الأربعاء 28 مارس 2018 07:03 ص

شعار واحد يجمع كل المرشحين للانتخابات العراقية المقبلة، في 12 مايو/آيار، وهو «القضاء على الفساد»، وهو شعار اكتشف المرشحون، من الساسة المخضرمين، صلاحيته وشعبويته، في هذه المرحلة، فتخلوا عن الشعار الأمريكي «القضاء على الإرهاب».

أقول المخضرمين لأن معظم المرشحين هم ذاتهم المنخرطون بالعملية السياسية ـ الطائفية، الفاسدة حتى النخاع، التي أسسها المحتل. وكلنا يعلم كم هي صعبة عمليات زرع نخاع بديل.

أما بقية المرشحين فهم ممن تم استنساخهم، بقدرة الفساد المالي، ومناورات التكتلات الحرباوية، لخداع الشعب باسم الشعب، وتقديمهم في واجهات الاحزاب كما البضائع المعروضة للبيع او الاستئجار.

لهذه الاسباب، انطلقت أصوات داعية إلى مقاطعة الانتخابات لعل أبرزها هو الشيخ «جواد الخالصي، من المدرسة الخالصية بالكاظمية، الذي وصف «من يذهب إلى الانتخابات يؤكد أنه أحمق وجاهل، ويخون البلد خيانةً عملية.. الآن لم يعد هناك مجال إلا لخداع الحمقى».

مبينا أن الحل الوحيد، حالياً، هو «فضح هذه الانتخابات، وعدم خروج الناس من منازلهم خلال الانتخابات».

وبما أن للمرجعية الشيعية متمثلة بالمرجع الأعظم «علي السيستاني»، دورها الاستفتائي وإبداء الرأي البارز في كل جوانب الحياة اليومية، بالعراق، من حكم أكل الجبن المصنوع في أستراليا إلى مراجعة كتاب حاكم الاحتلال السابق «بول بريمر».

فإن عدم صدور فتوى صريحة لإدانة الساسة الفاسدين وحظر التعامل معهم أو انتخابهم، يثير التساؤل، خاصة أن المرجعية ناطقة عبر مكتبها وممثليها في كربلاء، ومن يطلع على موقع السيد السيستاني أو كتاب «النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية» لوجد أن له رأيا في كل ما يجري.

من المفهوم ألا يتفق معه الجميع إلا أن السيد «أحمد القبانجي»، وهو بحكم لقبه من سلالة آل البيت وقد تتلمذ في الحوزة الدينية ودرس الفقه والأصول بالنجف، بات صوتا لتساؤلات آخرين، حول كيفية إنفاق المرجعية «الخمس» وحصولها عليه، ما يجعلها تتغاضى عن اتخاذ موقف حاسم يضع حدا للفساد، كما فعلت، مثلا، عند إصدار فتوى الجهاد الكفائي لمحاربة تنظيم «الدولة الاسلامية»، فسارع مئات الآلاف من الشباب، غير المدربين، إلى التطوع للقتال.

تتردد هذه التساؤلات، الآن، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بعد أن كان من المستحيل مس المرجعية، لأنها وريثة الإمام في عصر الغيبة وتتسم بقدسيته، إلا أن وصول حال العراقيين، خاصة الفقراء والمهمشين، حتى في كربلاء والنجف، إلى حضيض الحياة، شجع على كسر حاجز الصمت حول استخلاص «الخمس» وأوجه صرفه.

والأكثر أهمية من ذلك، عما إذا كان السكوت على الساسة الفاسدين سببه منحهم خمس ما ينهبونه من المال الحرام (نقدا وعقودا وسمسرة تصل الملايين) إلى المرجعية، بناء على الحكم الذي يتبعه أبناء الطائفة الإمامية في أن «الخمس حق» و«لا يجوز التأخير في إخراج الخمس فإنه غصب حرام» حسب موقع السيد السيستاني.

نقرأ في الموقع نفسه تحت (مستحقّ الخمس ): «يقسم الخمس نصفين نصف للإمام (عليه السلام) خاصة، ويسمّى (سهم الإمام) ونصف للأيتام الفقراء من الهاشميين والمساكين، وأبناء السبيل منهم ويسمّى (سهم السادة) ونعني بالهاشمي من ينتسب إلى هاشم جدّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من جهة الأب، وينبغي تقديم الفاطميين على غيرهم.

وردا على كيفية التحقق من انتساب الشخص إلى هاشم، يقول السيستاني في (مسألة 619 ): يثبت الانتساب إلى هاشم بالعلم، والاطمئنان الشخصي، وبالبينة العادلة، وباشتهار المدعي له بذلك في بلده الأصلي، أو ما بحكمه».

قد يوضح منح «سهم السادة» كثرة انتشار لقب «السيد» بعد الغزو وانفتاح المرجعية على لعب دور سياسي، حيث أصبح بالإمكان نيل لقب «السيد» بحضور شاهدين، ليكون اللقب مفتاحا لنيل الدعم وتمشية الأمور. ما يقود إلى إسهام المرجعية، اقتصاديا، في إدامة أجيال من شريحة «مختارة» تتمتع بتمييزها، عن بقية العراقيين، على أسس لا علاقة لها بالكفاءة أو حقوق المواطنة.

يبين موقع آية الله السيستاني أن نصف الخمس، أي سهم الامام، يصرف على تأسيس مدارس دينية ومجمعات سكنية للطلاب، حيث أولت مرجعية السيستاني «جل اهتمامها بالحوزات العلمية والمدارس الدينية، لما تضطلع به من دور كبير ومسؤولية خطيرة في حفظ ونشر مفاهيم وقيم مدرسة آل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)».

عدد من هذه المدارس والمجمعات موجود في النجف، إلا أن المرجعية، كما يبدو «تنفق سنوياً على رواتب الحوزات العلمية مبالغ كثيرة في داخل ايران وخارجها. فيجري تأمين الرواتب الشهرية لأكثر من 300 حوزة علمية كبيرة وصغيرة في شتى أنحاء ايران.

لاسيما في مدينة قم المقدسة التي يقطنها أكثر من 35000 طالب علوم دينية، ومشهد التي يسكنها أكثر من 10000 طالب واصفهان التي تضم أكثر من 4000 طالب بالاضافة إلى سائر الحوزات العلمية والمدارس والمراكز الدينية المنتشرة في شتى مناطق ايران». كما أنشأت المرجعية مستشفى للعيون ومركزا للمعوقين، ليس بالعراق، بل في ايران.

واضح هنا أن صراعات المرجعيات العراقية والإيرانية يعتمد ضمان أو ترسيخ قواعد اجتماعية سياسية ـ دينية لهما في العالم، كما تفعل الدول دعما لسياستها الخارجية، بالاضافة إلى ان الارتقاء إلى مرتبة «المرجع» يتطلب ازدياد عدد الاتباع، فضلا عن درجة العلم.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن أتباع المرجعية منتشرون في جميع انحاء العالم، وان دفع الخمس واحد من اركان الاسلام لديهم، وأن الشخص الذي لا يخمس حتى لو «أعطى الفقراء سنويا من أمواله بشكل عشوائي وحجته أن الأموال التي تدفع في الخمس لا توزع على المحتاجين في بلاده»، لا تبرأ ذمته بذلك.

وعليه محاسبة ما في أمواله من الخمس، ثم الرجوع إلى المرجع أو وكيله، لاستئذانه في الصرف، حسب جواب السيد السيستاني، لتبين ان كل الساسة الفاسدين، سراق ثروة البلد، يدفعون الخمس إلى المرجع.

وبما ان حجم السرقات، بالعراق، وصل مليارات الدولارات، لابد وأن يصبح مردود الخمس ثروة لا يستهان بها، ولا يمكن الاستغناء عنها، مما يوفر الارضية الخصبة للتساؤلات المختلطة، احيانا، بالشكوك.

ويبقى السؤال الذي يطرحه فقراء واحد من دول المنطقة الغنية بحاجة إلى جواب، وهو: لماذا لا تصدر المرجعية فتوى لتحريم الفساد والتعامل مع الفاسدين، خاصة، بعد أن جرب الشعب حكم الفاسدين على مدى 15 عاما، وأيقن الجميع أن الفساد هو أساس الإرهاب، وأن ما يعمل على تفتيت العراق مجتمعا وكيانا هو فساد ساسته؟

٭ د. هيفاء زنـﮔنة كاتبة من العراق

المصدر | القدس العربي