الخميس 3 يوليو 2014 05:07 ص

د. بشير موسى نافع، القدس العربي، 3 يوليو/تموز 2014

أحيت أوروبا الأسبوع الماضي الذكرى المئوية لبداية الحرب العالمية الأولى، التي أطلق شراراتها قيام قومي صربي، في 28 حزيران/يونيو 1914، بإطلاق النار في مدينة سراييفو على ولي عهد النمسا. وبالرغم من أن ليس ثمة مصادفات في التاريخ، فمن المستبعد أن يكون العراقيون الذين طردوا جيش المالكي من الموصل وتكريت قد خططوا لعمليتهم في مئوية الحرب التي أطاحت بالنظام العثماني في المشرق وانتهت إلى بناء نظام جديد كلية. ما حدث، أن هذه العملية، التي أدت فعلياً إلى فتح الحدود العراقية – السورية أمام قوة مسلحة لا تمثل دولة معترف بها (non-state actor)، وإلى توسع كبير في الإقليم الكردي ودفع قياداته نحو الاستقلال عن العراق، أثارت وتثير جدلاً كبيراً حول ما إن كان نظام ما بعد الحرب الأولى في المشرق لم يعد قابلاً للاستمرار. 

ثمة ملاحظات أولية حول هذا الجدل لابد من الإشارة إليها للحفاظ على صحة السرد التاريخي. لم تبدأ الحرب الأولى مباشرة بعد حادثة سراييفو، بل أن بعض القادة الأوروبيين ظن بداية أن الحادثة لن تترك أثراً كبيراً على المناخ السياسي الأوروبي. بعد خمسة أسابيع، كانت المدافع تنطلق في كل أنحاء القارة. وبالرغم من اندلاع الحرب في آب/أغسطس 1914، لم تصبح السلطنة العثمانية طرفاً فيها. وقد اتضح مؤخراً، بفضل جهود عدد من المؤرخين، أن ضباط الاتحاد والترقي وكبار رجال الحكومة العثمانية، لم يأخذوا مسألة الحرب باستخفاف ولا تسرعوا إلى التحالف مع ألمانيا والنمسا، كما كان شائعاً في دراسات الحرب الأولى.

الحقيقة، أن العثمانيين تجنبوا الحرب والتحالف مع الألمان، بالرغم من الإغراءات التي قدمها الأخيرون، حتى مطلع تشرين ثاني/نوفمبر. ولم تقتنع اسطنبول بضرورة الالتحاق بالحرب إلا بعد أن فشلت جهود الحصول على ضمانات من بريطانيا، وتأكدت الاستخبارات العثمانية أن روسيا القيصرية بصدد مهاجمة المضايق ومنطقة الحدود شمال الأناضول، على أية حال.

بدأت مفاوضات بريطانية – فرنسية مبكرة حول مصير المشرق العثماني في حال انتصار الحلفاء؛ وانتهت في ربيع 1916 بما عرف باتفاقية سايكس – بيكو، البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو، التي ألحق بها بعد ذلك اتفاق بريطاني – روسي، حول منح روسيا المضايق العثمانية، ورسالة وزير الخارجية البريطاني للورد روتشيلد، التي حملت وعداً بريطانياً بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين (بدون أن توضح الرسالة مالذي يعنيه هذا الوطن القومي أو ما هي حدود هذه الفلسطين). ولا يبدو أن المراسلات التي كانت تجري حينها بين السير هنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، وحسين بن علي، شريف مكة، وما تضمنتها المراسلات من وعود، قد تركت أثراً على الاتفاقيات البريطانية – الفرنسية – الروسية، أو على وعد الوطن القومي. وهذا ما سيشكل أول مأزق للنظام الشرق أوسطي الذي خططت له بريطانيا وفرنسا. 

وما إن انتهت الحرب، حتى بدأت مآزق أخرى في البروز. في ما تبقى من الدولة العثمانية، اجتمعت قوة عثمانية معتبرة، برلمانيون سابقون، علماء وشيوخ عشائر، بقيادة مصطفى كمال، وبدأوا حركة مقاومة هائلة ضد قوات الحلفاء والقوات اليونانية، التي بسطت نفوذها على مناطق مختلفة من الأرض العثمانية، كان يفترض أن تبقى حرة مستقلة بعد توقيع اسطنبول اتفاقية الهدنة في جزيرة مدروس في نهاية 1918. قبل ذلك بقليل، كانت الثورة البلشفية قد أطاحت بالحكم القيصري، أخرجت روسيا من الحرب كلية، وتخلت عن الشق الروسي في اتفاقات الحلفاء؛ بل وانتهت إلى التحالف مع المقاومة العثمانية ضد الحلفاء.

انتصر المقاومون العثمانيون في ما سيعرف في تركيا الجمهورية بحرب الاستقلال في 1922، حرروا ما تبقى من السلطنة من السيطرة الأجنبية، أجبروا الحلفاء على التخلي عن مشروع إقامة دولة كردية في مباحثات لوزان، واستمروا في المطالبة بولاية الموصل وقضاء الإسكندرون، اللذين سيطر عليهما الحلفاء بصورة غير شرعية، بعد توقيع مدروس. حل الخلاف حول الموصل في استفتاء للسكان تحت إشراف عصبة الأمم، ولكن الجمهورية التركية حصلت أخيراً على الإسكندرون من الفرنسيين في 1938.

