الأربعاء 11 أبريل 2018 04:04 ص

بات شرق البحر الأبيض المتوسط، مركزا لصراع إقليمي ساخن، حول كعكة الغاز والاكتشافات الضخمة في المنطقة، وسط تحركات جدية لترسيم الحدود البحرية، وتنافس محموم على النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري من بوابة الطاقة.

ويبدو أن تلك الاكتشافات خلال السنوات الأخيرة، ستلعب دورا مهما في إعادة تشكيل موازين القوى بالمنطقة، وربما تدفع إلى مواجهة عسكرية، بدت ملامحها بتحريك بلدان ذات صلة قطعا بحرية لحماية مصالحها شرقي المتوسط.

محاور عدة تشكل خريطة الصراع الجديد، الأول «تركي - يوناني»، والثاني «مصري - يوناني»، والثالث «مصري - قبرصي»، وهناك المحور الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص، وكلها ترتكز على أرضية المناكفة السياسية مع أنقرة، والرغبة في تحجيم النفوذ التركي في المنطقة.

بحر إيجه

مطلع الشهر الجاري، شدد رئيس الوزراء التركي «بن علي يلدريم»، على أن بلاده لن تتسامح مع أي جهة تنتهك حقوقها السيادية في مياه «المتوسط» وبحر إيجه.

وفي فبراير/شباط الماضي، دعا الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، اليونان، إلى التوقف عن انتهاك المياه الإقليمية التركية بالقرب من الجزر الصخرية التركية في بحر إيجه، وانتهاك الطائرات اليونانية للمجال الجوي التركي، قائلا إنه لدى حدوث ذلك فإن «جنودنا يقومون بما يلزم».

وأضاف: «نحذر من يتجاوزون حدودهم في بحر إيجه وقبرص، ويقومون بحسابات خاطئة مستغلين تركيزنا على التطورات عند حدودنا الجنوبية».

ونصح «أردوغان» الشركات الأجنبية التي تقوم بفعاليات التنقيب قبالة سواحل قبرص بأن «لا تكون أداة في أعمال تتجاوز حدودها وقوتها من خلال ثقتها بالجانب القبرصي اليوناني».

وتصاعد الخلاف الدبلوماسي، إلى تحركات عسكرية، تمت ترجمتها من خلال قيام الجيش التركي بتعزيز قواته في بحر إيجه بسفن عسكرية وحربية جديدة، وهو الأمر نفسه الذي قام به الجيش اليوناني، فضلا عن انتهاك مقاتلات يونانية المجال الجوي التركي.

ويبدو موقف أثينا مدعوما بقوة من القاهرة، التي أنهت عبر مفاوضات سرية، وبشكل شبه نهائي، ترسيم الحدود البحرية مع اليونان.

ووفق تسريبات نشرها حساب يدعى «عين مصر» عبر موقع «تويتر»، فإن «الجانب المصري تنازل عن مبدأ التناسب (أحقية البلد صاحبة السواحل البحرية الأكبر بمساحة أوسع من المياه) وقبل بمبدأ خط الوسط في ترسيم حدوده البحرية ما يمنح اليونان أحقية التنقيب في الشرق نحو خط طول 28».

وأقر الترسيم الجديد أحقية اليونان بمياه مقابلة لمصر أمام السواحل التركية تقدر مساحتها بـ3000 كيلومتر، في محاولة مصرية لتعزيز علاقتها باليونان لمواجهة النفوذ التركي المتصاعد بالمنطقة.

رائحة الغاز

الصراع البحري في «المتوسط» و«إيجه»، في حقيقة الأمر، تنافس على حقوق التنقيب عن النفط والغاز، وسط تسارع وتيرة الإعلان عن اكتشافات ضخمة من مخزونات الطاقة قد تغير من معادلات دول المنطقة اقتصاديا.

والشهر قبل الماضي، اعترضت سفن حربية تركية سفينة تابعة لشركة «إيني» الإيطالية ومنعتها من الإبحار إلى منطقة جنوب شرقي جزيرة قبرص للتنقيب عن النفط؛ الأمر الذي أثار غضب نيقوسيا.

وترفض أنقرة قيام قبرص اليونانية بعمليات التنقيب في شرق البحر الأبيض المتوسط، من طرف واحد، متجاهلة حق جارتها قبرص التركية.

ودخلت مصر على خط الأزمة عسكريا، بالإعلان عبر تنسيق مع أثينا وقبرص وتل أبيب، عن تحريك حاملة الطائرات من طراز «ميسترال»، باتجاه حقول الغاز شرقي المتوسط(طالع المزيد).

ونقل «الخليج الجديد»، وقتها، عن مصادر مطلعة، إن التحرك المصري جاء ردا على تصريحات وزير الخارجية التركي، «مولود جاويش أوغلو»، بشأن عدم اعتراف تركيا بالاتفاق المبرم بين مصر وقبرص في ديسمبر/كانون الأول 2013، بترسيم الحدود البحرية بين البلدين للاستفادة من المصادر الطبيعية في شرق البحر المتوسط.

وحذر «جاويش أوغلو» من أنه «لا يمكن لأي دولة أجنبية أو شركة أو حتى سفينة إجراء أي أبحاث علمية غير قانونية أو التنقيب عن النفط والغاز في الجرف القاري لتركيا والمناطق البحرية المتداخلة فيه»، مؤكدا أن الاتفاقية المبرمة بين مصر وقبرص اليونانية في 2013، بهدف استغلال المصادر الطبيعية الممتدة في ما يصفه البلدن بـ«المنطقة الاقتصادية الخالصة لهما» شرق البحر المتوسط، «تنتهك الجرف القاري التركي عند خطوط الطول 32، و16، و18 درجة».

وردت الخارجية المصرية، بالقول عبر متحدثها الرسمي، إن «اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونيتها؛ حيث إنها تتسق وقواعد القانون الدولي وتم إيداعها كاتفاقية دولية في الأمم المتحدة»، مشددة في بيان على أن «محاولة المساس أو الانتقاص من حقوق مصر السيادية في تلك المنطقة، تعتبر مرفوضة وسيتم التصدي لها».

ويرى مراقبون أنه حال دخول ترسيم الحدود بين مصر واليونان حيز التنفيذ، وتوريد الغاز القبرصي إلى مصر، سترتفع حدة المواجهة بين أطراف المتوسط، لا سيما مع تشدد أنقرة التي تعترض بشدة على بيع الغاز القبرصي قبل التوصل إلى حل سياسي للأزمة مع قبرص.

ومن المتوقع أن تحمل كعكة الغاز، نذر مواجهة محتملة بين القاهرة وأنقرة من جانب، وأثينا وأنقرة من جانب آخر، يغذي المواجهة خلف الكواليس رغبة سياسية مدعومة إقليميا ودوليا في وقف تمدد النفوذ التركي في المنطقة.

المصدر | الخليج الجديد