الخميس 19 أبريل 2018 10:04 م

قد تقع الآن حرب كبرى على رؤوسنا..

في أي لحظة، يمكن ان تطلق صواريخ توماهوك أو كروز من بوارج حربية أمريكية راسية أمام شواطئنا أو تتعجل الوصول إليها، وكذا صواريخ أخرى من طائرات قد تشترك معها. وهناك على الأمريكان، البريطانيون والفرنسيون وحتى الالمان، جميعهم متشوقون للاشتراك في الحرب.

وبالطبع (إسرائيل) التي استبقت الضربة الاطلسية بقصف "قاعدة تي 4" الجوية قرب حمص في 7 أبريل/نيسان، مع علمها بأن فيها قوات روسية وإيرانية علاوة على تلك السورية، ولكنها كانت شديدة الغضب لضحايا دوما الذين قضوا قبل يوم بهجوم كيمائي، وأشد استهجانا لاستخدام هذه الوسيلة في قتلهم.. هي التي كانت قبل يوم تحديدا - يوم الجمعة كالعادة - تقتل الفلسطينيين على طول قطاع غزة.

وقبل أسبوع تقتلهم "أكثر"، وهي التي استخدمت الفوسفور الحارق في هجومها على غزة 2014، والقنابل العنقودية (المحرمة دوليا هي الأخرى) في هجماتها على لبنان.. من دون تعرضها حتى الآن لأي إدانة أو عقوبة، بل وبإنكار دولي ورسمي لنتائج التحقيقات التي أجرتها لجان تابعة للامم المتحدة حينها.

.. تماما كما اعترفت شخصيات مسؤولة من زمن بوش (هل تذكروه؟) بأنه لم تكن هناك أسلحة دمار شامل لدى صدام حسين، وأنه شبه لهم وكذلك لرئيس وزراء بريطانيا آنذاك توني بلير، وأن الكيس الابيض الذي لوح به أمام مجلس الامن كولن باول وزير خارجية أمريكا وقتها، وهو جنرال سابق، لعله كان مليئا بالسكر!

وهذا بعد سنوات على حرب 2003، وبعد مليون ضحية عراقية لها. قيل أحيانا Sorry عن الخطأ، والاعتراف بالخطأ فضيلة أليس كذلك؟ ثم أن الله غفور رحيم.

بل يغض هؤلاء السادة النظر عن الكلفة الأمريكية والبريطانية للـ"خطأ" (مع انه جانب يتظاهرون بالاهتمام به)، ويغضون النظر أيضا عن مقدار تحقيق الاهداف الفعلية - المعقدة - لتلك الحرب والغزو والاحتلال، ومن بينها - أو أبسطها ربما - ما كان نفطيا (تمادت لاحقا في كشفه كتب أمريكية وتحقيقات صحافية جادة)، ولا يحاسبهم أحد.

وهم اكتفوا بأرباح مباشرة ذهبت الى جيوبهم الشخصية وإلى شركاتهم العاملة في تقديم خدمات متنوعة للحرب والاحتلال، كما كشفت أيضا تحقيقات جادة. يعني أنها كانت "كارثية" على العراقيين (ونحن اليوم في أيام ذكرى وقوعها) ولكنها كانت كارثية لجهة الحسابات العقلانية المصلحية للأمريكيين واترابهم. لا يهم!

صدام حسين كان مستبدا، لا يرتجف لدماء العراقيين المسفوكة ولا لبؤسهم. ولكن الذي "عوقب" حينذاك كان العراق وليس النظام. ويا للمكسب إذ زال صدام حسين وما زال العراق - البلد بالغ الثراء في الامكانات والموارد ومترامي الأطراف وعميق الحضارة - يحتضر، وقد انهارت الاوضاع فيه الى درك لم يخطر ببال أحد.. بلى! صرح به الجنرالات في حرب الامريكان الاولى عليه 1991: "سنرجعه الى العصر الحجري".

