طريق التجارة المتجاوز لروسيا.. 4 تحديات تهدد نجاح الممر الأوسط

الأربعاء 22 فبراير 2023 04:06 م

يُعرف باسم ممر الصين وآسيا الوسطى وغرب آسيا، ويربط الصين وأسواق شرق آسيا بجورجيا وتركيا وأسواق أوروبا، ويقول المراقبون إنه سيبث حياة جديدة في طريق الحرير القديم.

إنه "الممر الأوسط".. ذلك الطريق التجاري، الذي يمتد عبر سهول آسيا الوسطى وبحر قزوين وجبال القوقاز، والذي أثار الجدل لما يقرب من عقدين من الزمن، لما يمثله من قدرة على تقليل الوقت اللازم لشحن البضائع بين شرق آسيا وأوروبا إلى ما لا يزيد عن 12 يومًا فقط، بينما يستغرق الطريق البحري التقليدي عبر المحيط الهندي من 22 إلى 37 يوما.

ولذا يشير الباحث "فيليكس تشانج"، في تحليل نشره بموقع "أوراسيا ريفيو" وترجمه "الخليج الجديد"، إلى أن الإدراك الكامل لإمكانيات الممر الأوسط يمكن أن يؤدي إلى تحويل التجارة عبر أوراسيا وربما مراكز القوة داخلها، و"لكن لتحقيق هذه الإمكانات، سيتعين على البلدان الواقعة على طول الممر مواجهة العديد من التحديات الإدارية والسياسية الهائلة" حسب تعبيره.

وذكر "تشانج" أن التقدم في مشروع الممر الأوسط كان بطيئا حتى وقت قريب، فمنذ أن ابتكرت تركيا الممر لأول مرة، أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان إنشاء البنية التحتية اللازمة للعبّارات والموانئ والسكك الحديدية والطرق عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز بمثابة عملية طويلة ومعقدة.

ففي البداية، حاولت البلدان الواقعة على طول الطريق التجاري إصلاح شبكات النقل القائمة لديها، لكن هذا لم يكن كافيًا لجعل الممر الأوسط منافسًا.

وكانت أول خطوة كبيرة إلى الأمام في المشروع عام 2014، عندما تم افتتاح خط السكك الحديدية عبر كازاخستان، ثم الانتهاء من خط سكة حديد باكو - تبليسي - كارس في عام 2017، ما أتاح مرور السكك الحديدية عبر جبال القوقاز لأول مرة منذ التسعينيات.

ومع ذلك، لم يصل أول قطار يستخدم الممر الأوسط إلى الصين من تركيا إلا عام 2020، ومنذ ذلك الحين ارتفعت شحنات البضائع على طول الممر بسرعة من حوالي 350.000 طن إلى 530.000 طن بين عامي 2020 و2021.

وجاء غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022 ليقدم تعزيزا حقيقيا لاستخدام الممر، إذ فرض الغرب عقوبات اقتصادية على موسكو.

ورغم أن دول آسيا الوسطى ظلت محايدة في الصراع، إلا أنها استفادت من ميزة وجود بديل للممر الشمالي الذي تهيمن عليه روسيا، فضلا عن تحسين البنية التحتية لدعم زيادة التجارة داخل المنطقة.

ونتيجة لذلك، تضخمت شحنات البضائع على طول الممر الأوسط إلى 3.2 مليون طن في عام 2022. ويتوقع بعض المراقبين أن ترتفع قدرة الممر إلى 10 ملايين طن، نظرًا لاستكمال تركيا لخط سكة حديد مرمرة تحت مضيق البوسفور، ما يتيح نقل البضائع بالسكك الحديدية من وسط البلاد الآسيوي إلى قلب أوروبا.

لاحظت شركات الشحن الأوروبية هذه الميزة، وبدأت مجموعة السكك الحديدية النمساوية للشحن، وشركة Maersk الدنماركية ، وشركة Nurminen Logistics الفنلندية، وجسر السكك الحديدية الهولندي للشحن في استخدام الممر.

البحث عن بدائل

وبالنظر إلى حالة عدم اليقين الجيوسياسية التي نتجت عن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2014، كان البحث عن طريق تجاري بري بديل ومستقل عن روسيا منطقيا لدول آسيا الوسطى والقوقاز.

وفي هذا الإطار، تعاونت أذربيجان وجورجيا وكازاخستان بنشاط لتحويل الممر الأوسط إلى حقيقة واقعة. وإلى جانب الصين وتركيا، عقدت الدول الخمس سلسلة من المؤتمرات والاجتماعات الوزارية لتحسين خطوط السكك الحديدية عبر الحدود.