وسرعان ما تعرضت سايكس – بيكو أيضاً للتعديل في الولايات العثمانية ذات الأغلبية العربية، التي سيطر عليها الحلفاء أثناء سنوات الحرب. كان لويد جورج، رئيس حكومة الحرب البريطانية، يعتقد أن الفرنسيين علمانيون غير دينيين، وأنهم لم يساهموا في الحرب في الشرق الأوسط، على أية حال؛ ولا يستحقون الحصول على ما تم التفاوض عليه في سايكس – بيكو. وهكذا، عقدت بين الحليفين مفاوضات جديدة في سان ريمو في 1920، أدت إلى تقسيم المشرق العربي من جديد. على الأرض، كان ضباط مقاومون عرب في سوريا قد دفعوا القوات البريطانية شرق نهر الخابور، بينما أطاح عبد العزيز آل سعود بحكم الأشراف في الحجاز، ووحد الجزء الأكبر من الجزيرة العربية فيما سيعرف منذ 1930 بالمملكة العربية السعودية. وهكذا، ولدت دول العراق وفلسطين وإمارة شرق الأردن، تحت الانتداب البريطاني، وسورية ولبنان، تحت الانتداب الفرنسي. 

المهم في هذه السردية المختصرة، أن مسودة واحدة للنظام المشرقي عشية الهزيمة العثمانية لم توجد. ما وجد، كان سلسلة من الاتفاقيات، التي عكست أهواء ورؤى دول الحفاء لمصالحها، من جهة، ومتغيرات مستمرة على الأرض، نجمت عن مقاومات وطموحات متداخلة أحياناً ومتضاربة في أحيان أخرى. بمعنى، أن النظام الذي عاش في ظله المشرق طوال زهاء المئة عام لم يولد من رحم مجموعة أزمات وحسب، بل وأقيم أخيراً وهو يحمل عوامل التأزم في داخله.

لو أتيح للعرب قيادة صلبة كتلك التي أتيحت للأتراك، أو أن مصطفى كمال تخلى قليلاً عن حساباته الواقعية، لربما كانت صورة المشرق غير تلك التي عرفها طوال القرن الماضي. مهما كان الأمر، فقد فرض النظام في صورته الأخيرة قسراً، بدون أن يلبي مطامح العرب العثمانيين في إقامة دولة عربية واحدة، ولا مطامح الكرد في إقامة دولة لهم. وصنع كيانات تفصلها حدود، قسمت أسراً وعشائر، لم يكن لها من مسوغ طبيعي، ولا هي استجابت لحاجات الدول الوطنية الناشئة. اقتطع جزء من سوريا لإعطاء لبنان ما يكفي من مساحة ويد عاملة لإقامة دولة، وأقيمت دولته على أساس من المحاصصة الطائفية القلقة؛ بينما لم يمنح العراق منفذاً كافياً على البحر، وكان عليه أن يعيش مهدداً بدول جوار أقوى منه، وبحركة قومية كردية لم تهدأ مطلقاً. وفوق هذا كله، زرعت الدولة العبرية، بطموحاتها التوسعية، وسياستها التدخلية في شؤون جوارها العربي.

ليس من الواقعي تجاهل مئة عام من الدول الوطنية، والمخيال الجمعي الذي صنعته لشعبها عبر وسائل صناعة الأمم، من التعليم والإعلام، إلى المتحف والنشيد الوطني، ومن الجيش والإدارة البيروقراطية إلى شبكة المصالح والعلاقات الاجتماعية. ولكن الأمم لا تعيش في فراغ، وإن لم يتوفر لها من عوامل نمو وتماسك، تتعرض للانتكاس والتحلل. وقد عاشت هذه الكيانات صراعاً مستمراً بين قوى التماسك والبقاء وقوى الانحدار والتحلل. والواضح، أن عجز هذه الكيانات عن تحقيق طموحات شعوبها، وإخفاقها المزمن في بناء منظومة تعاون وتعاضد، لم يؤديا إلى اندلاع حركة الثورة العربية وحسب، بل وإلى أن تعمل رياح الثورة على تفاقم تأزم النظام الإقليمي كله. خلال السنوات القليلة الماضية، تسارعت تدخلات الدول في شؤون بعضها البعض، وتراجعت سيادة الدولة الوطنية لصالح التحالفات الإقليمية، ثم بدأت حدود الدولة الوطنية في الانهيار أمام ضغوط القوى من غير الدول، كما هي حالة الجماعات الكردية المختلفة، القوى المقاتلة السورية، المتطوعين الشيعة وقوات حزب الله، الجماعات الشيعية المسلحة، والثوار العراقيين وداعش.

لا أحد يعرف إلى أين ستنتهي هذه السيولة السياسية المسلحة. وهذا، ربما أكثر العناصر مأساوية؛ لأنه يعني أن ليس ثمة نهاية قريبة للموت والدمار الذي يجتاح المشرق وشعوبه. ما هو واضح، أن نظام المئة سنة الماضية لم يعد لديه قدرة كافية للاستمرار؛ وأن على الشعوب أن تدفع ثمناً باهظاً، قبل أن تدرك أمم الشرق الرئيسة أن عليها الجلوس معاً للتوافق على نظام مشرقي جديد.

 

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث