الاثنين 24 نوفمبر 2014 12:11 ص

اتفاق سياسي، اتفاق مبدئي، اتفاق إطار. أسماء كثيرة لتمديد واحد للمفاوضات، لكنْ لا اتفاق نهائياً بين الستة وإيران حول برنامجها النووي في فيينا. الفذلكة الديبلوماسية في تنويع العناوين، تستقر اليوم على مسمى أخير، مع انتهاء المهلة الزمنية المتفق عليها للتوصل الى ما كان يفترض ان يكون اتفاقاً شاملاً.

الأميركيون والإيرانيون، الذين يحتاجون إلى الاتفاق أكثر من أي طرف آخر في فيينا، ابتكروها لتفادي العودة بخفيّ حنين، وإسقاط رهانات متقاطعة في واشنطن باراك أوباما بتحقيق انجاز إستراتيجي في الملف الإيراني قبل انتهاء ولايته، في مقابل الحاجة الإيرانية الملحة للخروج من دوامة العقوبات الاقتصادية، لكن ليس بأي ثمن. 

مسودة الاتفاق السياسي، على ما تقول مصادر إيرانية، تحمل في طياتها، تمديداً لا يفصح عن اسمه، للاتفاق المرحلي في جنيف الذي سمح بتجميد قسم من النووي الايراني، في مقابل رفع بعض العقوبات وتحرير جزء من الأرصدة الإيرانية المحتجزة في المصارف الغربية، على ألا يتجاوز التمديد شهراً واحداً، كما قال مسؤول إيراني في فيينا، لتفادي الدخول في صدام مع الكونغرس الأميركي ذي الغالبية الجمهورية، والذي تبدأ ولايته بداية العام المقبل. فيما توقع أحد أعضاء الوفد الاميركي المفاوض جولة لا تتعدى شهر آذار المقبل. 

ويجدر بالاتفاق الاطار أن يتضمن الخطوط العريضة للقضايا التي تم حل الخلافات بشأنها، وتمسكاً باتفاقية جنيف التي تنتهي في الساعات المقبلة وبندها الذي يوصي باتفاق نهائي، وعدم فرض عقوبات جديدة، ومواصلة المفاوضات لما تبقى من قضايا عالقة، وفي مدة قصيرة، ما يفضي إلى إنقاذ المفاوضات مؤقتاً على المستوى التقني. ولكنها تفضي أيضاً الى تأجيل البحث الجدي بالتسويات السياسية الاقليمية، كما في لبنان وسوريا والعراق على نحو خاص، بعدما كانت تتوقع انفراجاً أميركياً إيرانياً، لم يأت من فيينا.

ويبدو التوافق على الاطار السياسي، وفتح نافذة مفاوضات جديدة، أمراً بديهياً، باعتبار أن المفاوضات ما زالت تدور حول النقاط الخلافية نفسها، منذ اجتماعات مسقط الاسبوع الماضي، وقبل العودة الى فيينا الاثنين الماضي، اذ لم ينجح تقاطع الوزيرين الإيراني محمد جواد ظريف، والأميركي جون كيري على الاتفاق النهائي كهدف للقاءات وليس إلى التمديد، على ما كرراه، في الوصول الى تسوية مقبولة.

ويقول مسؤول إيراني في الوفد المفاوض إن ثلاثة أيام من المفاوضات بين كيري وظريف، أفضت إلى تقدم متواضع. وقال إن الحديث عن عودة ظريف الى طهران للتشاور، لم يكن دقيقاً، وأن الوزير الإيراني أبلغ كيري أنه «إذا لم يكن لديكم من جديد، فالأجدى ان اعود الى طهران».

ويقول الإيرانيون إن الوزير الاميركي عمم انطباعاً بحماسه لمواصلة المفاوضات، وأن اجتماع ليل أمس، بين الوزيرين، جرى ثنائياً بطلب أميركي، في غياب ممثلة الاتحاد الاوروبي كاترين آشتون، بعد اجتماع ظهراً بحضورها.
وظهر انطباع بجدية الموقف الأميركي بالتوصل إلى تسوية، بإبلاغ كيري الإيرانيين أن مفاوضات أميركية - أميركية، بين الخارجية والكونغرس تجري بالتزامن مع فيينا، لاختصار الوقت، وتسهيل تمرير الاتفاق المحتمل.

ولم ينجح السعوديون في اختراق المفاوضات، برغم نزول وزير الخارجية سعود الفيصل في فيينا للقاء كيري، بعدما تعذر لقاء سعودي أميركي في باريس، لانشغال كيري بالتفاوض مع الوزير الإيراني.

وتقول مصادر عربية مطلعة إن الوزير السعودي طلب من وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس، خلال لقاء في باريس، العمل ما أمكن على منع التوصل إلى اتفاق، أو على الأقل عرقلة أي تسوية تأخذ بالمطالب الإيرانية.