وامتد اهتمام كازاخستان بالممر الأوسط إلى ما وراء التجارة بالساحة الجيوسياسية، إذ تراه مهما ليس فقط لاستراتيجية التنمية المحلية، ولكن أيضًا لاستراتيجية تحقيق توازن جيوسياسي أفضل في العلاقات الخارجية مع بكين وموسكو، وتعزيز صورتها كمركز قوة إقليمي.

وبطموحات مماثلة، قامت دول أخرى في آسيا الوسطى، مثل قيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان، بمحاكاة نهج كازاخستان، وسعت إلى بناء سكك حديدية متصلة بالممر الأوسط.

تجاوز روسيا وأمريكا

ولم تكن الصين أقل حرصًا على الممر الأوسط حسبما يرى "تشانج"، مشيرا إلى أن "بكين تعتبر جميع طرق التجارة الجديدة عبر أوراسيا مفيدة على نطاق واسع"؛ لأن هذه الطرق تمنح الصناعة الصينية وصولاً أكبر إلى الأسواق الدولية، كما تمنح الحكومة الصينية نفوذًا أكبر في آسيا الوسطى، وهي منطقة تنافس على النفوذ بين بكين وموسكو منذ فترة طويلة.

وحفز هذا التنافس بكين إلى حد كبير على تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون في الماضي، إذ تقدر بكين أنها في شراكة "بلا حدود" مع روسيا، إلا أن طول عمر تلك الشراكة "غير مضمون".

وفي إطار العلاقات الوثيقة بشكل متزايد بين الصين وكازاخستان، والثناء الذي يكتسبه زعماء أذربيجان وكازاخستان بانتظام على مبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير الصيني، جادل مراقبون بأن بكين ربما شكلت أولويات البنية التحتية للدول الرئيسية في الممر الأوسط.

فالصين استثمرت في البنية التحتية اللوجستية التي تدعم الممر الأوسط، وقامت ببناء بوابة خورجوس ومولت منطقة خورجوس الشرقية الاقتصادية الخاصة، وكلاهما تشكلان معًا مركزًا ضخمًا لإعادة الشحن بالسكك الحديدية يمتد على الحدود الصينية الكازاخستانية.

ومن الواضح، من وجهة نظر بكين، أن وجود طريق تجاري لا تهيمن عليه روسيا (كما في حالة الممر الشمالي) ولا تستطيع الولايات المتحدة اعتراضه بشكل مباشر (كما في حالة الطريق البحري التقليدي) ذو قيمة استراتيجية.

تركيا وآسيا الوسطى

في الطرف الأوروبي من الممر الأوسط، تقع تركيا، التي تضاهي مصالحها في الممر الأوسط الصين، إن لم تكن تفوقها، إذ تعتبر أنقرة الممر وسيلة، ليس فقط لبناء علاقات اقتصادية أقوى مع آسيا الوسطى، ولكن أيضًا لتحسين موقعها الاستراتيجي.

وتأمل تركيا أن تحقق ذلك من خلال الاستفادة من جذورها اللغوية المشتركة مع البلدان الناطقة بالتركية في المنطقة ومنحها منفذًا تجاريًا بديلًا وجذابًا للمنافذ الموجودة في إيران أو روسيا، خصمي تركيا التاريخيين.

وإزاء ذلك، جعلت تركيا الممر الأوسط محور سياستها الخارجية في آسيا الوسطى، وبين عامي 2013 و 2015، وقعت اتفاقيات مع أذربيجان والصين وجورجيا وكازاخستان لتحسين اتصال الممر بأوروبا.

وأنشأت تركيا نفق أوراسيا وجسر يافوز سلطان سليم في إسطنبول عام 2016، وتستكمل اليوم خط سكة حديد أدرنة-كارس عالي السرعة، وطريق مرمرة الشمالي السريع.

وعلى المستوى الدبلوماسي، حاولت أنقرة الجمع بين الدولتين المتحاربتين، أرمينيا وأذربيجان، لتسهيل بناء خط سكة حديد جديد للممر الأوسط عبر منطقة زانغوزور الأرمينية.

التحول البطيء

وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، اكتسبت الدعوة إلى تعزيز الممر الأوسط زخما، حيث سلطت المصالح الجيوسياسية والاقتصادية الضوء العالمي على طريق التجارة.

