خالد الحروب، الحياة، الأحد، 6 يوليو/ تموز 2014

اثنان وعشرون مليون ضحية هم من سقط جراء الحرب العالمية الأولى التي اندلعت صيف 1914، تحت وفوق أنقاض دمار مهول لحق بموطن الحداثة والعقلانية والعلم خلال تلك الحرب الوحشية المجنونة. في هذه الأيام يتأمل العالم مرور قرن كامل على تلك الحرب المهولة، لكن دروسها العديدة والعميقة لا تزال برسم الاستفادة. على رغم كل ما قدمته من عبر، إلا أن أوروبا خاضت حرباً طاحنة أخرى بعدها بسنوات، وكأن درس الحرب صعب على الاستيعاب والتفادي.

في ذلك الصيف لم يخطر ببال أكثر أصحاب الخيال جموحاً أن تلك الرصاصات التي استقرت في صدر الدوق فرانز فرديناند ولي عهد الإمبرطورية النمساوية الهابسبورغية (وفي صدر زوجته الحامل التي كانت بجانبه) وفي سيارتهما الرسمية في سراييفو سوف تكون تبعاتها وأكلافها فوق التصور. ولم يكن يخطر في بال غافريلو برنشب الشاب الصربي المتطرف ذي الـ19 عاماً أن تلك الانعطافة القاتلة لسائق سيارة وليد العهد النمساوي سوف تتيح له فرصة ثانية لتنفيذ الاغتيال وكان قد يئس من الاستمرار في المحاولة بسبب عبور السيارة وتجاوزها له. يقول المؤرخون إن غرائب التاريخ تجمعت في تلك الحادثة حيث اجتمع سوء حظ ولي العهد مع فقدان السيارة التي استقلها لآلية الرجوع reverse مما اضطر السائق لأن يقوم بدورة كاملة وبطيئة أتاحت للمتحمس الصربي وعضو المنظمة الثورية «بوسنة الفتاة» أن يقترب لمسافة كافية من صدر الدوق.

مع انطلاق رصاصات الاغتيال انطلق التاريخ الأوروبي في سنوات مظلمة من الحروب والدماء والعنف والدمار، مولداً الأيديولوجيات والقوميات المتطرفة في ألمانيا، والتي انتجت النازية وهتلر، وفي إيطاليا التي انتجت الفاشية وموسوليني، وفي روسيا، وأنتجت الديكتاتورية الشيوعية وستالين.

الحرب كائن خرافي مخيف وغامض وأهم ما يتصف هو انه لا عقل له. وإن كان يسهل وخزه وإيقاظه وحثه على الهيجان، فإن من شبه المستحيل السيطرة عليه إن انطلق، ومن شبه المستحيل أيضاً تقدير أكلافه ومساراته التدميرية. هذا هو الثابت الأساسي في «تاريخ وصناعة الحرب»، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، والحبكة الأساسية فيها تكاد تكون ذاتها: «إن اندلعت الحرب تصير كالعاصفة المجنونة لا يعرف أحد أين تتجه ولا كيف ستتوقف»، ومع ذلك يشتغل خليط غريب من الغباء البشري والجنون والتطرف وهوس العظمة على دوام إطلاق الحروب.

والنموذجان الأكثر رعباً في التاريخ الحديث هما الحربان العالميتان الأولى والثانية. فهاتان الكارثتان وقعتا في قلب التحضر الغربي ورغماً عن «العقلانية» الصارمة التي أخضعت السلوك والإرادة الإنسانيين إلى قوانين العلم والحساب بعيداً من ميتافيزيقا الأديان وكل ما هو غير محسوس. ليس القصد هنا إظهار النكاية بالحداثة والعقلانية، لأن في غيرهما ما هو أكثر سوءاً وخطورة أيضاً على المصير البشري، لكن المقصود هو الإشارة إلى جبروت فكرة الحرب التي تنطلق رغم كل التحسب ورغم كل العقلانيات. فإن كانت الحرب تتصف بتلك السيرة السيئة والتمرد المنفلت في بيئات عقلانية، فكيف هو الحال معها في بيئات ما زالت تقودها الغرائز البدائية والطائفيات والانتقام الإثني والقومي وكل ما ليس له علاقة بالعقل والتفكير الرياضي؟

القصد هنا، وفي البال منطقتنا المنكوبة بالتخلف والتطرف، هو القول إن اكثر الحروب جنوناً وطحناً للشعوب والبلدان والناس هي الحروب المشحونة بالأيديولوجيات القومية والتطرف الديني الذي يستلذ بإراقة الدماء ولا يعتاش إلا عليها. فهنا يصير للحرب معنى وجودي وخلاصي، وتؤول إلى مقتلة لا نهاية لها إلا بإنهاء الخصم الذي بدوره يخوض الحرب بنفس المنطق ويكون عصياً على الإنهاء. يتمكن هذا المنطق الاستئصالي والتدميري من عقول المتحاربين فينجرون إلى ميادين الحرب كالمنوّمين مغناطيسياً ويخوضونها بلا هوادة ويدفعون إلى أتونها ملايين الأبرياء.

الحروب القومية والدينية تختلف عن الحروب ذات الأجندات السياسية والمصلحية، على رغم أن الأخيرة غير مبرأة من النوازع الأيديولوجية أيضاً لكنها تظل أقل شراسة من النوع القومي والديني من الحروب.

