تونس: هل يقبل سعيّد قرار المحكمة الإدارية؟

هل تونس يحكمها القانون أم أنها مزرعة يتصرّف بها شخص واحد بعد أن ائتمنه الذين صوّتوا له باعتباره أستاذا في القانون على البلاد والعباد.

أراد سعيّد السيطرة على القضاء فحل المجلس الأعلى للقضاء وأغلق مقرّه وعيّن مجلسا أعلى جديدا يلتزم أوامره، وعزل 57 قاضيا بتهم الفساد والإرهاب والزنا!

يرفض قيس سعيّد ضغوطا دولية على سياساته وانتقادات مؤسسات حقوقية بذريعة رفض التدخل الأجنبي لكنه يعوّل بقوة على قرض كبير من صندوق النقد الدولي.

إزاء شروط صندوق النقد يغيب رفض «التدخّل الأجنبي» رغم أنها ستفاقم أحوال قطاعات اجتماعية واسعة، ويصير الحديث عن «ضرورة إجراء إصلاحات مؤلمة».

صدر قرار المحكمة الإدارية بإبطال الأمر الرئاسي بعزل 47 قاضيا من أصل 57 رغم أن الأمر الرئاسي تضمن بندا يمنع الطعن واعتبرت المحكمة أن «قرارها أعلى قوة من الأمر الرئاسي».

* * *

في أبريل حاولت حكومة هشام المشيشي تعيين مدير عام لـ«وكالة تونس افريقيا للأنباء». رفضت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، والجامعة العربية للإعلام (التابعة لاتحاد الشغل التونسي) القرار. اتهم المدير المعيّن حينها، كمال بن يونس، بالقرب من حركة «النهضة» صاحبة أكبر كتلة برلمانية، وبأنها تريد وضع اليد على الخط التحريري للوكالة.

تمثل الواقعة، التي انتهت حينها بتراجع الحكومة، مثالا عن الديناميّات الخصبة والمتفاعلة التي كانت قائمة بين الحكومة والبرلمان والمؤسسات العامة قبل أن يقوم الرئيس قيس سعيّد، في 25 تموز/يوليو، بالانقلاب على الحكومة والبرلمان والقضاء، بشكل دمّر آليات العمل الديمقراطي، واحتكر السياسة، وحاول إحكام قبضته على القضاء عبر حله المجلس الأعلى للقضاء، وغلق أبواب مقرّه، (كما فعل مع الحكومة والبرلمان) وتشكيل مجلس أعلى جديد يلتزم بأوامره، وصولا إلى إهانة القضاة بعزل 57 منهم، متهما إياهم بالفساد والإرهاب وحتى بالزنا!

ردّ القضاة على سعيّد بإعلان تنفيذ إضراب في كافة المحاكم التونسية، ثم مددت تنسيقية الهياكل القضائية تعليق العمل بكافة المحاكم العدلية والإدارية والمالية والمؤسسات القضائية أسبوعا آخر، ثم أسبوعا آخر لدعم إضراب الجوع الذي نفذه عدد من القضاة المعزولين.

يأتي قرار المحكمة الإدارية الصادر أمس الأربعاء بإبطال الأمر الرئاسي بعزل 47 قاضيا من أصل 57، رغم أن الأمر الرئاسي تضمن بندا يمنع الطعن ضده، واعتبرت المحكمة الإدارية أن «قرارها أعلى قوة من الأمر الرئاسي».

يتجاوز قرار المحكمة الإدارية مسألة البت في التهم المتعسفة التي صدرت بقرار رئاسي إلى قضية تقرير هل إن تونس يحكمها القانون أم أنها مزرعة يتصرّف بها شخص واحد بعد أن ائتمنه الذين صوّتوا له باعتباره أستاذا في القانون على البلاد والعباد.

انعكس احتكار سعيّد للسلطات على الاقتصاد التونسي المتهاوي فانفقد عدد من المواد الأساسية، وتراجعت السيولة المالية للحكومة نتيجة العجز الذي تعاني منه ميزانية البلد، وأصبحت الحكومة غير قادرة على صرف رواتب موظفي الدولة في الموعد المحدد، كما شهدت الأسعار ارتفاعا كبيرا، واضطرت السلطات للاتفاق مع البنك الدولي على قرض لتمويل مشروع تدخل عاجل من أجل الأمن الغذائي.

في الوقت الذي يرفض فيه سعيّد الضغوط الدولية على سياساته وانتقادات مؤسسات حقوق الإنسان ويعلن رفض «التدخل الأجنبي» فإنه يعوّل بقوة على قرض كبير من صندوق النقد الدولي.

وفي مواجهة الشروط التي يضعها الصندوق يخف الحديث عن «التدخّل الأجنبي» رغم أن تلك الشروط ستجور على أحوال قطاعات اجتماعية واسعة، ويصير الحديث عن «ضرورة إجراء إصلاحات مؤلمة».

الرئيس بهذا المعنى، يرفض العودة إلى المنظومة الديمقراطية المقبولة عالميا، بدعوى «سيادة تونس» (التي هي قراره الخاص) لكنه يقبل تطبيق شروط صندوق النقد الدولي لأنه لا ينقص من صلاحياته، من جهة، ولأن من سيتحمل العبء هم التونسيون أنفسهم، من جهة أخرى.

قرار المحكمة الإدارية يعيد، عمليا ورمزيا، مفهوم القانون الذي تم التلاعب الخطير به، وعلى كافة المستويات، فماذا سيخرج سعيّد من جعبته للرد عليه؟

المصدر | القدس العربي