هذه بديهيات لعل تكرارها صار مضجرا. لعلها تذكرنا بعجزنا كناس وكمجتمعات عن وقف الكوارث الإرادية الكبرى رغم مناهضتنا لها: لم تنفع الملايين العديدة التي نزلت في مظاهرات عملاقة الى شوارع واشنطن ولندن وسواهما في منع وقوع تلك الحرب.

ولعل "سينيكية" عامة قد سادت العقول بعد ذلك: نعرف أن هناك أغراضا وحسابات ومصالح، وأنه لا علاقة للكيمائي ولا لأي شعور قيمي أو انساني بقرار شن الهجمات العسكرية على سوريا، ولكن هكذا تجري الامور، فلنكن واقعيين.

اليوم لم نعد عند "حيوان" لنعت بشار الأسد كما فعل ترامب في تعليقه على قصف دوما في الغوطة الشرقية بأسلحة كيمائية يوم 6 أبريل/نيسان.

نحن أمام التمسك بتلابيب جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي الذي يريد الاكتفاء بضربة رمزية محدودة، نرجوه أن يتمكن من فرض رأيه على طاقم المعتوهين الذين يحيطون بترامب، وهم من طينة أسلافهم زمن بوش الأب والابن، مع درجة أعلى من الابتذال.

اليوم يقال في مراكز الابحاث الكبرى وفي الصحف العالمية: ستكون فرصة لاختبار الانظمة الصاروخية وما الذي تعنيه المواجهة بين توماهوك الأمريكي بصيغته المطورة وبين "أس 400" الروسي المضاد له، وهو صيغة مطورة عن "غلادياتور أس 300"..

يا للفرح بأن يؤكد هؤلاء بأن نتيجة المواجهة ستغير في التفكير الاستراتيجي لدى هيئات أركان البلدين وفي العالم. بل أن نجاح "أس 400"، ولو النسبي، في التصدي لخطة الاطلاق الأمريكية للصواريخ والمنوي أن تكون مكثفة للغاية إحباطا للتصدي لها، سيجعل هذا السلاح الروسي موضع اعجاب واقبال على الشراء!

وأن يقال أن الأمريكان لا يريدون استخدام طائرات الشبح المتطورة خشية وقوع إحداها بقصف وتمكن الروس من الاستيلاء على أجزاء من حطامها واكتشاف أسرار عسكرية تخص صناعتها.. يوفي كل هذا الصراع، فالبزنس هو المعيار وليس أطفال دوما ولا نساء سوريا الذين سيتلقون شظايا هذه الحرب على رؤوسهم..

ما قاله بكلمات أخرى الأمين العام للأمم المتحدة الذي يبدو مرتعبا من الوضع، مقترحا أن تقوم "وكالة حظر الاسلحة الكيمائية" بالتحقيق الميداني في مسألة الكيمائي، كمنفذ لتجنب الكارثة أو تأجيلها على الاقل. لكن الجواب: No/Niet .

السوريون الذين سحقتهم بشاعة نظام بشار الأسد، وقبله نظام أبيه، ثم 7 سنوات من الحرب الهمجية التي فككت البلاد وشرذمت المجتمع ودمرت كل شيء في طريقها.. السوريون هم من سيدفع الثمن قبل أي أحد آخر..

هذا إن لم يحدث ما هو أعظم من ذلك، وهو احتمال وارد طالما سبب الحرب غربا هو بدرجة كبيرة ما ترفض واشنطن هضمه، أي المكانة التي احتلتها روسيا في هذا المكان من العالم، بينما تعلن موسكو رسميا بأن الشرطة العسكرية الروسية دخلت "دوما" وانتشرت فيها، وأنها سيطرت على الغوطة بغربها وشرقها بالكامل.

لعله يحدث اليوم ما لم تتمكن منه الحرب الباردة الاولى؟ تبا للفرحين بذلك من أي جهة كانوا!

  • نهلة الشهال - رئيس تحرير السفير العربي