الأحد 22 يونيو 2014 06:06 ص

هارون ي. زيلين، مجلة ذي أتلنتيك، 13/6/2014

ما لبث تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أن سيطر على مدينة الموصل العراقية والقرى المحيطة بها حتى بدأ يسن القوانين التي سيحكم بها "دولته" الإسلامية. ففي 12حزيران/يونيو عمّم التنظيم السني المسلح على سكان مدينة الموصل ما سمّاه بـ"وثيقة المدينة". ولعل العديد من سكان هذه المدينة التي تضم غالبيةً سنية قد رحّبوا في بادئ الأمر بـ "التحرر" من نظام رئيس الحكومة نوري المالكي الذي يهيمن عليه الشيعة، لا سيما بسبب نزاعاتهم الكبيرة معه، ولكنهم ربما عادوا إلى رشدهم بعد الاطلاع على تفسير الجهاديين للشريعة الإسلامية. فالسارق سوف تقطع يده، والصلوات الخمسة في الإسلام فرضٌ لا بد من تأديته في وقته الصحيح. أما المخدرات والخمر والسجائر فمحرّمة، وحمل الأسلحة والأعلام غير التابعة لـ «داعش» عملٌ غير مشروع. كذلك اقتضت الوثيقة تدمير كافة المزارات الشركية والتماثيل في العراق لأنها تعتبر إشراكاً بالله، ويتعيّن على النساء ارتداء ملابس محتشمة (تعبير ملطف للنقاب الكامل).

وتسلط هذه القواعد الضوء على الواقع الحياتي الصعب في الأراضي الخاضعة لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام». إلا أن هناك ناحية لهذه الجماعة غالباً ما يتم تجاهلها ألا وهي: استراتيجية القوة الناعمة التي تنتهجها في الحكم بما تتضمنه من خدمات اجتماعية ومحاضرات دينية و "دعاوى" يقدّمها التنظيم إلى السكان المحليين بمن فيهم أولئك الذين يسكنون في بعض مناطق شمال غرب محافظة الأنبار العراقية التي استحوذ عليها «داعش» في فصل الشتاء الماضي. وفي القانون الذي وضعته «الدولة الإسلامية في العراق والشام» لسكان الموصل، فتح التنظيم أمام المواطنين السنة الذي عملوا في مؤسسات حكومة المالكي وأجهزتها الأمنية باب التوبة والتكفير عن أفعالهم، ليتيح لهم تجنب السجن أو الإعدام. وقد سبق أن سمح «داعش» لأعضاء "الصحوة" (الذين شاركوا في مجالس "الصحوة" السنية التي دعمت الولايات المتحدة نشوءها خلال "طفرة" قواتها العسكرية ضد تنظيم «القاعدة في العراق») بالتوبة في محافظتَي بابل وديالى.

وأفضل طريقة لفهم مخطط تنظيم «داعش» لبناء الدولة هي معاينة الأسلوب الذي حكم به محافظة الرقة وغيرها من المناطق في سوريا المجاورة. فقد اقتضت الخطوة الأولى التي اتخذها التنظيم في غالب الأحيان بوضع لوحات إعلانية على مشارف البلدة للتشديد على أهمية الجهاد والشريعة وعفة النساء إلى جانب مواضيع أخرى من التقوى المتزمتة. كما توجّه التنظيم أيضاً إلى وجهاء المنطقة وزعماء العشائر من أجل كسر حدة رد الفعل الذي واجهه تنظيم «القاعدة في العراق» وتفسيره المتشدد للشريعة خلال حركة "الصحوة" في العقد المنصرم.

ويتصف التنظيم أيضاً ببيروقراطية مفاجئة بتطورها، إذ أنها تضم عادة نظاماً قضائياً إسلامياً وقوة شرطةٍ جوالة. وفي مدينة منبج السورية على سبيل المثال، أقدمت عناصر من «الدولة الإسلامية في العراق والشام» على قطع أيدي أربعة لصوص. وفي محافظة الرقة فرضت إغلاق المتاجر التي تبيع منتجات متدنية الجودة في السوق فضلاً عن محلات المتاجر الكبيرة ["السوبر ماركت"] العادية وأكشاك الكباب - وهذه خطوة صدرت على الأرجح عن مكتب "هيئة حماية المستهلك" التابع للتنظيم. كما قامت عناصر «داعش» بجلد الأشخاص الذين أهانوا جيرانهم، وصادرت الأدوية المزورة وقامت بتلفها، ناهيك عن تنفيذها عمليات إعدام فورية بتهمة الردّة. وكذلك أتلفت صناديق من علب السجائر ودمرت المقامات والقبور - من ضمنها مقام أويس القرني في الرقة.

