الأربعاء 14 مارس 2018 12:03 ص

فيلم اليوم «بابل أو Babel» أُنتج في الولايات المتحدة عام 2006 لمخرج برازيلي هو «أليخاندرو جونزاليس إناريتو» لينال جائزة أفضل فيلم سينمائي في مهرجان كان الفرنسي عن عام إنتاجه، ويحصد 27 جائزة من مختلف دول العالم، بالإضافة إلى «أوسكار» أفضل موسيقى تصويرية.

أهدى المخرج الفيلم إلى أطفاله في النهاية لأنهم «يمثلون النور الوحيد في ظبلام هذا العالم»، وللحقيقة فذكر الأطفال في نهاية الفيلم الذي تكلف قرابة 25 مليون دولار وبلغ مجموع إيراداته 135 مليون دولار، ذكر الأطفال في نهاية الفيلم المتعدد بلاد التصوير جاء موفقًا للغاية.

تم تصوير الفيلم بطواقم أداء وتمثيل في 4 دول من أقصى غربي العالم إلى أقصى شرقه، من الولايات المتحدة إلى المكسيك، ومن الأخيرة إلى المغرب وأخيرا اليابان.

ورغم بعد النظرة الفلسفية للفيلم إلا أن أبرز ما فيه، أو أكثر ما استطاع التعبير بنجاح عنه هو قيمة نقاء قلوب وسرائر الأطفال، حتى أنهم ليرتكبون كبائر الأخطاء والحماقات تعبيرًا عن ظلم البيئة المحيطة بهم، أو تعرضهم في الأغلب لدفع ثمن حماقات الآخرين غاليًا من دمائهم.

قطاع طولي في سيرة بشرية

الفيلم الذي ألفه «جويليرمو أرياجا» يبدو بالغ التفكك في أكثر من نصفه الأول، إذ إننا أمام قرابة 146 دقيقة من الأحداث المتدفقة، بلا ترهل أو زج بتفاصيل لا فائدة منها في الغالب، ولكن الأحداث تجري في المغرب، ثم الولايات المتحدة والمكسيك، واليابان على نحو تصاعدي والمشاهد لا يكاد قبل منتصف الفيلم يعرف الرابط بين الأحداث بالكامل، وهذا التدفق أو القطاع الطولي في أحداث 3 تتقاطع بوضوح بعد منتصف الفيلم يجعل المشاهد أكثر ترقبًا لمعرفة الرابط بين الأحداث.

 بطل الفيلم الأول والجامع بين جميع خيوطه، والذي تصب لديه كل مفارقاته «ريتشارد جونز» (براد بيت)، أمريكي يصطحب زوجته «سوزان» أو (كيت بلانشيت) إلى رحلة سياحية في المغرب العربي، وهناك تبدو الزوجة متأففة قلقة من وجودها بين الذين تراهم إرهابيين عرب، ولا تريد مجرد شرب ماء من أيديهم.

في المقابل يعيش الطفل «أحمد»، (سعيد طرشاني) في منطقة جبلية وعرة وسط أسرته المغربية حياة بالغة الفقر تعمل برعي الغنم، وتضطر لشراء سلاح لحراسة الأخيرة من الذئاب، ولتجريب السلاح الجديد يتناوب «سعيد» تجريبه على الحافلة السياحية الذي تركب فيه «سوزان» وزوجها «ريتشارد»، لتصيب رصاصة «يوسف» «سوزان» في كتفها، ولأن الأتوبيس في مكان منعزل فلا حل سوى جنوحه لبيت المترجم، لتتعامل «سوزان» مع الذين تراهم إرهابيين في الحفاظ على حياتها، فيأتي الطبيب البيطري لخياطة الجرح، فيما تقوم والدة المترجم بتقديم الأفيون في صورة دخان للمصابة، وفي المقابل ترحل الحافلة السياحية متخلية عن المريضة في حالة خطرة.

وبعد عدم اعتراف الحكومة المغربية بأن الحادث إرهابي، وهو ليس كذلك في الحقيقة، يُسمح لطائرة الصليب الأحمر بنقل المصابة وسط عاصفة رملية لمستشفى مغربي خاص وتشفى في النهاية.

لكن في المقابل فإن عائلة «يوسف» الذي أصاب «سوزان» يتم التنكيل بها، وبمن باعهم البندقية، عبر تعذيب وحشي، وقتل للطفل الصغير «أحمد».

وعلى جبهة «أميليا» أو (أدريانا بارازا) مربية الطفلين ابني الأمريكي «ريتشارد»، تضطر المربية لحضور حفل زفاف ابنها في المكسكيك مسقط رأسها، في حين يطلب منها مخدومها «ريتشارد» التضحية بحضور حفل الزفاف، ولكنها تأخذ الطفلين في سيارة نجل أخيها «سانتياغو» (جايل جارسيا برنال) وتهرب بهما للمكسيك ليوم واحد، وهناك تمارس الفاحشة رغم كبر سنها، وتعود بالطفلين قرب الفجر مع ابن اخيها ليفتضح الأمر على الحدود، ويتم طردها من الولايات المتحدة، ثم العثور على الطفلين بصعوبة في الصحراء بعد أن فر السائق عائدًا للمكسيك.

