الأحد 6 مايو 2018 10:05 ص

«من لا يعجبه القرار من أولياء الأمور.. أمامه بدائل أخرى»، بتلك الكلمات أغلق وزير التعليم المصري «طارق شوقي»، الباب أمام المعترضين على قرار «تعريب التعليم»، وإلغاء تدريس اللغات الأجنبية في المدارس الرسمية.

النظام الجديد الذي سيبدأ تطبيقه مع العام الدراسي المقبل، اعتبره مختصون ومراقبون «خصخصة للتعليم»، تحت ستار «التعريب»، واضطهاد طبقي للفئة المتوسطة.

ويُقبل كثير من المصريين على تعليم أبنائهم بالمدارس التجريبية، التي أنشأت في 1985، وتنخفض بها كثافة الفصول مقارنة بالمدارس الحكومية، وتقبل الأطفال بسن أكبر حيث يدرسون اللغة الإنجليزية من رياض الأطفال، ومقابل ذلك يدفعون مبالغ بسيطة مقارنة بمدارس اللغات الخاصة والمدارس الدولية.

وقوبل القرار الأخير برفض واستهجان كبيرين من أولياء الأمور، خاصة أن التجريبيات نجحت نجاحا كبيرا ونافست المدارس الخاصة المتميزة، وأنصفت المجتهدين على مدى أكثر من 30 عاما، حتى إنه يتخرج منها أوائل الثانوية العامة.

كما يعترض أولياء الأمور، على هذا القرار المفاجئ الذى يمس مستقبل الأجيال، بدلا من أن تسعى الوزارة للنهوض بالمدارس الحكومية.

نظام جديد

والأسبوع الماضي، أعلن «شوقي»، عن تعديلات في نظام التعليم، أبرزها «تعريب التعليم» في المدارس الرسمية للغات (التجريبية)، في المرحلة الابتدائية.

ويعني هذا تدريس مادتي «العلوم» و«الرياضيات» باللغة العربية، بدلا من الإنجليزية، فضلا عن إلغاء منهج المستوى المتقدم للغة الإنجليزية، على أن تستمر تلك المدارس في مناهجها التعليمية نفسها خلال المرحلتين الإعدادية والثانوية.

وأكد «شوقي» أن قراره يهدف لإتقان اللغة العربية، وأنه لا توجد دولة بالعالم تدرس المواد بغير لغتها إلا مصر، إلا أنه في الوقت ذاته أعلن الإبقاء على التعليم باللغة الإنجليزية كما هو في المدارس الخاصة للغات والمدارس الدولية.

وأضاف، أنه سيتم تعليم اللغة الإنجليزية من مرحلة رياض الأطفال في كافة مدارس الدولة كمادة منفصلة، بينما يتم تدريس المواد الأخرى مثل التاريخ والجغرافيا والعلوم والرياضيات باللغة العربية، ثم يتم في المرحلتين الإعدادية والثانوية دراسة المواد العلمية والرياضيات باللغة الإنجليزية، كما سيتم إضافة لغة أجنبية أخرى في الصف الأول الإعدادي.

الوزير قال أيضا، أن نظام التعليم المصري الجديد يطبق على الطلاب الملتحقين برياض الأطفال والصف الأول الإبتدائي، في كافة المدارس التي تمنح شهادة ثانوية عامة بدءا من العام الدراسي المقبل.

وأشار إلى أن النظام الجديد يختلف تماما عن النظام التعليمي الحالي في الفلسفة والأهداف والمهارات المستهدفة، وكذلك في طرق التدريس والتقييم.

طبقية

ردود الأفعال على النظام الجديد، جاءت غاضبة من أطراف متعددة، أبرزها وأهمها، هم أولياء أمور التلاميذ في المدارس التجريبية، الذين اعتبروا قرار الوزارة به نوع من الطبقية «لأن قرارات التعريب، لم تسر على مدارس اللغات الخاصة»، مؤكدين أن المستفيد من هذا القرار هم ملاك المدارس الخاصة.

وأكد المتحدث باسم حركة «وعي» للتثقيف السياسي «هاني القللي»، أن نظام التعليم الجديد «يحمل جوانب سلبية كثيرة وإخفاقات يجب تداركها، وطالب بإقالة وزير التعليم فورا».

فيما أكدت مؤسسة «اتحاد أمهات مصر للنهوض للتعليم»، في بيان لها، أن «استبعاد المدارس الخاصة والدولية من النظام الجديد يعد نوعا من التمييز بين المصريين وإخلالا بتكافؤ الفرص».

وفي وقفة أمام الوزارة، الخميس الماضي، طالب أولياء الأمور بالإبقاء على المدارس الرسمية للغات، وعدم تعريبها، مؤكدين حق أبنائهم في الدراسة باللغة الإنجيلزية أسوة بالمدارس الخاصة لغات.

وحذر المتظاهرون، من أن النظام الجديد للتعليم في صالح الأغنياء الذين يستطيعون إلحاق أبنائهم بمدارس اللغات، بينما يعد النظام الجديد ظلما للفقراء.

خصخصة

فيما أكد مدير مركز «الحق في التعليم» (غير حكومي) «عبدالحفيظ طايل»، أن «النظام الجديد يعمل على تسليع التعليم وخصخصته، ووضعه أمام سياسات السوق الحر دون شفافية».

وأوضح، أن الحكومات المصرية المتعاقبة ترى أن التعليم سلعة، وشجعت القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم.

وأكد أن النظام الجديد سيزيد الانتقالات من المدارس التجريبية للقطاع الخاص، في محاولة لترجيح كفته على حساب التعليم الحكومي.

وانتقد «طايل»، الحكومة بالقول: «النظام الجديد يؤكد أن المصريين حريصون على تعليم أولادهم أكثر من حرص الدولة على تعليم مواطنيها».

واتفقت معه الصحفية المتخصصة في مجال التعليم «هند العربي»، حين قالت: «يشير الأمر إلى خصخصة التعليم، فالخصخصة بشكل عام هي التحول في الإدارة والتشغيل من النظام الحكومي إلى النظام الخاص، وهو ما سيحدث».

وأضافت: «خصخصة التعليم، باختصار تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم، والمتمثل بكل بساطة في عملية نقل ملكية كافة الوظائف والمهام ذات الصلة المباشرة في قطاع التعليم المملوك من قبل الحكومة أو الدولة إلى بعض جهات القطاع الخاص».

أكد «طايل» وجهة النظر هذه، حين قال: «المصريون باتوا مجبرين على دفع أموال طائلة مقابل إنقاذ أولادهم من البيئة المعادية للأطفال في المدارس الحكومية، والبحث عن بيئة أكثر حفاظا على صحة الأطفال النفسية والبدنية في المدارس الخاصة والدولية».

وتابع: «التعليم بمصر لا بد أن يكون مجانيا مقابل ما يدفعه المصريون من ضرائب»، لافتا إلى أن الحكومات «غرست فكرة دفع الأموال للحصول على التعليم داخل عقول المصريين».

لن يستمر

أما الخبير التربوي «كمال مغيث»، فانتقد النظام الجديد بشدة، وقال إنه «متناقض لا معنى له، ولا يصب إلا في مصلحة المدارس الخاصة وخصخصة التعليم».

ولفت الخبير التربوي إلى أن «القرار لن يستمر؛ لأن المدارس الخاصة ستضاعف أسعارها بسبب الإقبال عليها».

وأضاف: «الحكومة كان أمامها بديل آخر، وهو القيام بأنشطة تؤكد الهوية الوطنية، وتدريس اللغة العربية تدريسا فعالا»، وتابع: «لو كان الأمر متعلقا بالهوية الوطنية كان من الأولى أن ترعى وزارة التعليم الهوية الوطنية لطلاب جميع المدارس الحكومية والخاصة والدولية على حد سواء».

لا دراسات

وتساءل «مغيث»: «لماذا عربت الدولة التعليم بالمدارس الرخيصة التي تلجأ إليها الطبقة الوسطى، وأبقت على العلوم باللغات الأجنبية في المدارس الدولية والخاصة؟»، مضيفا: «هذا يؤكد أن القرار عبارة عن تجارة واتفاقات».

وشدد على أنه «لا توجد دراسة واحدة تقول إن تعليم اللغة الإنجليزية للأطفال بسن صغيرة يؤثر على الهوية الوطنية»، معتبرا أن «كل ما يقوله وزير التعليم محض تصريحات صحفية وكلام عام دون تجارب».

واتفق معه الخبير التربوي والعميد الأسبق لكلية التربية بجامعة سوهاج «مصطفى رجب»، حين قال إن «نظام التعليم الجديد أثار غضب التربويين في مصر؛ لأنه لم يستند إلى أي دراسات سليمة».

وشدد أن النظام الجديد مليء بالتناقضات والأخطاء، ويتضمن ظلما بينا لأبناء الطبقة الوسطى، مشيرا إلى وجود أكثر من 3000 قرية في مصر تفتقر إلى أي إمكانيات تعليمية، ستحرمها من تطبيق النظام الجديد.

وتابع أستاذ علم النفس التربوي بجامعة أسيوط «محمد رياض»، بالقول إن «الحكومة لم تهيئ البيئة اللازمة لهذا التغيير، وفي مقدمتها تدريب المعلمين، وتحسين البنية الأساسية للمدارس، وتطوير المناهج، قبل تنفيذ هذا النظام الجديد».

واستنكر «رياض» إجراء هذا التغيير الهام في مستقبل الملايين على طريقة الصدمة وإثارة قلق الناس، موضحا أنه «كان يجب منح هذه التغييرات الوقت الكافي؛ لمناقشتها مجتمعيا، ودراسة النماذج الناجحة حول العالم».

وشدد على أن إلغاء المدارس التجريبية فيه ظلم كبير لأبناء الطبقة الوسطى، الذين لا يمكنهم دفع المصروفات الباهظة في المدارس الخاصة، ما يعني أن التعليم الجيد في البلاد أصبح حكرا على الأغنياء فقط، كما أن دراسة العلوم باللغة العربية في المرحلة الابتدائية، ثم تدريسها بالإنجليزية في المرحلة الإعدادية، سيؤدي إلى ارتباك الطلاب.

البرلمان لا يعلم

من جانبه، كشف رئيس لجنة التعليم بمجلس النواب (البرلمان) «جمال شيحة»، أن المجلس لم يصله حتى الملفات الخاصة بهذا المشروع الخاص بالتعليم الرسمي التجريبي.

وقال إن «المجلس يأمل أن يتلقى الخطة كاملة حتى يسهم بدوره في وسائل تطوير التعليم وفقا لخطة نهائية».

وانتقد إعلان الحكومة عن النظام واتخاذ قرار بشأنه، رغم أن التعليم في مصر يحتاج إلى خطة واضحة المعالم وأهداف يضعها الخبراء في ضوء استراتيجية، يتم حولها حوار مجتمعي هادئ وشامل، يقنع جميع الأطراف حتى ينجح.

وأضاف: «بعدها يبدأ التنفيذ، على أن يتم متابعته بواسطة جهة محايدة لضمان الجودة.. فليس من المعقول أن تتخذ قرارات فوقية دون الرجوع للبرلمان أو حتى إبلاغه للعلم، لأن ذلك سوف يؤخر مسيرة الاصلاح الحقيقية».

توحيد النظام

أما وكيل وزراة التعليم السابق «رضا مسعد»، فقال إن نظام التعليم المصري الجديد لن ينجح إلا إذا تم تطبيقه علي كل أنواع المدارس الحكومية والرسمية والقومية والأزهرية والخاصة والدولية.

وأضاف: «لابد من توحيد نظام واحد يشمل مزايا كل هذه المدارس جميعا، علميا وأخلاقيا ولغويا وتكنولوجيا، وأنشطة وخدمات ليصبح لدي مصر نظاما قوميا موحدا يحترمه الجميع ويحقق تكافؤ الفرص لجميع المصريين فقراء كانوا أم أغنياء».

يشار إلى أنه في الأعوام الماضية، حصلت مصر على مراكز متأخرة في جودة التعليم الأساسي والعالي، وفقا لمؤشر التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي للعام 2018/2017.

وقارن مؤشر التنافسية العالمية بين 137 دولة في تقريره الأخير، وحصلت مصر على المركز 129 في جودة التعليم.

 

المصدر | الخليج الجديد