إيطاليا في يد اليمين المتطرف والبرلمان الأوروبي قلق.. ماذا يعني هذا؟

الاثنين 26 سبتمبر 2022 06:10 ص

حقق حزب "فراتيلي ديتاليا" ذو الجذور الفاشية الجديدة، بزعامة "جورجيا ميلوني" فوزا تاريخيا في الانتخابات التشريعية في إيطاليا، بعد حصول التحالف اليميني الذي تقوده "ميلوني" على نحو 47% من الأصوات، ما يؤهله إلى الحصول على أغلبية واضحة في البرلمان.

وفي حال تأكدت توقعات صدارة الائتلاف اليميني من الفاشيين الجدد، من المرجح أن تتولى زعيمته "جورجيا ميلوني" (45 عاماً) رئاسة حكومة ائتلافية تكون الهيمنة فيها لأقصى اليمين على حساب اليمين التقليدي.

وسيشكل ذلك زلزالا حقيقيا في الاتحاد الأوروبي الذي سيضطر إلى التعامل مع السياسية المقربة من رئيس الوزراء الهنجاري "فيكتور أوربان"، الذي ما انفك يعرقل قرارات بروكسل الجماعية، ويرفض الزج ببلاده في أتون الأزمة الأوكرانية ضد روسيا.

وفي تصريحات مقتضبة، استبقت "ميلوني" الإعلان عن النتائج الرسمية، وقالت إنها ستترأس الحكومة الإيطالية المقبلة، مضيفة أن "الشعب الإيطالي اختارنا، ولن نخون هذه الثقة".

وتابعت: "بإمكان الشعب الإيطالي أخيراً الحصول على حكومة وفق تطلعاته"، مؤكدة أن حكومتها المقبلة "ستحكم الإيطاليين جميعاً، وستعمل على جمعهم وليس تفرقتهم".

وحقق  "إخوة إيطاليا" أعلى نسبة أصوات بالانتخابات التشريعية (24.6%)، وفق نتائج أولية، في حدث غير مسبوق منذ العام 1945، إذ ستُتاح لهذا الحزب الذي تعود جذوره إلى الفاشية الجديدة، فرصة حكم البلاد للمرة الأولى منذ عام 1945. 

وحاز التحالف اليميني الذي يضم إضافة إلى حزب "ميلوني"، حزبي "الرابطة" (8.5%) بقيادة "ماتيو سالفيني"، و"فورزا إيطاليا" بزعامة "سيلفيو برلسكوني" (8%)، على أغلبية الأصوات بنسبة وصلت إلى 42.2%، وهو ما يكفي لضمان السيطرة على مجلسي البرلمان.

وإذا ما تأكدت هذه النتائج، فإن حزب "إخوة إيطاليا" و"الرابطة" سيكونان قد حصلا معاً على "أعلى نسبة من الأصوات التي سجلتها أحزاب أقصى اليمين على الإطلاق في تاريخ أوروبا الغربية منذ عام 1945 إلى اليوم"، حسب "المركز الإيطالي للدراسات الانتخابية".

أما الحزب الديمقراطي بقيادة "إنريكو ليتّا"، فحاز على 19.4% من الأصوات.

واعترف الحزب الذي يمثل يسار الوسط، في ساعة مبكرة من صباح الإثنين، بهزيمته في الانتخابات العامة، متعهداً بأن يكون أكبر قوة معارضة في البرلمان المقبل.

وقالت "ديبورا سيراتشياني"، البرلمانية البارزة في الحزب الديمقراطي للصحفيين في أول تعليق رسمي للحزب على النتيجة: إن "هذه أمسية حزينة للبلاد، اليمين له الأغلبية في البرلمان لكن ليس في البلاد".

وحاز حزب "حركة 5 نجوم" على 16.5% من الأصوات.

ويمنح القانون الانتخابي الإيطالي الأفضلية للجماعات التي تمكنت من إبرام اتفاقيات ما قبل الاقتراع، ما يمنحها عدداً ضخماً من المقاعد، مقارنة بعدد أصواتها. ومن المتوقع ظهور النتائج الكاملة في وقت لاحق الإثنين.

