تتصاعد أصوات المسؤولين الأتراك الداعين إلى التواصل مع نظام الرئيس السوري "بشار الأسد" يومًا بعد يوم، ويتعلق ذلك بشكل ما بالانتخابات المصيرية في 2023، ويعد الهدف الرئيسي من أي تواصل محتمل هو القضاء على الطموحات الكردية بالحكم الذاتي، ويبدو أن روسيا تدفع بشدة باتجاه المصالحة بين أنقرة ودمشق وذلك لدق إسفين بين تركيا وخصومها الغربيين.

وقال زعيم حزب الحركة القومية "دولت بهتشلي"، الحليف القوي للرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، إنه يعتبر الخطوات التي اتخذتها تركيا فيما يتعلق بسوريا "مهمة للغاية"، وذلك تعليقا على إعلان وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" الأسبوع الماضي أنه تحدث مع نظيره السوري "فيصل المقداد" في بلجراد في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي. ويشار إلى أنه تم استئناف الاتصال بين مسؤولي الاستخبارات في البلدين.

وشكر "جاويش أوغلو" بدوره "بهتشلي" على دعمه في مقابلة مع محطة "إن تي في" الخاصة، وقال: "إن الحل المستدام في سوريا هو الحل السياسي. وينبغي أن يتوصل النظام والمعارضة إلى التوصل إلى حل وسط".

وشارك في حملة الترحيب بالتواصل مع النظام السوري "حياتي يازيجي" نائب رئيس حزب "العدالة والتنمية" والذي يُعد من بين أكثر مساعدي "أردوغان" الموثوقين، حيث قال: "العلاقات مع دمشق يمكن أن تصبح مباشرة ويمكن ترقية مستوى التمثيل". وفسر الكثيرون كلماته على أنها تعني أن زيارة رسمية رفيعة المستوى إلى سوريا قد تكون وشيكة.

بدوره، أعرب حزب "الشعب الجمهوري" المعارض الرئيسي الذي دافع منذ فترة طويلة عن السلام مع "الأسد" عن موافقته.

هل تضحي تركيا بالسوريين؟

دفعت هذه التصريحات مئات السوريين في المناطق التي تسيطر عليها تركيا في شمالي سوريا إلى تنظيم مظاهرات وصفوا فيها الوجود التركي بـ"الاحتلال". وهتفوا: "لا مصالحة مع الجزار".

تم اعتقال اثنين من المتظاهرين وتسليمهما إلى الجانب التركي بتهمة حرق العلم التركي، وأثار هذا الفعل الذي تم تصويره بالكاميرا غضبًا على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا وذعرًا بين ملايين اللاجئين السوريين الذين يواجهون عنفًا عنصريًا متصاعدًا داخل تركيا.

وقالت "وفاء علي مصطفى"، الصحفية والناشطة السورية التي فقدت والدها في 2013 على يد نظام "الأسد": "الناس مرعوبون بكل ما تحمله الكلمة من معنى".

واتهم "جاويش أوغلو" من وصفهم بـ"المحرضين" الأجانب والمحليين بتحريف أقواله، وأصر على أنه دعا إلى "حل وسط" وليس "سلام" بين نظام "الأسد" والمعارضة.

وقالت مصادر تركية رفيعة لموقع "المونيتور" إن أنقرة جادة في اتجاهها لاستئناف التواصل مع "الأسد" ويدعم الكرملين هذا الاتجاه بشدة، وقال أحد المصادر إن "إيران وروسيا وقطر والإمارات، كلهم جزء من هذه المحادثات".

الانتخابات التركية أهم دافع

هناك عوامل متعددة تجعل المصالحة مع "الأسد"، أو الحديث عنها بأي حال، جذابة بشكل متزايد، لكن العامل الأكثر إلحاحًا هو الانتخابات الرئاسية التركية العام المقبل.

ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بحلول 18 يونيو/حزيران من العام المقبل، بينما يعاني الاقتصاد التركي (الذي كان سببا في نجاح "أردوغان" سابقا) من أزمات متعددة، فيما يتصاعد الاستياء من اللاجئين، وتتزايد الاعتداءات العشوائية على السوريين. وتقول المعارضة إنه بمجرد وصولها إلى السلطة، فإنها "ستعيد السوريين إلى بلادهم"، وبالتالي فإن التطبيع مع "الأسد" أمر لا بد منه، وكل هذا الكلام يروق للناخبين الأتراك.