وبالإضافة إلى هذه التدابير القضائية، تنخرط «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في الأشغال العامة. ففي نيسان/أبريل على سبيل المثال، استكمل التنظيم أعمال بناء سوقٍ جديد في الرقة ليتبادل فيه السكان السلع والبضائع. كما يدير «داعش» مكتباً لخدمة الكهرباء حيث تتم مراقبة مستويات استهلاك الكهرباء وتمديد خطوط كهربائية جديدة وإجراء ورش عمل لتعليم كيفية تصليح الخطوط القديمة. هذا ويعمل المقاتلون على ردم حفرات الطرق، وتأمين النقل بالحافلات بين المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وتأهيل الحواجز الوسطى المتلفة بين الطرقات لدواعٍ جمالية، فضلاً عن تشغيل مكتب للبريد وآخر للزكاة (علماً بأن الجماعة تزعم أن هذا المكتب ساعد المزارعين في مواسم الحصاد). والأهم من ذلك بالنسبة لروافد الأنهر السورية والعراقية هو أن تنظيم «داعش» يواصل تشغيل سد "تشرين" (لكنه أعاد تسميته بـ "الفاروق") على نهر الفرات. ومن خلال جميع هذه المكاتب والدوائر، تتمكن «الدولة الإسلامية في العراق والشام» من توفير نوعٍ من الاستقرار في المناطق المهمشة التي تفتقر إلى الاستقرار، حتى وإن كان الكثيرون من سكانها لا يوافقون على مشروعها الإيديولوجي.

لكن ذلك لا يعني أن هذا المشروع الإيديولوجي ليس جزءاً لا يتجزّأ من الخدمات الاجتماعية التي تقدمها «الدولة الإسلامية في العراق والشام». فمؤسستها الإعلامية المدعوة "الاعتصام" تقيم الأكشاك لتوزيع أقراص الفيديو الرقمية ["دي في دي"] عن الأشرطة المصورة التي تعرضها على شبكة الإنترنت. وفي عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش»، تجول شاحنة "دعوية" في الأرجاء وهي تبث معلومات عن معتقدات التنظيم. وفضلاً عن ذلك، أسست «الدولة الإسلامية في العراق والشام» عدداً من المدارس الدينية للأطفال، من بينها مدارس للفتيات تتعلّمن فيها حفظ القرآن الكريم وتنلن الشهادات عند النجاح، مع الإشارة إلى أن هذه المدارس تقيم "أياماً ترفيهية" للأطفال تزخر بالمثلجات والشرائح القابلة للنفخ. ولنظراء هؤلاء الأطفال الأكبر سنّاً يقيم «داعش» دورات تدريبية للأئمة والدعاة الجدد. ويتم نشر جدول مواعيد الصلاة ودروس القرآن في المساجد. لكن التطور الأكثر إثارةً للقلق هو أن «الدولة الإسلامية في العراق والشام» تدير مخيمات تدريب لـ "أشبال الكشافة" وتأوي هؤلاء المجندين في المنشآت التابعة للتنظيم.

كذلك طوّر متشددو «داعش» برامج للخدمات الصحية والاجتماعية. فقد ساعدت «الدولة الإسلامية في العراق والشام» على تشغيل المخابز وتأمين الفاكهة والخضار للعديد من العائلات وتقوم عناصرها بتوزيع السلع والبضائع شخصياً. وفي الرقة أنشأ «داعش» مطبخاً لإطعام المحتاجين و"مكتباً لرعاية الأيتام" للمساعدة في إيجاد عائلات لهم. وفي حين كانت حركة طالبان تبدي ارتياباً وتهكماً إزاء حملات التطعيم، إلا أن تنظيم «داعش» يجري حملات كهذه ضد شلل الأطفال للحد من تفشي هذا المرض.

وفي حين أن الحوكمة والخدمات الاجتماعية التي يوفرها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»  لا ينبغي أن تطغى على أعمال القمع والعنف المميت التي يرتكبها، إلا أنها توضح فعلياً أن الجماعة تدير عملية متطورة وفائقة التنظيم. إن المبلغ الذي صارده «داعش» في الأسبوع الأول [من سيطرته على مدينة الموصل] من "البنك المركزي" بقيمة 425 مليون دولار أمريكي (ما يقرب من نصف مليار دولار!) لن يساهم في مدّ المسلحين بالعون اللازم في ساحة المعركة فحسب، بل سيساعد أيضاً في دعم حملة التنظيم التي تهدف إلى كسب القلوب والعقول. ومن شأن هذه الجهود أن تصعّب إلى حدٍّ كبير تخليص سوريا والعراق من هذه الدولة البدائية الناشئة. 

هارون ي. زيلين هو زميل "ريتشارد بورو" بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذراع البحثي للوبي المصالح الإسرائيلية في واشنطن.