الاثنين 15 أغسطس 2022 04:54 ص

في أواخر يوليو/تموز الماضي، اقتحم المتظاهرون الموالون لرجل الدين الشيعي العراقي "مقتدى الصدر" المنطقة شديدة التحصين وسط بغداد، والمعروفة باسم المنطقة الخضراء، واحتلوا مبنى البرلمان لعدة أيام وعرقلوا قيام خصوم "الصدر" المدعومين من إيران بتشكيل حكومة جديدة دون موافقته.

وإدراكًا منها لنفوذ "الصدر"، تجنبت قوات الأمن العراقية المواجهة مع المحتجين، وسمحت لهم بالسيطرة على مبنى البرلمان، وكان ذلك بقرار من رئيس الوزراء "مصطفى الكاظمي"، الذي ما يزال حليفًا لـ"الصدر".

ويقف "الصدر" وخصومه على أهبة الاستعداد للتصعيد رغم دعوات التهدئة من قبل "الكاظمي" وشخصيات أخرى. وفي المقابل، أظهر خصوم "الصدر" أنهم قادرون أيضًا على حشد الآلاف من أنصارهم، حيث خرجت هذه الحشود إلى الشوارع في الأول من أغسطس/آب، لكن قوات الأمن منعتهم من دخول المنطقة الخضراء والاقتراب من خصومهم "الصدريين".

وظهر مسلحون من التيار الصدري في مقاطع فيديو يحذرون فيها خصومهم من القيام بأي تحرك ضدهم، وكشفت هذه الأحداث إمكانية اندلاع صراع مباشر بين الفصيلين وحتى احتمال اندلاع حرب أهلية بين الشيعة.

وفاز تيار "الصدر" بمقاعد أكثر من أي حزب آخر في الانتخابات النيابية في أكتوبر/تشرين الأول 2021 لكنه لم يصل إلى الأغلبية البسيطة. وحتى تحالف "الصدر" مع الأحزاب الكردية والسنية لم يؤمن أغلبية الثلثين الضرورية لبدء عملية انتخاب رئيس ومن ثم رئيس وزراء.

وطالب خصوم "الصدر" بحكومة تضم جميع الأحزاب مثل جميع الحكومات العراقية بعد الغزو الأمريكي عام 2003، لكن "الصدر" كان يريد تشكيل حكومة أغلبية هذه المرة وعرض التوافق مع المعارضة من أجل تحقيق هذا الهدف.

وعندما فشل "الصدر" في تحقيق هذا الهدف، أمر نوابه بالاستقالة لخلط أوراق المشهد السياسي، لكن خصومه تحركوا بسرعة وقاموا بتعيين رئيس وزراء جديد، وكانت هذه هي النقطة الفاصلة لإشعال احتجاجات الصدريين واحتلال مبنى البرلمان أواخر يوليو/تموز. ورغم أن "الصدر" انسحب من البرلمان، من الواضح أنه لم ينسحب من السياسة.

وهناك العشرات من الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق، لكن الأعداد الدقيقة لكل ميليشيا شيعية غير متوفرة، وعلى أي حال فإنهم يميلون إلى تضخيم أعدادهم.

في المقابل، لدى "الصدر" ميليشيا واحدة فقط مقارنة بعشرات يمتلكها منافسوه. لكن من المرجح أن يهيمن "الصدر" على هذه المليشيات في أي مواجهة مقبلة.

ولن تكون أي مواجهة بين الجانبين قتالًا مفتوحًا بالمعنى العسكري، لكن ذلك سيشمل سلسلة من المواجهات في مناطق مدنية حيث تتاح الفرصة للصدريين للجمع بين عمليات الميليشيات والجهود الداعمة للسكان المدنيين.

وعلى عكس الميليشيات الأخرى، فإن الصدريين أيضًا حركة شعبية لها وجود في معظم المدن والبلدات والأحياء الشيعية التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد وجنوب العراق.

إضافة إلى ذلك، تميل القبائل، التي تتمتع بقوة في المجتمعات المحلية العراقية، إلى احترام "الصدر" باعتباره شخصية سياسية دينية موقرة. أما بالنسبة لأتباع "الصدر"، فقد أظهروا دائمًا استعدادهم للتضحية من أجله.

وبينما يحاول جميع قادة الميليشيات الآخرين ترسيخ أنفسهم كشخصيات رمزية، يبدو أنهم لم يحققوا ذلك أبدًا، في حين أن "الصدر" شخصية مقدسة في نظر مؤيديه. ومع ذلك، فإن العامل الرئيسي في أي مواجهة بين "الصدر" وخصومه هو إيران.

وكافح القائد الحالي لفيلق القدس "إسماعيل قاآني" للارتقاء إلى مستوى سلفه "قاسم سليماني"، لكنه لم يفلح في توحيد الفصائل الشيعية وعقد صفقة مع الأكراد والسنة، وهي حرفة أتقنها "سليماني" لسنوات. والتقى "قاآني" مع "الصدر" أكثر من مرة منذ انتخابات أكتوبر/تشرين الأول، لكن لم يتم الاتفاق على تشكيل الحكومة.

ومن المرجح أن تستمر إيران في الدعوة إلى وحدة الشيعة العراقيين، وإذا لم تستطع منع تحول التصعيد إلى حرب أهلية، فمن المرجح أن تدعم إيران خصوم "الصدر"، ولكن على الأرجح ليس إلى الحد الذي من شأنه أن يؤذي "الصدر" بشكل كبير ويحوله من مصدر إزعاج إلى عدو دائم.

ودعا "الصدر" إلى انتخابات جديدة بعد أن سيطر أتباعه على مبنى البرلمان بشكل كامل ومع تلاشي فرص تشكيل حكومة جديدة تقريبًا. ولا تزال نوايا "الصدر" غير واضحة بعد الأحداث السابقة، لكنه يقول إنه يتصور "فترة ثورية ديمقراطية سلمية".

ويشير ذلك على الأرجح إلى مزيد من الصراع مع خصومه. وبالرغم من تعهده بعدم بدء العنف ضد خصومه، إلا أنه تعهد بنفس القدر بأنه سيكون مستعدًا للموت من أجل ما يؤمن به .

ويبدو أن كلا من إيران والولايات المتحدة، وهما الدولتان اللتان لهما أكبر نفوذ في العراق منذ عام 2003، لم يشاركا كثيرًا في الأحداث الأخيرة، لكن ما يحدث في مفاوضات البلدين لإحياء الاتفاق النووي سينعكس على العراق.

وما زال لدى الولايات المتحدة قوات في العراق، وإن كان ذلك في دور استشاري، ويعتقد أن عراقا مستقرا مهم لاستراتيجية الرئيس "جو بايدن" في الشرق الأوسط، التي تتضمن كبح قوة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.

في المقابل، تسعى إيران إلى ترسيخ نفوذها في السياسة العراقية، وبالتالي فإن موقفها من التوتر المستمر بين الشيعة أمر بالغ الأهمية.

ويبدو أن الولايات المتحدة تأمل في أن دور عدوها القديم، "الصدر"، كقومي عراقي يمكن أن يقوض نفوذ إيران. ولم يسبق لـ"الصدر" أن ادّعى أنه عدو لإيران، ويلوم كثيرون في تياره إيران على مشاكل العراق، بينما خصومه هم بلا شك حلفاء لإيران.

وستؤثر نتيجة الصراع الشيعي في العراق في نهاية المطاف على كل من المواقف الأمريكية والإيرانية، ليس فقط في العراق، ولكن أيضًا في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

المصدر | رامي جميل/ جيمس تاون – ترجمة وتحرير الخليج الجديد