الداعية «سلمان العودة»، أو «سلمان بن فهد بن عبد الله العودة»، كما تقول أوراقه الثبوتية السعودية، عالم دين يخطو خلال عامه الثاني والستين، نحيف الجسد؛ خطت السنوات والآلام آثارها على وجهه فأكسبته تجاعيدًا .. لكن الأخيرة لم تؤثر على ابتسامته المعهودة المعروفة التي تكاد تطل على المُلتقين به، ولو في الطريق العام قبله.

«العودة» الذي ولد في جمادى الأولى من عام 1376هـ الموافق لـ14 من ديسمبر/كانون الأول 1956م في قرية البصر بمدينة بريدة بإمارة القصيم، لا يُخفي في كتاباته التي تناولت الطفولة حنينه الجارف إلى تلك المرحلة، لكنه لا يُصرح أبدًا بأن صفاته الشخصية جعلتْ من حياته نموذجًا لعالم الدين المعاصر المُمسك بزماميّ العلم الشرعي كما ينبغي أن يكون .. مع ضرورة الجهر به.

الداعية السعودي الأشهر كتب اسمه بحروف من نور ضمن العلماء، لا العالمين، لكن العاملين أولًا؛ فإن كانت السعودية قدمت للأمة العربية الإسلامية في العصرين الحديث والمعاصر عددًا من أشهر العلماء الدينيين؛ بخاصة الذين على قيد الحياة، إلا أن «العودة» يقف علمًا وحده، وعالمًا بمفرده.

 نال «العودة» الدكتوراة في عام 2004 في الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود عن بحث قدمه من 4 مجلدات حول جزء الطهارة من كتاب «بلوغ المرام»؛ وبمشاركة علماء بارزين من مثل «عبد الله بن جبرين»، «عبد الله بن بيه»، و«خلدون الأحدب»، بالإضافة إلى فقه الطهارة الواجب للعبادة، المُمثل للجانب الأكثر بروزًا وانفتاحًا في الفقه الإسلامي، على حساب فقه المعاملات بخاصة علاقة الأمة بالحاكم؛ وكان من تدابير الخالق أن كانت رسالة ماجستير العودة من قسم السنّة وعلومها في كلية أصول الدين عن موضوع «أحاديث الغربة»، وما تزال الغربة، في سبيل الحق تتقاذف الرجل حتى ألقتْ به في السجن منذ أيام صابرًا محتسبًا.

أول فكرة .. والإقصاء عن العمل

جمعت الأقدار لـ«العودة» الذكاء الفطري مع حسن التحصيل العملي والقبول الاجتماعي إلى جانب الاستعداد للجهر بكلمة الحق، وهو ما استطاع عبر السنوات القليلة استطاع استخدام اللغة المناسبة ليتغلب على سياق المشكلات التي وقع فيها في عقد التسعينيات من القرن الماضي.

وهو يتتلمذ  على يد علماء بارزين من أمثال «عبد العزيز بن باز، «محمد بن صالح العثيمين، «عبد الله بن باز»، و«الشيخ صالح البليهي»، في جامعة الإمام محمد بن سعود في القصيم حتى نال بكالوريس الشريعة، وفي غيرها من أماكن الدراسة العلمية .. شغله الشاغل كان وضع الأمة الإسلامية وموقفها الحضاري المُتعب المُعنى؛ غير أنه لم يتوقف عند البحث العلمي والدراسة كما يحلو لغيره أن يفعل، ولم يحب أن يُظهر أمام كاميرات التلفزيون وحتى مواقع التواصل سعة أفقه وحسن ذاكرته ومداوته على الاستشهاد بالنصوص المقدسة من القرآن والسنة وأقول السلف الصالح؛ مع حفظه لآي الذكر كاملة بالإضافة لصحيح مسلم وغيرهما، ترفع عن هذه المظاهر لما هو أعمق وأنقى.

رأى نهضة الأمة دورًا غير مقصور فحسب على الكتابات النظرية، وفكرة رائدة تجلب صبرًا طوال العمر عليها، مع محاولة بثها ونشرها في جميع الأوساط بخاصة الشباب ومن هنا جاءت كتبه ومؤلفاته التي تقارب السبعين، ذات العناوين التي أضفى عليها جاذبية خاصة بلمسته الأدبي ومنها: «شكرًا أيها الأعداء»، «أدب الحوار»، «الإغراق في الجزئيات»، «الكلمات الحرة ضمان»، «حتى لا تغرق السفينة»، «جلسة على الرصيف، «بعض أخطاءنا في التربية، «مزالق أهل العلم، «لا يزالون مختلفين.

ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي حرص «العودة» على تقريب فكرته إلى الشباب عبرها؛ كي يوعيهم بما هو أبعد من الخطاب الديني الذي يحث على حسن الخلق والعمل، مع أهميتهما، ولكن الرجل حرص على بث روح التيسير وأيضًا وضع ميزان التألق الحضاري والسعي نحو في النفوس.

يختار «العودة» لأفكاره أبسط الكلمات وأدقها مثل برنامجه «وسم».

بدأت سفينة الحياة تمضي منذ كان مدرسًا في معهد ديني، ثم ما لبث أن صار أستاذًا في جامعة الإمام محمد بن سعود القصيم لكن مواقفه السياسية النابعة من فكرته عن نفسه أنه ليس مجرد عالم دين .. ومجاهرته بالحق سعيًا إلى نصرته ونشره عمليًا؛ غير مكتف بلقب أحد شيوخ الصحوة الإسلامية، كما عُرفَ عنه في ثمانينيات القرن الماضي، كل هذا أحاطه بهالة نورانية ما لبثت أن أبعدته عن عمله بل أقصته حتى بعيد!

مع الملك «فهد»

تقف السلطات في الوطن العربي للمُجيدين والنابغين بل المُبدعين بالمرصاد، وكل بلد له مع هذه الفئة جولات ودروب للتعامل، وفي المملكة علماء الدين يشغلون جزءًا غير قليل من مخاوف الأنظمة، فالصادقون من هؤلاء، وإن قلوا يستعصون على الاحتواء، فلا هم يقبلون بالمناصب الرسمية، ولا هم ينضوون وينضمون إلى ركاب الحكم ورجاله .. فلا سبيل إلى التعامل معهم إلا بالسجن بخاصة مع ما لهم من تأثير هائل على المواطنين، وإن أمعنت الأنظمة في محاولة تقوية عود العلمانيين في مواجهتهم والسخرية منهم .. ومنحهم جرعات تدريجية من الصلاحيات.

غزا الراحل «صدام حسين» الكويت في أغسطس/أب 1990م، وما لبثت الأمور أن تدهورتْ في الوطن العربي لتتكشف عن الموقف المُلتبس اليوم، وما إن جاء عام 1991م حتى كان «العودة من أبرز منتقدي التعاون السعودي ـ الأمريكي في حرب الخليج الثانية، وتولى بنفسه جمع توقيعات العلماء على بيان يرفض مجرد أن تطأ أقدام جنود أجانب أراضي شبه الجزيرة العربية، وخطب مُعلنًا ذلك، فما لبثت السلطات المتحفزة المُستفزة أن استدعته إلى التحقيق مرات، ولعل الأخيرة التزمت الحلم والصبر ما استطاعت.

لكن «العودة» الرجل .. لم يلبث أن أسفر عن موقف أكثر نضوجًا، معلنًا استواء فكرة عالم الدين المُضحي بالغالي والنفيس في سبيل رفعة بلده ومن ثم أمته، فما إن جاء يونيو/حزيران 1992م حتى كان العودة أحد الموقعين على مذكرة النصيحة التي وجهها علماء وأكاديميون إلى الملك الراحل فهد بن عبد العزيز آل سعود، متضمنة مطالبات بإصلاحات قانونية وإدارية واجتماعية وإعلامية، (شاملة باختصار) في إطار الشرعية الإسلامية.

وخاف الراحل الملك «فهد» على الكرسي، وكشرت النخبة الحاكمة عن أنيابها، وبعد قرابة 3 أشهر فحسب (لزوم التنويه وعدم المباشرة في رد الفعل)، وفي سبتمبر/أيلول 1993م تم منع «العودة» من إلقاء الخطب والمحاضرات العامة .. وتمهلت خطوات السلطات السعودية قليلًا لكنها لم تنس الرجل العودة فألقت القبص عليه في 16 من أغسطس/أب 1994م ليذوق مرارة السجن لـ5 سنوات دون محاكمة.

وخلف الأسوار أضافت المحنة للداعية ألقًا وفهمًا وإنسانية وعذوبة فهم جديدة .. لكنها لم تكن لا آخر المحن .. ولا حتى آخر تجربة سجن يمر بها صاحب الجسد النحيل والفكر المتوقد والابتسامة المتلألئة .. والفهم الرائع لقضايا الأمة والتعامل معها .. لم تكن آخر محنة يمر بها الرجل الداعية الفارس «سلمان العودة».