ما بين إصرار على مخالفة حكم المحكمة، وإقرار به على مضض، وتحذيرات من العواقب، والتزام الصمت.. استقبل إعلاميون مصريون مؤيدون لاتفاقية ترسيم الحدود بين القاهرة والرياض، الذي تنتقل بموجبه تبعية جزيرتي «تيران وصنافير» إلى المملكة، الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا، بإلغاء الاتفاقية.

الإعلاميون الذين ساروا في ركب الحكومة المصرية، وأكدوا خلال الشهور الماضية، أن الجزيرتين سعوديتان، تبيانت مواقفهم بعد الحكم، فمنهم من أصر على رأيه، ومنهم من تراجع على مضض، ومنهم من التزم الصمت.

في المقابل، احتفل إعلاميون بالحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا الذي رفض الاتفاقية، وأقر بمصرية الجزيرتين.

«مصطفى بكري»

النائب البرلماني والإعلامي «مصطفى بكري»، الذي هدد باستقالته من البرلمان واعتزال الحياة العامة، إذا ثبتت مصرية الجزيرتين، وأصدر كتابا قبل شهور يؤكد سعوديتهما، فقال إن «المحكمة التي نظرت الدعوى غير مختصة».

«بكرى»، قال أمس، إن «مجلس النواب (البرلمان) وحده صاحب الاختصاص الأصيل والمتفرد في مناقشة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وفقاً للمادة 151 من الدستور».

وأضاف: «ذلك الحكم سيكون واحداً من الوثائق التى ستُراعى خلال مناقشة الاتفاقية»، قائلا: «للمجلس وحده الحق في رفض أو الموافقة على الاتفاقية المحالة إليه بمقتضى المادة 151 من الدستور، وأؤكد إن الأمر لم يُحسم بعد، وإنه ما زال للمجلس الحق في رفض الاتفاقية أو قبولها».

ورداً على سؤال بأنه قد هدد باستقالته حال ثبوت مصرية الجزيرتين، أجاب عضو مجلس النواب: «لو أعلن المجلس أن الأمر قد حُسم الآن دون مناقشة الاتفاقية، سأتقدم باستقالتي، ولكن الأمر لم ينته».

وزاد «بكري»: «الجزيرتان سعوديتان 100%، وجميع الوثائق والمستندات تثبت ذلك، الرئيس عبد الفتاح السيسي، لا يمكن أن يفرط في أرض الوطن، دون أن يكون لديه الثقة الكاملة في أنها ليست من حق مصر».

«أحمد موسى»

أما الإعلامي المصري «أحمد موسى»، الذي كان أحد المدافعين عن سعودية الجزيرتين، حتى أنه رصد مليون جنيه (53.4 ألف دولار)، لمن يملك مستند يؤكد مصرية الجزيرتين، فتراجع أمس، خلال برنامجه «على مسؤوليتي» بفضائية «صدى البلد»، وقال إن «القضاء قد بت بقضية تبعية جزيرتي تيران وصنافير، وقدم حكما نهائيا حول هذا الموضوع»، لافتا إلى أن «حكم القضاء لا بد أن يُحترم ويؤخذ به على كل الأحوال».

وأضاف: «لا صوت يعلو فوق صوت النهاردة، حكم المحكمة الإدارية العليا، حكم محترم ودائما كنا نقول كده، احترامنا دائما للقضاء المصري، أوعاك في يوم من الأيام لما القضاء يحكملك تهتفله ولما يحكم ضدك تشتمه، القضاء هو قضاء».

إلا أنه حذر مما أسماه «التسخين»، وقال: «السعودية فيها ناس بتسخن بعد الحكم، وممكن تلاقي الاتنين ونص تلاتة مليون مصري اللي شغالين في السعودية عندك في مصر».

وتابع: «الخليج كله ممكن يعمل زي السعودية، وتلاقي 7 مليون مصري رجعوا.. هتتعامل معاهم إزاي؟»، واستطرد: «ولو رحنا تحكيم دولي الحكم بتاع النهاردة محلي مالوش أي قيمة وجهز بقى ورقك ومستنداتك».

«سعيد حساسين»

أما الإعلامي «سعيد حساسين»، الذي كان يؤيد الاتفاقية، ويدعو لها، فأرجع موقفه إلى عدم وضوح الرؤية من مؤسسة الرئاسة والحكومة حول وضع الجزيرتين.

وقال في برنامجه «انفراد» المذاع على فضائية «العاصمة» أمس، إن القضية افتعلت في هذا التوقيت بسبب عدم وضوح الحكومة التي أكدت سعودية الجزيرتين دون الإفصاح عن الدليل على ذلك، وتركت الشعب في حالة من عدم الوعي تجاه القضية.

وأضاف: «العيب مش علينا، العيب على الحكومة اللي طلعت بيان يقول إن الجزيرتين سعوديتين، ولم تخرج من يشرح تفاصيل مبرراتهم».