وبالنظر إلى اكتمال المكونات الرئيسية للممر الأوسط الآن، بدا كما لو أن التجارة على طول الممر كانت جاهزة للازدهار، لكن العديد من التحديات لا تزال تعيقها ويجب معالجتها قبل أن تزداد شحنات البضائع، حسبما يرى "تشانج"، مشيرا إلى أن تلك التحديات تتمثل في "البنية التحتية وخدمات النقل المتخلفة، والمناخ الصيفي لبحر قزوين، والتأخيرات في عبور الحدود، وعدم الاستقرار السياسي".

ويتعلق التحدي الأول بموثوقية الممر الأوسط، فالطريق التجاري جيد بقدر قدرته على نقل البضائع بثمن رخيص وفي الموعد المحدد، ويتطلب ذلك تسهيلات فعالة وخدمات تحويل متعدد الوسائط، وهي الخدمات التي لم يتم تطوير أي منهما بالكامل على طول الممر الأوسط حتى الآن.

في المقابل، تستفيد السكك الحديدية الروسية العابرة لسيبيريا من شبكة خدمات تم تطويرها على مدى عقود عديدة، كما تمر عبر مراكز صناعية وسكانية كبيرة في روسيا وبيلاروسيا، ما يزيد من حجم البضائع وبالتالي يقلل التكاليف.

وبينما يأمل دعاة الممر الأوسط في تعزيز المزيد من التجارة البينية، فإن المراكز الصناعية والسكانية في آسيا الوسطى والقوقاز أصغر بكثير من المراكز الروسية.

التحدي الثاني يتمثل في المناخ حول بحر قزوين، وهو جسم مائي يجب أن يمر عليه جزء كبير من تجارة الممر الأوسط.

وهنا يشير "تشانج" إلى أن المياه القاسية لبحر قزوين يمكن أن تؤدي، خلال فصل الصيف، إلى تأخير العبارات لأسابيع، ما قد يؤدي إلى تفاقم الازدحام السيئ في ميناء باكو.

وبينما سعت أذربيجان إلى توسيع سعة الميناء من خلال المحطات والعبارات الجديدة، إلا أنها لا تستطيع فعل الكثير بشأن الطقس.

ومن المحتمل أن يكون هذا التحدي وراء استمرار تقدير شركة Rail Bridge Cargo لوقت عبور البضائع عبر الممر بمدة تتراوح بين 36 و40 يوما. الروتين تحد ثالث يواجه الممر الأوسط، فالتأخيرات على الحدود بسبب الجمارك أمر شائع.

أما التحدي الرابع، فيتمثل في احتمال نشوب صراع دولي على طول الممر الأوسط ما قد يتسبب في رفع أقساط تأمين التجارة على أقل تقدير.

ففي يناير/كانون الثاني 2022، شهدت كازاخستان 3 أسابيع من الاضطرابات السياسية التي تطلبت تدخل القوات الروسية لقمع المحتجين. كما شهدت قيرغيزستان فترات مماثلة من الاضطرابات في عامي 2010 و 2020.

وفي سبتمبر/أيلول 2022، أسفرت الاشتباكات العسكرية بين أذربيجان وأرمينيا عن أكثر من 800 ضحية، ما دفع الأولى إلى منع الوصول إلى إقليم "ناغورنو قره باغ" المتنازع عليه بعد 3 أشهر.

صحيح أن التجارة بطول الممر الأوسط قد نمت رغم القلق بشأن ضعف الطلب الذي كان موجودًا مؤخرًا حتى عام 2021. لكن "تشانج" يشير إلى ضرورة إبقاء هذا النمو في منظوره الصحيح.

وأوضح: "حتى في الوقت الذي تسعى فيه الدول الواقعة على طول الممر الأوسط إلى مضاعفة قدرتها إلى 3 أضعاف لتصل إلى 10 ملايين طن من البضائع، نقلت السكك الحديدية الروسية العابرة لسيبيريا وحدها 144 مليون طن من البضائع في عام 2020، وسينقل الطريق البحري التقليدي أكثر من مليار طن في عام 2023".

ويخلص "تشانج" إلى الغزو الروسي لأوكرانيا وضع الممر الأوسط على المسار الصحيح، لكن "وجهته ربما لا تزال بعيدة بعض الشيء" حسب تعبيره.

المصدر | أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير: الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

تركيا الصين روسيا الممر الأوسط كازاخستان أذربيجان أرمينيا الطريق الشمالي بكين
مقابلة مخلوف مامش