خيط الفيلم الطولي الأخير يخص الفتاة اليابانية «شيكو ياسوجيرو» أو «رينكو كيكوتشي»، وهي ابنة لأم انتحرت بالرصاص وأبوها مخاصم لها مبتعد عنها، ومع كونها صماء بكماء منعزلة عن العالم تحاول أن تجد صلة بينها وبينه عبر ممارسة الجنس مع أي عابر سبيل فلا تنجح، وفي النهاية يجدها الأب عارية في شرفة ناطحة السحاب كأنها كانت على وشك الانتحار، أو تريد للعالم المتحضر أن يرى عريها ومأساتها في عدم وجود مَنْ يشعر بها، وهو مايدفع الأب لاحتضانها والتواصل معها.

أما علاقة «شيكو» بأحداث الفيلم فهو أن أباها ترك البندقية التي أحدثت إشكالية الفيلم كله مع مرافق مغربي كان معه في رحلة صيد في الصحراء، والأخير باعها لرجل ابنه حاول قتل السائحة الأمريكية بالخطأ.

لماذا بابل؟

أحداث الفيلم الرائعة التي تبدو متناثرة مهلهلة تعتمد تقنية «الفلاش باك» على دائمًا مع تناثر المواقف وتوزعها .. تلك الأحداث تجعل من الأطفال في المغرب وفي أمريكا وفي اليابان الضحية للأحداث السياسية التي لا يُحسن الكبار فهمها أو التعامل معها بعقلانية، والكلمة الأقرب إلى ألسنتهم وعقولهم الإرهاب، مع أن الحكومة المغربية لم تفكر بدلًا من شحن السيارات ذات الدفع الرباعي الجديدة للصحارى، والأسلحة الحديثة مع رجال الشرطة، لم تفكر في إنقاذ عائلات بالغة الفقر في البلاد من الجهل مع العناية بصغارهم.

والأب الأمريكي الذي يتنزه مع زوجته لم يفكر في جلب مربية مكسيكية مصرح لها بالعمل في الولايات المتحدة لغلو وارتفاع أجرها فأتى بواحدة هاربة من السلطات .. تعمل بصورة غير قانونية فكادت تقضي على صغاره.

والأب الياباني لم يفكر في احتياجات ابنته الشابة التي تدرس في الثانوية ذات الحالة الصحية الخاصة .. فتركها نهبًا لمشاعرها الجنسية تراود أي رجل غريب عن نفسه.

والرصاصة التي انطلقت في المغرب تأثر لها العالم إعلاميا، وانتشرت في نشرات الأخبار، لكن الصغار أضيروا أكثر فمات بريئا «أحمد»، وتم القضاء على أسرته وأخيه سعيد، فيما عاش الأمريكيون واليابانيون في سعادة وحبور وراحة .. في إشارة إلى توالد الأحداث الإرهابية الحقيقية ضدهم مع ظلم المناطق الأكثر فقرًا من العالم.

أما لماذا جرت أحداث الفيلم في بابل المغربية بالتحديد؟ فذلك لأن الأسطورة التي خلدها الكتاب المقدس في سفر التكوين تقول إن الله لما أراد أن يوزع ألسنة بني آدم (مختلفة) بلبهم (وزعهم) من بابل المغربية وهو ما ذكره أيضًا العروضي العربي «الخليل بن أحمد الفراهيدي».

جاء التصوير في الفيلم رائعًا حافلًا باللقطات المبتعدة التي تم تصويرها من طائرة بخاصة في المغرب واليابان للدلالة على تيه الإنسان المعاصر بين التكنولوجيا التي زادت من ألمه ومعاناته ولم تخففهما، وبين الفقر المدقع الشديد في مناطق عالمية أخرى، كذلك جاءت الموسيقى التصويرية معبرة عن اختلاف الثقافات التي عبر الفيلم عنها، وجاء تمثيل «براد بيت» مناسبًا، وإن ظهرت فيه المبالغة، أما «كيت بلانشيت» في دور الزوجة «سوزان» فجاء أداؤها مناسبًا متوازنًا.

لم يسئ الفيلم للعرب الإساءة المطلقة لكن مشهد أم المترجم المتقدمة في العمر وهي تدخن الأفيون مع الأمريكية المصابة ثم تقرأ الفاتحة عليها، ثم مشهد «يوسف» الابن وهو يتجسس على أخته «زهرة» وهي تتعرى جاء أكثر إهانة، وفي المقابل ظهر المترجم العربي وهو يرفض مالًا نظير خدمته للزوجة الأمريكية في مشهد جيد معبر عن الكرم والتمسك بالواجب العربي أدى جزء من استرداد الحق العربي المعنوي بالفيلم.

فيلم «بابل»: قصة متشابكة التصوير رائعة لظلام وقسوة وظلم اليوم .. عمق منها التركيز على أن الأطفال هم وحدهم مَنْ يدفعون الثمن الباهظ التكلفة.

المصدر | الخليج الجديد