وكان حجم الإقبال على التصويت، ضعيفا بشكل نسبي، بما يقترب من 65%، من الناخبين المسجلين، وهو ما يقل بعشر نقاط عن انتخابات عام 2018، وكان الجنوب، أقل المناطق التي شهدت مشاركة الناخبين.

ويشكل فوز اليمين بالانتخابات الإيطالية، وهي ثالث أكبر اقتصاد في القارة، رسالة تحذير لأوروبا، في الوقت الذي تتصاعد فيه تبعات الحرب الروسية الأوكرانية.

ورغم أن "ميلوني"، عملت بجهد لتحسين صورتها السياسية، وإعلان مساندتها لأوكرانيا، في مواجهة الغزو الروسي، علاوة على تمييع موقفها المناهض للاتحاد الأوروبي، لكن السياسية الصاعدة تتزعم حزبا متغلغلا في الحركة الفاشية التي أسسها "بنيتو موسوليني"، الزعيم الإيطالي السابق، خلال فترة الحرب العالمية الثانية.

وتعد إيطاليا أحد الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، وعضوا في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، لكن آراء "ميلوني" المناهضة للاتحاد الأوروبي، تضعها في منطقة قريبة من الزعيم القومي المتطرف للمجر "فيكتور أوربان".

وتتحالف "ميلوني" مع "بيرلسكوني" و"سالفيني"، وهما السياسيان اللذان كانا يمتلكان علاقات وثيقة مع روسيا.

و"بيرلسكوني" البالغ من العمر 85 عاما، قال الأسبوع الماضي، إن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" تم دفعه دفعا لغزو أوكرانيا، بينما شكك "سالفيني" في العقوبات الغربية على موسكو.

كما ترغب "ميلوني" في إعادة دراسة الإصلاحات الإيطالية، التي تم الاتفاق عليها مع الاتحاد الأوروبي، في نظير حزمة دعم اقتصادية تبلغ نحو 200 مليون يورو، في أعقاب وباء فيروس "كورونا"، حيث ترى "ميلوني" أن ارتفاع أسعار الطاقة غير الوضع بشكل كبير.

ويعد فوز "ميلوني" ضربة لرئيسة المفوضية الأوروبية "أورسولا فون دير لاين"، التي أشارت إلى أن لدى الاتحاد الأوروبي "أدوات" لمعاقبة الدول الأعضاء التي تنتهك سيادة القانون وقيمه المشتركة.

وكتب رئيس التجمع الوطني الفرنسي "جوردان بارديلا"، عبر "تويتر": "قدم الإيطاليون درسا في التواضع للاتحاد الأوروبي الذي ادعى من خلال صوت فون دير لايين أنه يملي عليهم تصويتهم".

فيما عبرت نائبة رئيس البرلمان الأوروبي "كاتارينا بارلي"، عن قلقها من تصدر تحالف يمين الوسط في الانتخابات البرلمانية الإيطالية.

وأشارت إلى أن "ميلوني" سيكون مثلها الأعلى سياسيون من أمثال الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" ورئيس الوزراء الهنجاري الحالي "فيكتور أوربان"، مضيفة أن تصدر تحالف يمين الوسط "يثير قلقا".

وبعث "أوربان" ونظيره البولندي "ماتيوز مورافيسكي" التهاني إلى "ميلوني"، وقال "أوربان" في رسالة: "نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أصدقاء يتشاركون رؤية ونهجا مشتركين تجاه أوروبا".

من جانبه، عبر نائب البرلمان الأوروبي وأحد زعماء حزب الخضر الأوروبي "توماس فايتس"، عن اعتقاده أن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يعمل إلا كوحدة واحدة، ولهذا السبب "يمكن أن تصبح ميلوني كارثة بالنسبة لأوروبا".

وقال: "ستتعرض الأسس والقيم المشتركة للاتحاد الأوروبي للخطر، إذا أصبحت إيطاليا وهي ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد الآوروبي تحت قيادة تحالف ما بعد الفاشيين والأحزاب اليمينة المتطرفة".