وتابع: «الحكومة تصدر المشكلات للشعب وليس للبرلمان فقط».

«تامر أمين»

أما الإعلامي «تامر أمين»، كان أحد المؤيدين للاتفاقية، وقال إنه «لديه ثقة كبيرة في مؤسسات الدولة المصرية وأولهم الجيش المصري وعقيدته، بعدم التفريط في نقطة مياه أو حبة رمل واحدة من أرض الوطن».

وأضاف: «لا أحد يعرف حقيقة تلك الجزر، ولا يمتلك معلومات تؤكد إلى أي طرفًا تنتمي»، متمنيًا أن «تعود إلى أصحابها الحقيقيين تحت أي ظرف».

وتابع: «لو توع السعودية.. حقهم ويرجعلهم.. ولو بتوعنا يفضلوا معانا.. ده كلام قولا واحدا».

التزام الصمت

بيد أن إعلاميين آخرين، التزموا الصمت بعد حكم المحكمة، كان على رأسهم، الكاتبة الصحفية «نشوى الحوفي»، التي كان لها تعليقا بارزا حين قالت إن «مصر احتلت الجزيرتين في 1950، لحماية مياه الخليج بعد احتلال فلسطين بالاتفاق مع السعودية».

الإعلامية «فريدة الشوباشي»، هي الأخرى، التزمت الصمت، رغم حديثها السابق التي قالت فيه: «لما بلاقي الإخوان بيشيروا كلام الرئيس الراحل عبدالناصر، الخاصة بملكية مصر لتيران وصنافير، يجعلني أفهم أن موقفنا صح، لأن اللي بيدافعوا عن الجزيرتين غلط، لأن دول ناس ملهومش أي عهد، ولا أمان، وكل حياتهم كانت غلط، وعبدالناصر كان بيقول الكلام ده للدفاع عن السعودية، والفيديو مجتزئ».

كما لم يظهر تعليقات ممن أيدوا من الاتفاقية وأقروا بسعودية الجزيرتين، مثل الإعلامي «مفيد فوزي»، و«لميس جابر» البرلمانية والكاتبة الصحفية، و«عادل حمودة» الكاتب الصحفي، و«محمد سلماوى» الكاتب والأديب، و«عماد الدين أديب» الإعلامي والصحفي، و«مكرم محمد أحمد» نقيب الصحفيين الأسبق.

فرحة

في المقابل، استقبل الإعلامي «وائل الإبراشي» الحكم بالاحتفال والأغاني، وعرض في مقدمة حلقته من «العاشرة مساء» على فضائية «دريم»، أغنية «مصر اليوم في عيد» للفنانة «شادية»، ليحقق الوحدة الوطنية على حد قوله، بعد حالة من التخبّط والبلبلة التي أصابت المصريين، حول تبعية «تيران وصنافير»، وحسم القضاء لها بحكم أمس.

كذلك أبدى تعجبه من حزن بعضهم على مصرية الجزيرتين، وقال: «إزاي تدخل على حد بحكم مصرية تيران وصنافير فيعيط أو يغمى عليه؟».

وتساءل «الإبراشي»، عن أسباب إصرار البعض على سعودية الجزر، حيث يرى أن ذلك الإصرار غير مبرر.

كما قال الإعلامي «يوسف الحسيني»، إن الخرائط من برلين والعالم ومصر تثبت أن الجزيرتين مصريتين.

وأضاف أن «تيران وصنافير داخل العقل والقلب والوجدان المصري»، مؤكدًا مصريتهما.

نظرية المؤامرة

وفي برنامج «الطبعة الأولى» على فضائية «دريم»، اعتبر «أحمد المسلماني» ما أسماه «فتنة تيران وصنافير» بمثابة «استدراج إسرائيلي لمصر والسعودية للدخول معها في حرب»، وقال: «افرض احتلت (إسرائيل) الجزر بعد تسليمهم للسعودية.. هيكون الوضع إيه؟».

واعتبر «المسلماني» أن «(إسرائيل) تهدف من محاولاتها جر مصر إلى صراع عسكري هي غير مستعدة له، وهو بمثابة مؤامرة جديدة على مصر»، على حد قوله.

خسائر ومحاكمة

من جانبه، قال «سعد عبود» البرلماني السابق، إن جميع من كانوا يقفون مع سعودية الجزيرتين سيتكبدون خسائر كبيرة بسبب فقدهم كرامتهم وشخصيتهم أمام جموع الشعب، كما أنهم سيفقدون أيضًا الدعمين المادى والمعنوى الذين كانوا سيحظون به فى حالة إتمام تنفيذ اتفاقية ترسيم الحدود مع المملكة السعودية.

وأضاف في تصريحات صحفية، أن بعض الشخصيات «منافقون ويتلونون حسب مصالحهم الشخصية، وليس حسب مصالح الدولة، ولن ينفذوا ما وعدوا به في حالة ثبوت مصرية الجزيرتين».