في تأريخه للحرب العالمية الأولى، يقدم المؤرخ البريطاني كريستوفر كلارك من جامعة كامبردج أطروحة مخالفة لما هو سائد في الأدبيات الأوروبية حولها (في كتابه The Sleepwalkers)، تقول إنه ما من طرف من أطراف تلك الحرب أراد حقاً أن يخوضها بالشكل الذي آلت إليه، ولم يكن لدى أي منهم «خطة مسبقة» للحرب (أي بخلاف الطروحات الأشهر التي إما أن تحمل الاندفاعة الروسية المنفلتة في الوقوف ضد النمسا في حربها العقابية على صربيا، أو التورط غير المحسوب لبريطانيا وفرنسا في تأييد صربيا، أو تهور برلين وتطرف القيصر الألماني في مساندة النمسا ثم توسيع نطاق الحرب إلى خارج الفضاء البلقاني). يحمل هذا التحليل درساً على قدر كبير من العمق، وهو أن إغراء الحرب، أو على وجه أدق إغراء خوض معارك صغيرة وسريعة يمكن حسمها في وقت قصير، هو وهم دائم، فالمعركة «القصيرة والتي سوف تحسم سريعاً» تورط الأطراف تدريجياً في وحل معارك أكبر، ثم تتحول المعارك الأكبر إلى حرب طاحنة فرانكشتاينية تلتهم الجميع وتدوس عليهم وتتحكم بهم.

منطقتنا المنكوبة تقف اليوم على أعتاب حرب فرانكشتاينية متوحشة، ومناخات اندلاعها تستمر في النضوج على نيران قاتلة: بيئة متسممة طائفياً، ومنقسمة إثنياً، ومتطرفة دينياً، ومُستبدة سياسياً، ومُتلاعب بها خارجياً، وفوق كل ذلك حدودها السياسية والسيادية مُسترذلة من قبل شعوبها وجزء غير قليل من نخبها. وما يقوم به الجنون الداعشي من استثمار للخراب وتعظيمه ليس سوى فتح لأبواب تلك الحرب على مصاريعه. المطلوب الآن وفوراً، هو التوجه نحو مؤتمر إقليمي شامل تكون أطرافه الأساسية الدول العربية وإيران وتركيا والأكراد وهدفه الوقوف ضد اندلاع تلك الحرب. ونقطة الانطلاق تكون في بناء وتوكيد قناعة تقول إن الاستسلام لحرب إقليمية في المنطقة يعني الانتحار الجماعي، وأنه بعد انتهاء الحروب الطاحنة والمدمرة والتي تستمر لسنوات أو ربما عقود، ليس هناك شيء مؤكد، إذ يبدو «النصر» مثخناً دموياً بالأكلاف، ولا تدري عائلات ملايين الضحايا لماذا سقط أبناؤها وهم في ريعان العمر.

في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الإقليمي تجب مناقشة الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات وسقط جراءها ما يقارب مليون ونصف المليون من الإيرانيين والعراقيين. ليس مهماً من كان المسؤول عن اندلاعها وليس هذا محل النقاش، لكن يجب التأمل في الأسئلة المحزنة حول نتيجة تلك الحرب: من الذي انتصر ومن الذي انهزم، وهل استحق أولئك المساكين الذين قضوا أن تطحن أجسادهم في ذلك الجنون المتبادل بين حكام نزقين ومستبدين وتنقصف أعمارهم بتلك السرعة؟ هل تحتاج كل منطقة من مناطق العالم أن تسقط في هاوية حروب طاحنة وطويلة حتى تتأكد من عدمية الحرب، ومن وحشية هذا الكائن الجبار، ثم تؤوب إلى عقلانية ورشد تقودها إلى تسوية صراعاتها وتنافساتها بطرق أخرى؟

والسؤال الأكثر إلحاحاً وإدهاشاً والذي يجب أن يناقشه المؤتمر هو: لماذا لا يتعلم القادة والشعوب من دروس التاريخ المتاحة على امتداد قرون سحيقة ومنذ فجر البشرية، وهي تعرض سلاسل الحروب الوحشية والمدمرة واحدة إثر الأخرى أمام الجميع، وكل واحدة من تلك الحروب يزنرها الحطام وملايين القتلى؟ ما هو السر الدفين في جاذبية الحرب القاتلة التي تخرج البشر عن عقلانيتهم ورشدهم وإمكانية توصلهم إلى حلول وسط توفر عليهم أكلاف الدم؟ أم أن كل هذه التساؤلات ساذجة مع وجود نزعة الشر الدفينة عند البشر، وأن الحرب هي سمة من سمات وجودهم الشقي التي عليهم أن يتعايشوا معها إلى الأبد؟

بعد هذه التأملات التي قد تبدو ترفاً فكرياً في أتون التحضير للحرب، ينفتح النقاش لمساومات وتسويات براغماتية تحقق ما تيسر من المصالح والأهداف المشتركة لكل طرف. لكن ما تيسر من أهداف وما تيسر من مصالح تتحقق على طاولة المفاوضات هي أكثر وأكبر بكثير من الخسائر التي سوف يتكبدها كل طرف في ميدان الحرب، التي سوف تكون هي ولا أحد غيرها الظافر الأول والأخير، بينما الجميع يعانون حطام الدمار والهزيمة.