ومن المرجح أن "أردوغان" يحاول تجريد المعارضة من هذه الورقة عبر اللعب بها أيضا، وربما تكون الاعترافات بشأن الاتصالات مع النظام السوري ليست أكثر من مناورة سياسية، أو هكذا تعتقد شرائح في المعارضة السورية.

وقال "زياد الحاج عبيد" قائد الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا والمتمركز في ريف حلب الشمالي، لـ"المونيتور": "لن تغيّر تركيا موقفها من الثورة السورية. أبلغنا المسؤولين الأتراك بخوفنا من أي تقارب تركي مع دمشق. نظام الأسد هو عدونا وكذلك عدو تركيا. وأوضح لنا المسؤولون الأتراك أن تركيا ستظل داعمة للثورة السورية حتى تلبية مطلب التخلص من نظام الأسد".

وقال "مصطفى سجاري" القيادي البارز في المكتب السياسي للجيش الوطني السوري والذي يتنقل بين تركيا وريف حلب الشمالي: "لا نعتقد أنه سيكون هناك أي تغيير في سياسة تركيا تجاه القوى الثورية والشعب السوري. علاقتنا مع أشقائنا في تركيا قوية وعميقة".

لكن الحقيقة أن "أردوغان" لديه قدر عال من المرونة السياسية، إذ يمد يده للإمارات ومصر بعد سنوات من المواجهة الغاضبة ويصافح ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" بعد تسليط الضوء على دوره في مقتل "جمال خاشقجي" كما قرر إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل بعد سنوات من التوتر المستمر.

ويقول "ليفينت جولتكين"، وهو إسلامي تحول إلى معلق سياسي ليبرالي، إن القاعدة الأساسية لـ"أردوغان" من السنة المتدينين سوف تتكيف مع مثل هذه التحولات بسهولة قصوى، وقال: "سيقولون: إذا كان قائدنا يفعل هذا، فهو يعرف ما يفعل؛ إنه يفعل ذلك من أجل مصلحة بلدنا".

على أي حال، ليس للمعارضة السورية في نهاية المطاف رأي يُذكر. وقال أحد الناشطين السوريين لـ"المونيتور": "ما يجعل السوريين يقولون إن تركيا لن تتصالح مع النظام هو عجزهم ويأسهم".

وساطة الكرملين

ليس سراً أن الكرملين سعى منذ وقت إلى إصلاح العلاقات بين تركيا و"الأسد". ومع ذلك، فشلت هذه المحاولات إلى حد كبير بسبب عناد "الأسد". وقال "إبراهيم حميدي"، أحد كبار المحررين الدبلوماسيين في صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية والصحفي السوري البارز الذي أجبر على الفرار من البلاد في عام 2013، لـ"المونيتور": "بناءً على ما أعرفه، تمكن الروس من جمع رئيسي المخابرات السورية والتركية علي مملوك وهاكان فيدان، حيث التقيا أكثر من مرة للتنسيق الأمني​​".

وأضاف "حميدي" أن "بوتين" يريد الآن "نقل العلاقات إلى المستوى السياسي" من أجل "التنسيق ضد الولايات المتحدة وحلفائها الأكراد السوريين" الذين يسيطرون على شمال شرقي البلاد الذي يحتوي على معظم مواردها النفطية والمائية، وكان ذلك أحد أهم بنود أجندة قمة "أردوغان" مع "بوتين" في 5 أغسطس/آب في سوتشي على البحر الأسود.

وأضاف "حميدي" أن بعض الدول مثل الإمارات التي قامت بالفعل بتطبيع العلاقات مع "الأسد" بهدف "وضعه في موقف أقوى ضد أردوغان وإيران" غيرت مسارها تماشياً مع دفء العلاقات مع أنقرة.

ومن غير المرجح أن يتم تخفيف العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على نظام "الأسد" في أي وقت قريب. وعلى هذا النحو، يمكن أن يسهل "التمويل الخليجي" تيسير صفقة كبيرة بين "الأسد" و"أردوغان"، والتي قد تساعد أيضًا في موازنة نفوذ إيران في سوريا.

وفي يوليو/تموز الماضي، أكد "أردوغان" علنًا للمرة الأولى أن الولايات المتحدة يجب أن تسحب قواتها من شمال شرقي سوريا. وحتى ذلك الوقت، كان الموقف الرسمي لأنقرة هو أن على واشنطن أن تتخلى عن "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد وأن تتعاون مع تركيا وفصائل الجيش الوطني السوري ضد تنظيم "الدولة" بدلاً من ذلك.

وجاءت تصريحات "أردوغان" عقب اجتماع في طهران مع "بوتين" والمرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" والرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي".