وكان الرئيس الإيطالي "سيرجيو ماتاريلا"، حل البرلمان في يوليو/تموز الماضي، ودعا لإجراء انتخابات مبكرة في 25 سبتمبر /أيلول الجاري، منهيا بذلك حكومة استمرت 19 شهرا بقيادة رئيس الوزراء "ماريو دراجي".

وأياً تكن الحكومة التي ستنبثق من الانتخابات، لتتولى مهامها اعتباراً من نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل، فهي تواجه منذ الآن عقبات على طريقها.

فسيتحتم عليها معالجة الأزمة الناجمة عن الارتفاع الحاد في الأسعار، في وقت تواجه إيطاليا ديناً يمثل 150% من إجمالي ناتجها المحلي، وهو أعلى نسبة في منطقة اليورو بعد اليونان.

وفي هذا السياق، إيطاليا بحاجة ماسة لاستمرار المساعدات التي يوزعها الاتحاد الأوروبي في إطار خطته للإنعاش الاقتصادي بعد وباء "كورونا"، والتي يمثل هذا البلد أول المستفيدين منها، وبفارق كبير عن الدول الأخرى.

وأوضح المؤرخ "مارك لازار": "لا يمكن لإيطاليا أن تسمح لنفسها بالاستغناء عن هذه المبالغ المالية"، معتبراً أن "هامش التحرك أمام ميلوني محدود جداً" على الصعيد الاقتصادي. 

في المقابل، بإمكانها الوقوف في صف وارسو وبودابست في معركتهما مع بروكسل "بشأن مسائل الدفاع عن المصلحة الوطنية بوجه المصالح الأوروبية".

ومثلما فعلت قبلها زعيمة أقصى اليمين الفرنسي "مارين لوبن"، تخلت "ميلوني" في نهاية المطاف عن مشروعها القاضي بالخروج من اليورو، لكنها تطالب بـ"مراجعة قواعد ميثاق الاستقرار" المعلقة بسبب الأزمة الصحية.

وفي المسائل الاجتماعية، تعتمد "ميلوني" المتحدرة من روما مواقف محافظة، وقالت في يونيو/حزيران الماضي: "نعم للعائلة الطبيعية، لا للوبي مجتمع الميم-عين(الشواذ) نعم للهويّة الجنسية، لا لإيديولوجيا النوع الاجتماعي".

وسيؤدي وصولها إلى السلطة أيضاً إلى إغلاق حدود بلد، يصل إلى سواحله سنوياً عشرات آلاف المهاجرين الذين يعبرون البحر في مراكب متداعية، وهو ما يثير مخاوف المنظمات غير الحكومية التي تغيثهم سراً. 

ويتفق الخبراء منذ الآن على أن مثل هذا الائتلاف الحكومي، الذي ستواجه فيه "ميلوني" تحدياً حقيقياً في التعامل مع حلفاء مربكين سواء "برلوسكوني" أو "سالفيني"، لن يستمر طويلاً في بلد معروف بافتقاره إلى الاستقرار الحكومي.

وجاءت الانتخابات الحالية، وهي الأولى التي تجري في الخريف في إيطاليا منذ نحو قرن، بسبب خلافات سياسية بين الأحزاب أدت للإطاحة بحكومة وحدة وطنية.

ولإيطاليا تاريخ طويل مع الاضطرابات السياسية، ومن سيشغل منصب رئيس الوزراء المقبل سيرأس الحكومة رقم 68 منذ 1946.

المصدر | الخليج الجديد + وكالات

  كلمات مفتاحية

إيطاليا اليمين المتطرف الفاشية ميلوني برلسكوني البرلمان الأوروبي

انتخابات إيطاليا.. القوميون الأمريكيون يثيرون الشغب فى أوروبا

معجبة بموسوليني وضد الشواذ وتعادي هجرة المسلمين.. جورجيا ميلوني على أعتاب حكم إيطاليا

روسيا تتودد لزعيمة اليمين المتطرف الفائزة بانتخابات إيطاليا