الأحد 25 مارس 2018 12:03 ص

دخلت معركة أبوظبي في القرن الأفريقي، مداراً متوتراً وحسّاساً، بعد مواجهة كلٍ من جيبوتي وجمهورية الصومال، في قرارهما طرد شركة موانئ دبي، بناءً على انتهاكٍ سيادي، ضد الدولتين.

وقبل قرار برلمان جمهورية الصومال، تأييد الرئيس محمد عبدالله فرماجو، في إلغاء اتفاق ميناء بربرة، أعلنت أبوظبي والجزء الانفصالي في الصومال (أرض الصومال)، تأسيس قاعدة أبوظبي العسكرية، في رسالة مواجهة استراتيجية مباشرة لحكومة مقديشو.

وهو الجزء الذي حتى اليوم دولياً وأفريقياً وعربياً، تحت النظام الفيدرالي الموحد، وداخل الحدود السيادية للجمهورية الصومالية، وبالتالي هو إنشاء لقاعدة عسكرية، في عمق مسار النزاع الداخلي الصومالي، وفي أوج التوتر مع مقديشو، مما يجعل القرار خطوة تصعيدية واشتباكاً معقداً، تدخل عبره أبوظبي في مشروع توسعي جديد وخطير، في مواجهة الشعب والحكم الصومالي.

وهو حدث ليس بالسهل، رغم أن كلاً حكومتي جيبوتي ومقديشو، حرصت كلتاهما على الاستفادة، من البعد الاقتصادي والاستثماري، لخبرة إمارتي أبوظبي ودبي، لكن من الواضح، أن كلا الدولتين، التقطتا المعلومات الأمنية والسياسية، التي تُظهر إمكانية، تغول المشروع الاقتصادي في ظاهره، إلى مرحلة نقض الدولة من الداخل.

وهو بالضبط ما حققته أبوظبي، في خطة اليمن ما بعد الحرب، وفصل الجنوب لصالح مشروعها الاستثماري والعسكري، ثم الدفع لنهاية الحرب، بناء على تأمين مصالحها، مستثمرة هيمنة قرارها على الرياض.

تمثل بربرة ثالث المضايق والمعابر البحرية المهمة، في المنطقة، دولياً وإقليمياً وخاصة لإسرائيل، وهي مضيق هرمز وباب المندب قرب بربرة، وخليج العقبة.

ومن المعروف قديماً، أن حركة العبور في هذه المضايق، تخضع للموقف الدولي وتقديره لمصالحه، وتجاوبه مع شروط الأمن الإسرائيلي، في معادلة الصراع العربي مع دولة الاحتلال.

وهو ما يثير من جديد، رابط مجمل المشروع الظبياني، في المنطقة، بالمشروع الإسرائيلي المركزي، والذي يتقاطع بصورة مستمرة، وخاصة في الالتقاء على دعم أو صياغة، رؤية الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، في استهدافه للقدس وفلسطين المحتلة.

غير أن هذا لا يكفي في مثل هذه الحالات، فقاعدة أبوظبي في مصوّع الإريترية، وقاعدتها الآن ذات البعد الاستراتيجي والإقليمي لمحاصرة، قرار النهضة الصومالية، الذي يخوض معركة صعبة، مع الإرهاب، ولايزال في مرحلة حرجة، لا يُمكن مطلقاً، أن يتم دون اتفاق ثنائي تفصيلي حيوي، بين تل أبيب وأبوظبي.

ولن يسمح الإسرائيليون بهذا التوسع الظبياني، دون إدراك كامل لمنتهى أهدافه، والذي من الطبيعي ألا يتم، دون الخضوع لمصالحهم العليا.

وحين نعرض لهذا المدخل المهم، فهو لا يقوم فقط، على التقاطعات الإقليمية المباشرة، وإنما أيضاً على توحد الرؤية مؤخراً، والترحيب الإسرائيلي، بخلاصات مشروع أبوظبي، ونتائجه في المنطقة، والذي استنزفها في حروب داخلية، تعلن أنها تواجه الحركات الإسلامية.

 لكن الحقيقة التي يدركها الجميع، أن المشروع انتهى إلى كيان موازٍ، يخدم الرؤية الإسرائيلية الكبرى، للمنطقة العربية.

ولننظر هنا، إلى خريطة النفوذ ذاتها، وطموح أبوظبي في مضيق هرمز، وصولاً إلى خليج العقبة، ونتائج زيارة الشيخ عبدالله بن زايد الأخيرة، إلى عمّان في الأردن.