ويقول مسؤول إيراني في فيينا إن الفرنسيين لعبوا دوراً معرقلاً في المفاوضات بالتشدد في مطالبهم، ولم يكن وزير الخارجية الفرنسي مقنعاً بقوله لدى وصوله إلى فيينا «إننا نعمل على حل ما تبقى من خلافات».

وكان الفرنسيون قد ردوا على طلب إيراني بوضع جدول زمني لرفع العقوبات الاقتصادية، بفصل لائحة العقوبات الاقتصادية عن لائحة العقوبات التي تمس مباشرة البرنامج النووي، إمعاناً في التعقيد. فيما يعرض الأميركيون تعليقها، في انتظار التأكد من احترام إيران لتعهداتها في إطار أي اتفاق محتمل.

ولكن الجدية الاميركية في المفاوضات، لم تصل إلى تغيير الأهداف منها، خصوصاً أن الاسرائيليين كانوا يتابعون المفاوضات عن قرب، متفادين في الساعات الاخيرة التدخل علناً فيها، والاكتفاء «بالانتظار لرؤية النتائج»، كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع اقتراب انتهاء مهلة المفاوضات.

وجلي أن الأميركيين لا يزالون يعملون في فيينا على تطويق البرنامج النووي الإيراني، مع تغيير بارز منذ الاتفاق المرحلي في جنيف، بالعمل على إبطائه بدلاً من تعطيله، لأن القاعدة العلمية والتكنولوجية، والبنى التحتية للبرنامج أصبحت بمنأى عن أي تعطيل، برغم حصار اقتصادي دولي، وسبعة قرارات بالعقوبات، اثنان منها تحت الفصل السابع.

وبرغم أن الاتفاق على نسبة التخصيب التي لن يتخطاها الإيرانيون، لن تتغير على ما نص عليه الاتفاق المرحلي عند عتبة الخمسة في المئة، إلا أن السعي الاميركي إلى إبطاء البرنامج النووي الإيراني بدا جلياً في نقاط عدة.

وتنطوي النقاط أولاً، الموافقة، بعد رفض على استمرار تشغيل مفاعل آراك، على تنازل شكلي من الفرنسيين والأميركيين، إذ طلب هؤلاء في المقابل، تشغيل منشأة آراك بالمياه الخفيفة بدلاً من المياه الثقيلة الذي تعتمده إيران، لمنعها من اكتساب تقنية معقدة وسريعة للحصول على البلوتونيوم الضروري لتشغيل وتغذية المفاعلات النووية المدنية، التي من المنتظر ان تبلغ عشرة مفاعلات في العقدين المقبلين على ما يقول الإيرانيون، بعد توقيعهم على مفاعل آخر مع الروس، يضاف إلى مفاعل بوشهر.

وعندما عرض الإيرانيون ضمان عدم تخصيب أكثر من ثمانية كيلوغرامات من البلوتونيوم في العام (وهي كمية كافية لقنبلة نووية) والاكتفاء بكيلو واحد، رفض الاميركيون العرض.

إن التركيز على تشغيل مفاعل أراك بالمياه الخفيفة بدلاً من الثقيلة، يجبر الإيرانيين على استنفاد مخزونهم من اليورانيوم المخصب، للحصول على البلوتونيوم. فيما لا يحتاج إنتاجه عبر المياه الثقيلة إلا تذخيره باليورانيوم الخام، وهي عملية معقدة، ولكنها تشكل للإيرانيين بديلاً مستقبلياً لا بد منه، للاستغناء عن أجهزة الطرد المركزي، البدائية نسبياً، خصوصاً أن الاميركيين يطلبون ايضاً تجميد البرنامج لمدة تتراوح بين 15 و20 عاماً، وعدم البقاء أسرى تقنية واحدة لإنتاج البلوتونيوم، فيما يتوقف الروس عن تزويدهم بالوقود الضروري لتشغيل بوشهر بعد خمسة أعوام.

وتندرج المطالبة بفصل سلاسل آلات التخصيب عن بعضها وتفريقها مجموعات، بهدف إبطاء البرنامج، وهي نقطة تفاوضية حاسمة، إذ ينصب الإيرانيون في نتانز 12 ألفاً و699 آلة لتخصيب اليوارنيوم بنسبة 5.3 في المئة، بينما أوقفوا العمل بـ2710 طاردات في موقع نتانز، كانت تنتج نسبة 20 في المئة من اليورانيوم المخصب بعد اتفاق جنيف. ويحتاج التخصيب إلى وصل الآلات ببعضها لتعمل بطريقة تسلسلية وتسمح بتدفق آلي للغاز من مجموعة إلى أخرى، وإنتاج اليورانيوم بأسرع وقت ممكن، يؤدي فصلها عن بعضها إلى إبطاء الإيقاع والعمل على نقل الكميات من مجموعة إلى أخرى.

 
المصدر | محمد بلوط، السفير