السبت 31 مارس 2018 12:03 ص

بلغ عدد الطلاب الصينيين الذين يدرسون فى الولايات المتحدة خلال العام الدراسى 2016 / 2017 أكثر قليلا من 350 ألف طالب. ويدرس أغلب هؤلاء الطلبة موضوعات العلوم التقليدية مثل علم الأحياء والفيزياء والكيمياء، ويدرسون أيضا العلوم الحديثة مثل الكيمياء الحيوية والفيزياء العضوية، والخلايا والاستنساخ، هذا بالإضافة لموضوعات التكنولوجيا والحوسبة والرياضيات.

ومن بين طلاب الصين المتواجدين بالولايات المتحدة، يوجد ما لا يقل عن 130 ألفا من طلاب الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) ينتشرون فى مختلف الجامعات. وأخيرا بدأت ظاهرة لم تعرفها الجامعات الأمريكية من قبل وتتمثل فى تفكير ورحيل أعداد كبيرة من هؤلاء الطلاب للصين بلدهم الأم بمجرد انتهاء دراساتهم الأكاديمية والحصول على الشهادة العلمية.

*  *  *

تقلق هذه الظاهرة الكثير من المفكرين الأمريكيين، إذ يرونها دليلا على ازدياد فرص تهديد استمرار وديمومة القيادة الأمريكية للعالم.

أحداث مهمة مثل انتخاب رئيس على شاكلة دونالد ترامب بما يتبعه من سياسات منحرفة ومتعجرفة وطائشة، أو أحداث مثل اختبارات كوريا الشمالية لأسلحة نووية قد تصل للسواحل الأمريكية، أو إتباع الإدارة الأمريكية لسياسات متشددة تبعث الرهبة فى صدور الحالمين بالهجرة والاستقرار فى الولايات المتحدة.

تاريخيا نبعت فكرة قيادة أمريكا للعالم من أحقية تملك كل أمريكى وغير أمريكى ممن يتواجدون داخل الأراضى الأمريكية لأحلام يمكن تحويلها لحقائق بصورة أسهل كثيرا من أغلبية دول العالم.

وتعتقد المدرسة الفكرية الأمريكية أن أمريكا، الفكرة والحدوتة، عظيمة بطبيعتها. ويدعم هذه المقولة إيمان أغلب الساسة الأمريكيين أن «العالم ينتظر من الولايات المتحدة أن تقود العالم وأن تحل مشكلاته، لذا فعليها أن تمهد الطريق لقيادة العالم فى العقود المقبلة، وأن حل مشكلات العالم يتطلب مؤهلات وإمكانيات ودورا تستطيع أمريكا فقط أن تقوم به».

وقال الرئيس السابق باراك أوباما فى إحدى خطبه «إن كل دول العالم تشعر بالغيرة، وتتمنى أن تكون فى مكانة وقوة أمريكا».

ومنذ وصول ترامب للحكم فى نوفمبر 2016، زادت مخاوف أحد اتجاهات المدارس الفكرية الأمريكية بقرب زمن الأفول الأمريكى. ورغم إيمان الكثيرين بأن إزاحة أمريكا من على قمة هرم قيادة العالم لا يزال بعيدا.

وتستشهد هذه المدرسة بأن العالم وسكان كوكب الأرض يحيون بالصورة والطريقة التى يختارها العقل والذوق الأمريكى من خلال تطبيقات تكنولوجية متنوعة من الآيفون وتويتر إلى الفيسبوك وغوغل، ومن أمازون إلى مايكروسوفت ومرورا بـاليوتيوب وإنستغرام. وتعتقد هذه المدرسة بغياب أى خطر حقيقى على القيادة الأمريكية، ما دامت التطبيقات الحديثة يتم تصميمها وولادتها فى أمريكا.

وتحسب هذه المدرسة أن «القلق الحقيقى على مستقبل الولايات المتحدة سيبدأ عندما تفكر أغلبية طلاب الدراسات العليا من الأجانب ــ في مجالات التكنولوجيا والهندسة والكيمياء والفيزياء والبيولوجىا والرياضيات ــ فى العودة لبلدانهم الأصلية بعد انتهاء دراساتهم، لا أن يبقى أغلب هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم سعيا لتحقيق حلمهم الأمريكى حتى وإن كانوا غير أمريكيين».