لقد عاد التساؤل الكبير، عما هو الحد الذي تخطط أبوظبي للتوقف عنده؟

وما هي سلسلة الحروب، التي تفي بضمان، استقرار وتثبيت هذه الهيمنة المطلقة، التي نُفذ تحتها معركة استهداف قطر، في محاولة بعده العسكري الأول وما تلاه؟

ويتردد بصورة دائمة لجوء أبوظبي، إلى شركات الحماية والقتال المرتزق، الدولية المتعددة، وهذا مثبت في حالات، غير أن الواقع أيضاً هو أن أبوظبي تخسر عدداً من أبنائها، سواءً على مستوى الدولة الاتحادية أو مستوى أبوظبي ذاتها، والتي يمثل المواطنون فيها، بحسب إحصاءات أبوظبي الرسمية 19%، وهو رقم لا يتطابق مع إحصائيات أخرى، كانت تضع نسبة المواطنين في الإمارة ما بين 9 و15 %.

إن هذه الأرقام نحيلها مرة أخرى، على عدد القتلى من مواطني أبوظبي، الذين يُقتلون لمشاريع نفوذ، لا حماية وطنية، وتتزايد الخسائر، في مستقبل الحروب التي تخوضها أبوظبي، فميليشيات بلاك ووتر أو الجامية السلفية، ليست هي القوى الضاربة العسكرية الوحيدة، لإمارة أبوظبي، فهذا ما ينفيه الواقع، فهناك قتلى عديدون، من أبناء قطاعاتها العسكرية.

وبالتالي قرار أبوظبي مواجهة الصومال، في ظل وجود عسكري لها في ليبيا، وحروب متنقلة مع الإسلاميين، تعتز أبوظبي بأنها تواصل مواجهتهم، عبر العالم وباشتباك مسلح، هو بعد خطر للغاية في مستقبل الإمارة.

والفخر الذي يبديه محمد بن زايد، هو بعد عاطفي تبريري يقدم للشعب، ولمنطقة الخليج العربي، لكنه لا يُجيب، عن كيف تستمر أبوظبي، بإعلانات الحروب الضمنية والمباشرة، وتخطط بأنها ستنتصر فيها، حتى مع دعم إسرائيل والرئيس ترامب لها، وقرارها المهيمن الجديد في الخليج.

إن وضع أبوظبي في مواجهة شعوب القرن الأفريقي، وتاريخهم العسكري، والانتماءات القبلية، وروح التوجه الجديد للنهوض أمام الإرهاب، في سبيل تنمية شرق أفريقيا، حسابات معقدة، مختلفة تماماً عن الموقف في مصر، فكيف ذلك؟

في مصر هناك قوة مسلحة موحدة وصلبة، تحت قرار سياسي، خضع لاعتبارات تكريس استبداده وحكمه المطلق، مقابل دعم أبوظبي المالي والسياسي والمخابراتي، أما القرن الأفريقي، فالحالة تختلف.

هنا سؤال آخر: ماذا عن انتصار مشروع أبوظبي في اليمن؟

هل هو موضع قوة يقاس عليه، الحقيقة أننا اليوم في صدد فترة انتقالية، لا يمكن الجزم بما بعدها، فحتى مع فصل الجنوب وإنهاء هادي، واتفاق وقف الحرب، مع الحوثيين، لا يمكن الجزم به، وبأن أبوظبي قادرة كلياً، على تأميم هذا الجنوب، وضمان سيطرتها عليه.

إن الرصد والمراقبة يؤكدان بالفعل، أن قرار فصل جنوب اليمن، يخضع بالفعل لاتفاق أو قبول عام، للتعامل الواقعي معه، يتبناه غالبية الجنوبيين من عدن إلى حضرموت، لكن السؤال: ماذا بعد أن يتم الانفصال؟

كيف سيتم إخضاع هذه الأقاليم، للسلطة المباشرة لأبوظبي، التي تسجن اليوم وتحقق وتحكم الجنوب، من خلال موظفيها، ومن خلال قواتها الخاصة، ماذا لو ثارت التباينات الجنوبية، واستفزت أبوظبي أهالي الأقاليم بعد فترة، وبالتالي بدأت أرضية العداء لمشاريع الهيمنة تتصاعد؟

قد يبدو هذا الحديث اليوم، هو مجرد تخمين سياسي عابر، لكن الحقيقة تقول: إن إمارة أبوظبي، لا تملك مقومات الدولة الاستعمارية المهيمنة، والتي تعوّض خسائرها الدموية والمادية، بنفوذها الضخم، فهناك قواعد قياس كبرى، وعوامل رصد ميدانية، من خلالها يظهر أن أبوظبي، ستواجه حصاداً صعباً لن تسعفه إفاقة الجحيم.

* مهنا الحبيل كاتب عربي مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي

المصدر | الوطن القطرية