أما «مجدى حمدان»، نائب رئيس حزب الجبهة الديمقراطي، فقال إن «من أوجد لنفسه الحق في بيع الأرض والتنازل عنها، لن يتأخر عن الدفاع عن خيانته وبيعة لأرض الوطن».

وأوضح أن كل من دافع عن التفريط في الجزيرتين لصالح السعودية، لابد لهم أن يتواروا بعيدًا عن أعين الشعب، متسائلاً: «فبأى وجه سيواجهون الشعب من خلال حياتهم اليومية، بعد أن ثبت للبسطاء أن لديهم كل الاستعداد لبيع الوطن بأى مقابل».

وأضاف: «من العجيب أيضًا أن يفرح المصريون، لأن أرضهم ما زالت أرضهم، وأن الخونة لم يستطيعوا أن ينتزعوها».

وطالب نائب رئيس حزب الجبهة الديمقراطي، بمحاكمة هؤلاء، بالخيانة العظمى، طبقا للمادة 77 من قانون العقوبات، والتى تنص على «إعدام من يفرط فى أرض الوطن»، وتحويل الحكومة ومن طعن على الحكم إلى المحاكمة السريعة.

وأشار إلى أنهم «بنص القانون خونة وممولين».

وأضاف: «كما أنه لابد أن يتم رد اعتبار نقابة الصحفيين وكل الشباب الذى حوكموا لتمسكهم بموقف الجزر، ورد مبلغ الـ3 ملايين جنيه كفالات الشباب والإفراج الفورى عنهم».

وأمس، حسمت المحكمة الإدارية العليا في مصر (أعلى جهة للطعون الإدارية وأحكامها نهائية)، النزاع حول مصير جزيرتي «تيران وصنافير»، التي وقعت القاهرة والرياض اتفاقا، في إبريل/نيسان الماضي، تؤول بموجبه السيادة على الجزيرتين بالبحر الأحمر، للسعودية، وقضت دائرة الفحص بالمحكمة الإدارية العليا، ببطلان الاتفاقية الموقعة بين البلدين المعروفة إعلاميا باسم «تيران وصنافير».

وأثارت اتفاقية ترسيم الحدود التي وقعت خلال زيارة العاهل السعودي الملك «سلمان بن عبدالعزيز» للقاهرة احتجاجات واسعة في مصر، إذ اتهمت جماعات معارضة لـ«السيسي» بالتنازل عن جزيرتي «تيران وصنافير» مقابل استمرار المساعدات السعودية.

فيما تدافع الحكومة المصرية عن الاتفاقية بالقول إن «الجزيرتين تتبعان السعودية وخضعت للإدارة المصرية عام 1967 بعد اتفاق ثنائي بين القاهرة والرياض؛ بغرض حمايتها لضعف القوات البحرية السعودية، آنذاك، وكذلك لتستخدمها مصر في حربها ضد (إسرائيل)».

ورفضت الحكومة المصرية إجراء استفتاء بشأن الاتفاقية، واعتقلت مئات النشطاء الذين قاموا بمظاهرات احتجاج سميت بـ«مظاهرات الأرض».

ومن المتوقع أن يزيد الحكم من تفاقم التوتر بين الرياض والقاهرة، وسط توقعات باستمرار القطيعة بين البلدين على خلفية أزمة الجزيرتين.

وتعتبر المملكة أن ما حدث في مسألة جزيرتي «تيران وصنافير»، خداعا متعمدا للملك «سلمان بن عبدالعزيز»، الذي زار القاهرة مطلع أبريل/ نيسان الماضي، ووقع عددا من الاتفاقات التي كان في مقدمتها تنازل الحكومة المصرية عن جزيرتي «تيران وصنافير»، في مقابل مساعدات اقتصادية سعودية.

وشملت المساعدات تزويد مصر بمشتقات بترولية، واستثمارات مباشرة، ووديعة في المصرف المركزي لدعم الاحتياطي النقدي، لكن مصر أوقفت تسليم الجزيرتين في أعقاب تظاهرات غاضبة، وتحركات قضائية قام بها معارضون مصريون أسفرت عن حكم قضائي بوقف الاتفاقية.

وتقول مصادر مطلعة، إن ولي ولي عهد المملكة الأمير «محمد بن سلمان» اشترط تنفيذ اتفاق الجزيرتين، قبل اتخاذ أية خطوة نحو تصحيح العلاقات بين البلدين، مشددة على أن «بن سلمان» كان يراهن على تقديم نفسه للمجتمع السعودي، بشكل مختلف بعد تسلم الجزيرتين، واستغلالهما في زيادة أسهمه.

وبحسب المصادر، حاول عدد من الشخصيات العربية البارزة تأدية دور الوساطة في تقريب وجهات النظر، إلا أن هذه المحاولات قوبلت بالرفض، كما فشلت وساطات دول خليجية أبرزها الإمارات والكويت والبحرين في إنهاء الأزمة بين البلدين.