وسيمثل انتهاء هذا السيناريو حال حدوثه انتهاء فكرة «الحلم الأمريكى» للملايين من أنبغ البشر، وأكثرهم قدرة على الخلق والإبداع، وهو ما بدأ فى الحدوث مع طلاب الصين ممن يتخرجون من أرقى الجامعات الأمريكية ولا يرغبون بعد ذلك فى البقاء فى الولايات المتحدة، ويعودون لأوطانهم حيث تتاح لهم المزيد من الفرص التى لم يكن لها وجود من قبل.

*  *  *

رغم تأكيد مؤسسة غولدمان ساكس الأمريكية المرموقة أن الاقتصاد الصينى سيحل محل الاقتصاد الأمريكى كأكبر اقتصادات العالم من حيث الحجم بحلول عام 2027، ورغم تقدم الصين فى العديد من المجالات الحيوية والتكنولوجية، فإن كل هذا، إضافة إلى ما يتناوله الكثير من المعلقين والكتاب حول العالم من أن الصين بدأت فى منازعة الولايات المتحدة فى ريادتها للعالم يظل محل شك كبير لدى الكثير ممن لا يريدون قبول ما قد يكون واقعا دوليا جديدا.

ويقول «فريد زكريا»، المعلق المعروف، إن بروز الصين كقوة عظمى لم يعد توقعات وإنما هو حقيقة، فالصين حاليا تتمتع بأسرع معدل نمو اقتصادى عالمى، كما أنها ثانى أكبر مالك لاحتياطى العملات الأجنبية وبشكل رئيسى للدولار.

ويضيف زكريا أن الصين تمتلك أكبر جيش فى العالم يبلغ تعداده 2.5 مليون جندى، ورابع أكبر ميزانية للدفاع تزيد سنويا بمقدار 10 بالمائة. ورغم الدلالات السابقة على تزايد مكانة الصين الدولية التى تزداد قوة كل يوم، ومع حرص صينى على أن تلعب بكين دورا عالميا متزايدا، إلا أن القيادة الصينية للعالم لن تمثل بديلا للقيادة الأمريكية فى المستقبل القريب خلال العشرين عاما القادمة.

*  *  *

قد يكون من المبكر للغاية الحديث عن قيادة الصين للعالم أو توجيه بوصلة الشئون الدولية فى المستقبل القريب. فى الوقت الذى مازالت الجامعات الأمريكية تحتفظ بمسافة طويلة جدا تبعدها عن أى منافسة حقيقية مع أى من نظيراتها حول العالم، وطبقا لترتيب أفضل جامعات العالم الذى تجريه جامعة شنغهاى الصينية، كان نصيب الولايات المتحدة 17 من بين أهم 20 جامعة حول العالم.

وتلعب القوة الناعمة الأمريكية الدور الكبير فى مواجهة تحديات المستقبل للولايات المتحدة. ورغم استمرار واشنطن فى إتباع سياسات تكلفها الكثير خارجيا، ووقوعها فى مستنقعات جيوستراتيجية سواء فى الشرق الأوسط أو شرق وجنوب آسيا أو حتى فى القارة الأوروبية، فإن طريقة الحياة الأمريكية يتم استنساخها حول العالم بسرعة مكوكية، ناهيك عن السينما واللغة الإنجليزية وسحرها حول العالم، ومقارنة باللغة المهددة لعرشها، وهى اللغة الصينية.

ورغم تعرض الولايات المتحدة لأزمات ومتاعب اقتصادية مختلفة آخرها الأزمة المالية عام 2008، إلا أن تنامى النزعة القومية العنصرية وانتخاب ترامب عجل برغبة أغلبية طلاب الصين فى العودة لأوطانهم.

وحين تختار هذه الفئة العودة إلى بلادها ــ المنافسة للولايات المتحدة، حينذاك فقط يكون موقع أمريكا الريادى محل تساؤل، وهذا هو السيناريو المرعب لمفكرى أمريكا الجادين.

  • محمد المنشاوي - كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن