الجمعة 20 أبريل 2018 12:04 ص

هل هي حالة امتحان عض الأصابع بين ترامب وشي، رئيسي الولايات المتحدة والصين؟ هل من المعقول أن تتعرض التجارة بين الدولتين، والتي تفوق 1.4 تريليون دولار، ومنها فائض تجاري لصالح الصين على حساب الولايات المتحدة يقارب 350 مليار دولار إلى هزة كبيرة. وقد انخفض هذا العجز عن سنوات سابقة، كان يصل فيها إلى 500 مليار دولار وأكثر. هذه الحالة لا تعجب الرئيس الأمريكي، ويريد أن يضع حدا لها.

ولكن الرئيس الأمريكي لا ينظر إلى كلية العلاقة الاقتصادية بين البلدين، فالميزان السلعي هو لصالح الصين، لكن حجم عوائد الاستثمارات الأمريكية في الصين، والسياحة العلمية والترويحية من الصينيين إلى الولايات المتحدة كبير، وتحقق فائضا لصالح الولايات المتحدة.

وهنالك، على سبيل المثال، أكثر من مليون ونصف مليون طالب صيني يدرسون في جامعات الولايات المتحدة وكلياتها. وكثيرون من هؤلاء، وخصوصا المبدعين منهم، سوف يكتسبون الجنسية الأمريكية ويبقون مقيما فيها.

ولكن الرئيس الأمريكي يبحث عن إيجاد فرص عمل داخل الولايات المتحدة، خصوصا الذين صوتوا له عام 2016، وهم الطبقة المتوسطة والأدنى من ذلك من البيض في الولايات المتحدة، والأغنياء من الأقليات ذات الأصول الإفريقية واللاتينية والعربية، وقد نجح في إيجاد فرص عمل على حساب أمريكا اللاتينية وبعض الدول الأوروبية، وبقيت الصين عقبة كأداء في طريقه.

لقد زاد الرئيس الأمريكي قبل شهرين التعرفة الجمركية على مستوردات الحديد (25%) ومستوردات الألمنيوم (10%). وأدى هذا إلى غضب الأوروبيين، ما دفعهم إلى اتخاذ إجراءات مماثلة. ولا تزال الحرب الكلامية بينهما مستعرة، وأدت هذه أيضا إلى استفزاز الصين.

ولكن الرئيس الأمريكي اختار سلعا مستوردة من الصين بقيمة 50 مليار دولار، وأخضعها للجمارك، فردت الصين بالمثل، ووضعت جمركا على مستوردات زراعية، مثل فول الصويا والذرة الصفراء المستوردة من الولايات المتحدة.

وهدد الرئيس ترامب بأن يضيف قائمة جديدة من السلع المستوردة من الصين بقيمة مائة مليار دولار، لكنه لم يتخذ القرار حتى هذه اللحظة. ومع أن الصين هددت باتخاذ إجراءات مماثلة ضد الولايات المتحدة، إلا أن الرئيس شي ألقى خطابا قبل أسبوعين أعلن فيه أن الصين ماضية في سياسة الانفتاح التجاري على العالم، وهو أمر لم يأخذه بعض السياسيين في واشنطن على محمل الجد.

تأخذ الصين موقف المتفرج من الصراع الأمريكي الروسي في سورية. وتدعم الصين التوجه إلى عقد لقاء بين رئيسي كوريا الشمالية والولايات المتحدة، عسى أن يؤدي إلى انفراج أزمة الأسلحة النووية في كوريا الشمالية، فكيف يكون هنالك تقارب صيني سياسي وتهديد بحرب تجارية في الوقت نفسه؟

إذن، للرئيس الأمريكي هدف "ميركانتيلي" أو تجاري فحسب، فهو يحب تجميع المال لناحية الولايات المتحدة ولصالحها، بهدف التصدي للعجز المزمن في كل من الميزان التجاري والموازنة العامة، المتوقع بعد تخفيض الضريبة على الدخل والأرباح، أن تشهد ارتفاعا في العجز عام 2018 قد يتجاوز تريليون دولار.

فإجراءات الرئيس الأمريكي تصب كلها في خانة التضييق على حرية التجارة وتبادل عناصر الإنتاج بين الدول، فزيادة الجمرك على السلع المستوردة، والتهديد بالانسحاب من اتفاقات التجارة الحرة المعقودة مع دول المحيط الأطلسي ودول المحيط الهادئ، ومع الدول في القارة الأمريكية الشمالية، خصوصا كندا والمكسيك.

وهو في الوقت نفسه يهدد الشركات الأمريكية التي فتحت فروعا إنتاجية لها خارج الولايات المتحدة، أو تشتري مدخلات لصناعاتها من الخارج، أن تعود بالإنتاج إلى داخل الولايات المتحدة، وإلا فرض على هذه المنتجات رسوما جمركية عالية. وهو كذلك يبني الأسوار والحيطان ليحد من الهجرة إلى بلده، ويشدد على منح سمات الدخول، أو حتى يسعى إلى منعها من بعض الدول الإسلامية.

حيال هذه الحقائق كلها، بات من الواضح أن دولة في حجم الولايات المتحدة (20% من التجارة العالمية)، صارت تتبع سياسات حمائية، وتستخدم نفوذها لفرض شروط تجارية تحد من حرية انتقال السلع والخدمات.

وأمام هذا كله، لا بد وأن نتساءل عن أمرين:

الأول، ما هو مصير منظمة التجارة العالمية التي اكتسبت نفوذا متزايدا، وتهافتت الدول التي لم تكن أعضاء في اتفاقية التجارة والتعرفة (غات) لكي تصبح أعضاء فيها؟

كانت اجتماعات المنظمة ودوراتها تلقى اهتماما دوليا كبيرا في مطلع القرن العشرين بين مؤيد ومعارض، لكنها الآن لا تكاد تذكر.

الأمر الثاني، هل سيراجع كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مبادئ النموذج الاقتصادي الذي يتبناه كل منهما، والقائم على حرية التبادل الدولي، كما فعلا بعد انتشار الأفكار الريغانية والتاتشرية في ثمانينات القرن الماضي، وأكدا على مبدأ الانفتاح بعد انفجار أزمة المديونية العالمية بعد ذلك بسنوات قليلة. هل ينسجم الوقت مع تبني نموذج اقتصادي جديد مع أفكار الرئيس ترامب؟

اختصرت فكرة العولمة التي بشرت بأن الأرض قرية عالمية، وأن المسافات والأزمان قد اختصرت بفضل الاختراعات الإلكترونية في مجال الاتصالات.

ولكن، بعدما زادت وسائل النقل تقدما وسرعة فوق الأرض وعليها وتحتها، هل تعود ثانية إلى تقسيم هذه القرية إلى حوار وحارات؟

أكثر من ذلك، هل تحولت العولمة إلى نظام يقهر فيه الكبار الصغار بدون حساب للقانون ومبادئ العدل والمساواة؟

يقول بعضهم إن قوانين التطور والتغيير سوف تفرض نفسها، وما تراه اليوم من سياسات حمائية ليس إلا غيمة عارضة سرعان ما تزول.

ومن يدري، فمقومات عصر السرعة قد تضع الرئيس ترامب في خانة حرجة تؤدي إلى أن يعزله عن الرئاسة الأمريكية مجلس الشيوخ الأمريكي، كما يسعى إلى ذلك الحزب الديمقراطي المعارض.

وإذا حصل هذا، ماذا سيحصل لأفكاره وتحالفاته؟

  • د. جواد العناني - خبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء وزير الصناعة ورئيس الديوان الملكي الأردني سابقا