الخميس 19 أبريل 2018 12:04 م

«لا تصالح».. قصيدة شهيرة للشاعر الراحل «أمل دنقل»، تصف الأوضاع حاليا في مصر، في ظل دعوات تتكرر بين فترة وأخرى، حول التصالح بين نظام ما بعد الانقلاب برئاسة «عبدالفتاح السيسي»، و«الإخوان» الذين كانوا على رأس السلطة قبل أن يزج بهم في المعتقلات.

آخر الدعوات، أطلقها الإعلامي المصري المؤيد للنظام «عماد الدين أديب»، في 4 أبريل/نيسان الجاري، عبر برنامج «على مسؤوليتي»، الذي يقدمه «أحمد موسى»، ولفت إلى إمكانية إجراء حوار مع المتعاطفين مع جماعة «الإخوان»، وهو ما خلق ردود أفعال واسعة ومتواصلة، في الصحف المملوكة للدولة وبعض الصحف الخاصة، بين مؤيد ومعارض.

وقبل دعوة «أديب» بيومين، قال «السيسي»، في أول كلمة متلفزة له عقب إعلان فوزه بفترة رئاسية ثانية، إن «مصر تسع كل المصريين، طالما الاختلاف في الرأي لم يفسد للوطن قضية».

وأضاف أن «زيادة المساحات المشتركة بين المصريين ستكون على أجندة الأولويات خلال المرحلة المقبلة (..) المساحات المشتركة بيننا أوسع وأرحب من أيدلوجيات محددة أو مصالح ضيقة».

هذا الطرح بشأن أولويات أجندة «السيسي»، وما تبعه من دعوة «أديب»، فسره البعض بمحاولة تحريك الماء الراكد في مصر، لاسيما أن هناك قانونا مكملا للدستور لابد أن يصدره مجلس النواب يُعني بلم الشمل المجتمعي، وكان يفترض أن يصدر في أول دور تشريعي، لكن لم يصدر لأسباب اعتبر نواب آنذاك أنها تصطدم مع الشعب المصري الرافض لـ«الإخوان»، على حد قولهم.

وتنص المادة (241) من الدستور المصري على أن «يلتزم مجلس النواب (البرلمان) في أول دور انعقاد له (بدأ مؤخرا دور الانعقاد الثاني)، بعد نفاذ هذا الدستور، بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية».

الرفض المثار عادة من جانب مؤيدين للنظام في مواجهة أي طرح للمصالحة مع «الإخوان«، تكرر في طرح «أديب» الأخير، والذي لم يعلق عليه النظام ولا جماعة «الإخوان» ولا الأحزاب بشكل رسمي.

خداع

المحلل السياسي والأكاديمي «حسن نافعة»، وصف المصالحة مع الإخوان بأنها «شعار خادع تم ابتذاله».

وأضاف في تغريدة له عبر «تويتر»: «فلا الجماعة تريد مصالحة لأن السياسات الاستبعادية للنظام تخدمها على المدى الطويل، ولا النظام يريد مصالحة لأنه يحتاج إلى فزاعة تبرر تجاوزاته».

وتابع: «مطلوب مصالحة مجتمعية تعزل التطرف وتحاصر الاستبداد، لكن لن يقدر عليها سوى مجتمع مدني واع.. فمتى نفيق؟».

 

قبل أن يضيف متسائلا: «كم يعلم أن خارطة الطريق التي أعلنها السيسي يوم 3 يوليو (تموز) 2013، حين كان وزيرا للدفاع، نصت على تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل كل التوجهات؟، فلماذا لم ينفذ هذا البند؟».

 

واتفق مه الأكاديمي «حازم حسني»، حين غرد بالقول: «لغير هواة المراوغة والتضليل.. طرفا لعبة البنج بونج يريدونها ثنائية مستدامة، ولن يقبل أيهما بأى عنصر ثالث في المشهد.. هذا يتهمه بالعمل لحساب ذاك، وذاك يتهمه بالعمل لحساب هذا، ولا يسعى كلاهما إلا لإفقاد هذا الوارد على المشهد كل اعتبار.. لك الله يا مصر».

 

فيما رأي الأديب «عبدالحكيم الحجيلي»، أن الإعلام يغني ويرد على نفسه في مسألة المصالحة، وتساءل: «من قال إن الاخوان عاوزين يتصالحوا؟ وكيف يتصالح المسجون والمقتول؟».

 

الأمر منتهٍ

الكاتب الصحفي المصري «عماد الدين حسين»، قال إن الحكومة المصرية وأجهزتها وإعلامها وجزء كبير من الشعب، يرفض المصالحة مع جماعة «الإخوان».

واعتبر رئيس تحرير صحيفة «الشروق» (يومية خاصة)، الموالي للانقلاب العسكري في البلاد، أن «الذين يراهنون على أي مصالحة بين الحكومة المصرية وجماعة الإخوان فى المدى المنظور لا يرون الواقع جيدا».

وأضاف، في مقاله المنشور على موقع الإذاعة الألمانية، أن «جزءا كبيرا من الشعب المصري، صار يتعامل مع كلمة مصالحة باعتبارها كلمة بذيئة أو خادشة للحياء»، على حد قوله.

الأمر نفسه، ذكره مساعد وزير الداخلية الأسبق اللواء «حسام لاشين»، الذي قال إن ملف المصالحة مع الإخوان «قد أغلق»، واصفا ذلك بأنه «أمر طبيعي».

وأكد أنه لا يمكن فتح صفحة جديدة مع من هدموا البلاد، وقتلوا أبناء مصر، حسب قوله.

وأشار «لاشين»، في تصريحات إعلامية إلى أنه لا بد أن ينتبه المصريون لبلدهم، ولا يلتفتوا لأمر «الإخوان»، مضيفا: «لازم ننسى التصالح مع الإخوان نهائي».

لا تصالح

ووفقا للمحلل المصري في الشؤون الإسلامية «أحمد بان»، فإن «الدستور الحالي وضع بندًا واضحًا للحوار الوطني، والحديث عن مصالحة مع الإخوان اختزال لمفهوم الحوار في وقت تحتاج فيه مصر لحوار بين النظام وكافة الطيف السياسي».

وتابع «بان»: «أعتقد أن النظام لن يقبل الآن على حوار مع الجماعة.. دعوة أديب هي صيحة من داخل النظام، وليس من خارجه، وتأتي لمصلحة النظام (..) بمعنى توسيع شرعيته لدى مجموعة أخرى وتحييدها خاصة المكون القريب من الإخوان».

ورأى أن الدعوة لو كانت جادة لكان قد تم تفعيل النص الدستوري بخصوص الحوار، وتساءل: «إذا كان النظام لم ينخرط في حوار مع شركائه في 30 يونيو (حزيران) فكيف سينخرط في حوار مع متعاطفي الإخوان».

وختم باعتبار أن هذه الدعوة هي «حملة علاقات عامة شأنها شأن دعوات أخرى ستنتهي كفقاعة هواء».

أما أستاذ علم الاجتماع السياسي والمتخصص في الحركات الاجتماعية والتحول الديمقراطي «زياد عقل»، فاعتبر أن حديث أديب أخذ أكبر من حجمه، وهو ليس دعوة، بل مقترح، وقوبل برفض شديد.

وتابع أن النظام ليس لديه نية لفتح حوار في الأربع سنوات المقبلة، وجزء كبير من النظام رافض لـ«الإخوان»، ويرى أن نظام ما بعد 30 يونيو (حزيران) قائم على تخليص مصر من «الإخوان» وفكرة المصالحة معهم تتعارض مع التشكيل.

وحول إن كان للنظام علاقة بدعوة «أديب»، أجاب بأن النظام ليس بحاجة للجوء إلى تقديم رسالة غير مباشرة، واعتاد أن يبعث رسائله مباشرة.

وبشأن مستقبل النص الدستوري الخاص بالحوار المجتمعي، قال «عقل» إن «هذا تحدٍ كبير كبير أمام البرلمان، ويجب أن تُضع معايير بخصوصه».

وتبقى المسافة شاسعة أمام تلك المصالحة المدعاة، فالواقع يؤكد أن بين الطرفين المتخاصمين أمدا بعيدا يحول بينهما وبين مصالحة تبدو مستحيلة.

ومنذ الانقلاب على «مرسي»، تعاني البلاد أزمة سياسية وانقساما مجتمعيا، وفق مراقبين، لم تفلح معها حتى الآن مبادرات محلية ودولية بين نظام حاكم يرفض عودة «الإخوان» إلى المشهد، وقطاع من المصريين يرفض بقاء الرئيس «السيسي» في الحكم.

وكلما تجدد الحديث في مصر عن ضرورة المصالحة، أو ترددت أنباء عن محاولة وساطة، تصدر تصريحات رسمية مناهضة، ويندد إعلاميون باحتمال المصالحة، مرددين أن الشعب لن يقبل بها.

المصدر | الخليج الجديد