتوقع، وتهديداته المستمرة، بل ومنهجه السياسي القائم على خلق حروب طائفية.

لا يكفي في الواقع أن يتم حماية البلدات الشيعية من تمدد المسلحين إليها، فمع طبيعة المعركة الحالية، لا يبدو أن من المضمون تجنب تجاوز خطوط التماس في الايام المقبلة.

كما أن التقدم عسكريا لاستعادة البلدات والمدن السنية التي سيطر عليها المسلحون، من دون تحقيق المتغيرات السياسية المطلوبة، ومن دون استقطاب السكان السنة انفسهم للمشاركة في هذه المهمة، سيكون له اثر سلبي في توصيف الحل القادم، والذي يتمنى العراقيون أن يكون بأقل مستوى من الخسائر على الصعيد الوطني. ■