السبت 21 أبريل 2018 08:04 ص

أستغرب ألا تدفع التغيرات المتسارعة التى تشهدها الصين على صعيد النمو الاقتصادى وزيادة التبادل التجارى مع كل أقاليم العالم بما فيها الشرق الأوسط، إضافة لبدء تواجدها العسكرى فى محيطنا الاستراتيجى ــ الدول العربية منفردة أو مجتمعة نحو التفكير الجاد فى كيفية التعامل مع الصين، وما هى الأهداف الواجب تحقيقها؟ وكيف يمكن الاستفادة من صعودها السريع؟

مع زيادة استهلاك موارد الطاقة من جانب الصين كى تخدم توسعاتها الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد بوسع بكين النأى بنفسها بعيدا عن القضايا السياسية فى الشرق الأوسط. وعلى الرغم من تعامل الولايات المتحدة ــ وإلى حد كبير روسيا وبريطانيا وفرنسا ــ مع القضايا والتهديدات الأمنية الجيواستراتيجية للمنطقة، تؤهل الصين نفسها كى تتبوأ مكانة مهمة مؤثرة فى الشئون الأمنية فى المستقبل القريب، خاصة مع زيادة اعتمادها على مصادر الطاقة بصورة أكبر من غاز وبترول دول الشرق الأوسط.

وتدرك الصين فوائد تقوية العلاقات بينها وبين دول المنطقة خاصة أنه لا يجمعهما أى تاريخ أو إرث حربى أو استعمارى، من هنا كان من السهل التأسيس لعلاقات جديدة حديثة تركز على الجوانب الاقتصادية والتجارية بصورة أساسية.

وفى عام 2004 تم تأسيس منتدى التعاون العربى الصينى كى يكون نواة جامعة للتعاون المستقبلى بين الطرفين، وخلال عام 2016 قام الرئيس الصينى شى جين بينج بزيارته الأولى للمنطقة عاكسا بذلك اهتماما متزايدا فى بكين بدور سياسى أوسع للصين فى قضايا الشرق الأوسط.

*  *  *

وتعتقد الصين أن التغيرات المتسارعة التى تشهدها المنطقة سواء السياسية أو الاستراتيجية أو التكنولوجية أو الاجتماعية يمكن أن تمثل فرص كبيرة للصين لتقوية دورها السياسى والاقتصادى هناك فى الوقت الذى تشهد فيه المنطقة تقلصا فى نفوذ ومكانة ومصداقية الولايات المتحدة.

تستغل بكين بوضوح توتر العلاقات الإيرانية الغربية فى الاستثمار فى علاقاتها مع إيران والتى وصل حجم التعاقدات الجديدة معها خلال السنوات الخيرة ما يتخطى الـ 60 مليار دولار.

خلال زيارته للمنطقة، لم يتوقف الرئيس الصينى فقط فى مصر أكبر الدول العربية وإيران أكبر شريك تجارى لها، بل توقف أيضا فى المملكة السعودية مؤكدا على اتباع بلاده سياسات الحياد بلا تمييز بين الفرقاء فى المنطقة، ولا أظن أن هناك زعيما لأى دولة أخرى كبيرة يستطيع القيام بزيارة الرياض وطهران معا.

وجدير بالذكر أنه ومنذ عام 2009 تخطت كمية البترول المُصدر من المملكة السعودية لدول آسيا الخمس الصين واليابان وكوريا والهند وسنغافورة ثلاثة أضعاف كمية البترول المُصدر لدول غرب أوربا وأمريكا الشمالية، من المتصور أن تستمر كذلك فى المستقبل المنظور.

كذلك يتوقع أن تدفع زيادة استهلاك مصادر الطاقة الرئيسية من بترول وغاز من الصين وجاراتها الأسيوية دول الخليج العربى لزيارة إنتاجها والكميات المصدرة من ثرواتها لتوازن الطلب المتزايد.

وتعتقد المدرسة السياسية الأمريكية أن قدرات الصين العسكرية مازالت محدودة كى تستطيع القيام بمهام حماية خطوط الملاحة الدولية، وأنه لا توجد دولة أخرى بجانب الولايات المتحدة تستطيع القيام بهذا الدور الحيوى، من هنا لا تستطيع الصين أن تحل محل الولايات المتحدة كأهم قوة فى العالم عند صانعى القرار السعودى والخليجى.

ولم تسع الصين بعد لمحاولة لعب دور كبير فى القضايا الجيو ــ استراتيجية فى الشرق الأوسط، على الرغم من تأسيس بكين لأول قاعدة عسكرية فى دولة جيبوتى عند مدخل البحر الأحمر.

*  *  *

من ناحيتها، ركزت الصين تاريخيا بالأساس على التعامل مع النظم الحاكمة بصورة رسمية، ولم تستثمر فى النخب الثقافية أو الأكاديمية أو الإعلامية أو السياسية أو الاقتصادية وغيرهم من أعضاء المجتمع المدنى، ولا يثق النموذج الصينى فى المنظمات غير الحكومية بصفة عامة.

ولأسباب داخلية بالأساس لم ترحب الصين بثورات الربيع العربى التى رفعت لواء الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. والصين بصفة عامة لا تكترث بالسياسات الداخلية للدول إلا فى إطار ما قد يؤثر على علاقاتها الاقتصادية والتجارية بها، كذلك لا ترغب الصين فى تصدير نموذج سياسى للحكم لتفرضه على بقية دول العالم.

وبينما عبرت دوائر غربية مختلفة عن ترحيبها بأحداث الربيع العربى، تحفظت الصين واعتبرت ما يجرى بمثابة مشكلة أو أزمة تتعرض لها الدول العربية، من هنا لم تعتبر الصين سقوط نظام الرئيس حسنى مبارك أو نظام معمر القذافى أخبارا جيدة.

من ناحية أخرى، فليس للعرب علاقات واسعة مع الصين، فبعيدا عن استيرادها لمصادر الطاقة، وتوريدها للكثير من المنتجات للأسواق العربية، تبقى العلاقات محدودة للأسف. ولا ترتبط النخب العربية بالصين لا من بعيد ولا من قريب.

وهناك نخب عربية ترتبط بالولايات المتحدة وبريطانيا سواء فى دول مجلس التعاون الخليجى أو مصر أو الأردن، أو دول ترتبط نخبها النافذة بفرنسا مثل دول المغرب العربى ولبنان. والاحتكاك العربى بالصين يبقى ضعيفا للغاية مع ما تمثله من قوة صاعدة لا يمكن تجاهلها.

على العرب الاستثمار قبل فوات الأوان ثقافيا وفنيا وسياسيا وإعلاميا مع الصين، تلك الدولة الكبيرة التى لم تعد دولة نائية ولم تعد بعيدة عن الشرق الأوسط.

كما أن على الدول المنتجة والمصدرة للغار والبترول أن تستثمر دبلوماسيا وثقافيا فى الصين، وهذا يعنى بالأساس توسيع السفارات القائمة وزيادة عدد الدبلوماسيين العرب بها من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يقوم قادة الدول العربية بزيارات متكررة للصين ومدنها الكبرى مثل بكين العاصمة وشنغهاى وغيرها من المراكز التجارية المهمة بوتيرة متكررة.

وعلى العرب كذلك الاستثمار لفهم الحضارة والثقافة الصينية المعاصرة، وعدم الاقتصار على الانبهار بالحضارة الغربية وتطبيقاتها التكنولوجية والثقافية الاجتماعية التى قد لا يناسب العرب منها الكثير.

  • محمد المنشاوي - كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن
المصدر | الشروق المصرية