المخاوف من الأكراد

تضغط تركيا على الولايات المتحدة وروسيا على حد سواء لإعطاء الضوء الأخضر لعملية عسكرية أخرى ضد "قوات سوريا الديمقراطية"، لكنها اصطدمت بحائط سد، حيث رفضت واشنطن بحجة أن ذلك سيقوض القتال ضد "الدولة".

أما الكرملين فيريد الاستفادة من خطر العملية التركية لحمل الأكراد السوريين على قطع علاقاتهم مع الولايات المتحدة والانضمام للنظام. وفي الوقت نفسه، يلعب "بوتين" على مخاوف أنقرة من أنه إذا لم تتصالح مع "الأسد" أولاً، فقد يعيد الأكراد إحياء تحالفهم القديم مع النظام ويحولوا أسلحتهم إلى تركيا كما فعلوا حتى عام 1998. آنذاك دفنت أنقرة ودمشق الأحقاد واتحدتا في قضية مشتركة ضد "حزب العمال الكردستاني".

وتأمل أنقرة في التوصل إلى اتفاق مشابه لاتفاقات أضنة لعام 1998، ولكن مع أخذ الحقائق السورية الجديدة في الاعتبار. ومع ذلك، يصر "الأسد" على أنه لا يمكن إحراز تقدم ملموس حتى تسحب تركيا قواتها من سوريا.

وفي ضوء استطلاعات الرأي التي تظهر تقدم مرشحي المعارضة الأتراك، ربما يتساءل "الأسد" لماذا يقدم خدمات لخصمه "أردوغان" قبل الانتخابات؟ وهل يضمن ألا يتحول "أردوغان" لدعم المعارضة بعد الانتخابات؟

ويرى بعض الناشطين السوريين أن موقف تركيا غير مفاجئ، فأولوية أنقرة منذ بداية الحرب هي مواجهة حزب العمال الكردستاني. وأدى صمت واشنطن حيال التقارب المزعوم لزيادة قلق الأكراد، وقال أحد مقاتلي "حزب العمال الكردستاني" في كردستان العراق لـ"المونيتور" بشرط عدم الكشف عن هويته: "لا أمريكا تتنازل عن قبضتها على قوات سوريا الديمقراطية ولا هي تدافع عنهم، إنها تنتهج أسوأ سياسة ممكنة".

ضرب من الخيال؟

ترى "إليزابيث تسوركوف"، طالبة الدكتوراه في جامعة برينستون والمتخصصة في الشأن السوري، أنه مهما كانت دوافع أنقرة فإن المصالحة مع "الأسد" هي ضرب من الخيال.

وقالت "تسوركوف": "ما سيعرقل مثل هذه الصفقة هو موقف النظام السوري المتصلب تمامًا، والذي لن يكون مستعدًا لمنح تركيا أي ضمانات أمنية، كما أن النظام ضعيف ولا يملك القدرة العسكرية على احتواء حزب العمال الكردستاني. وبالطبع، فإن أي ضمانات قد يقدمها النظام للناس في الشمال الغربي والشمال الشرقي لا معنى لها".

وتابعت: "سيلاحق النظام كل من يُنظر إليه على أنه معارض في المناطق الخارجة عن سيطرته. لذلك، سيحاول السوريون الذين يعيشون في هذه الأراضي الفرار مما قد ينتج موجة تدفق هائل للاجئين إلى تركيا. هذا شيء محفوف بالمخاطر بشكل لا يصدق".

ومع ذلك، يبدو أن الوضع الراهن لا يمكن استمراره أيضًا، حيث تبلغ تكلفة تواجد تركيا في الشمال السوري حوالي ملياري دولار سنويًا، وفقًا لصحيفة "فايننشال تايمز". وتقول الحكومة التركية إنها أنفقت 40 مليار دولار على الأقل على 3.7 مليون لاجئ سوري داخل البلاد. وتزعم المعارضة التركية أن الرقم الحقيقي الذي يتم إنفاقه على السوريين يقترب من 5 أضعاف هذا المبلغ.

في نهاية المطاف، فإن مخاوف تركيا من ظهور دويلة كردية مدعومة من الغرب على حدودها تتفوق على كل المخاوف الأخرى. وعلى هذا النحو، سواء كان ذلك من خلال صفقة ما مع "الأسد" أو من خلال المضي في ذلك بمفردها، فإن الشيء الوحيد المؤكد هو أن تركيا ستستمر في بذل قصارى جهدها لتجنب مثل هذه النتيجة.

المصدر | أمبرين زمان | المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد