الأربعاء 23 مايو 2018 06:05 ص

يقول الفيلسوف الإنكليزي، والمتخصص في الاقتصاد والمنطق، ديفيد هيوم، إن الناس يكوّنون انطباعاتهم واستنتاجاتهم مما يرونه من أحداث تتكرّر أمامهم بالترتيب نفسه. وإذا رأوا حدثين متتاليين يتكرّران بالترتيب نفسه لكل مرة، فسيقولون إن الحدث الأول هو السبب، والثاني هو النتيجة.

لو قذفت كرةً على حائط، فإن اصطدامها بالحائط سيكون نتيجة ارتداد الكرة. وهكذا يصبح بعد عدة محاولات راسخاً في ذهن صاحب الكرة أن اصطدامها بالحائط هو السبب، وارتدادها عن الحائط هو النتيجة.

ولذلك هو يتبنّى هذه النتيجة التي كوّنها بسبب تكرار التجربة نفسها، ويدافع عن صوابيتها، وتصبح لديه هوساً لا يصح غيره. وإذا قلت له دعنا نغير الكرة التي معك بكرة من عجين بدلاً من جلد، سترى أن الكرة لا ترتدّ بل تلتصق بالحائط. ولذلك، لا تتكامل عناصر العلاقة بين الاصطدام والارتداد إلا إذا عرفنا المادة التي تتكوّن منها الكرة.

ويرى الإنسان في سعيه إلى الحقيقة أن القناعات التي كوّنها، بحكم مشاهداته واطلاعاته وتجاربه، ربما تكون مضللة أو خادعة، إذا غيرنا إحدى فرضياته، كأن تغير المادة المكوّنة منها الكرة، أو مادة الحائط الذي يمكن أن يكون ستارةً من قماش، بدلاً من حائط مكوّن من خلطة إسمنتية.

ولقد استفدنا كثيراً من الفلاسفة في تهذيب وتصويب أساليبنا العلمية والإحصائية في الوصول إلى النتائج أو الاستنتاجات، أو الحكم على المظاهر التي نراها أمامنا. وقد ساهم الفلاسفة التجريبيون، أمثال هوبز ولوك، وباركلي وغيرهم، في هذا التعميق لأساليب التحليل والاستنتاج. وكذلك ساهم علماء المنطق، أمثال أرسطو والفارابي، وابن رشد، وابن طفيل وهيوم في رفع مستوى إدراكنا ما يجول حولنا.

وقد تعلمنا في الوطن العربي أن نحلل الأشياء، وأن نحكم عليها، خصوصا إذا كان التحليل ينصب على حدثين أو أكثر وقعاً، واحداً تلو الآخر، خلال فترة تذكّرنا حدوثهما، فنقول إن زيارة ترامب ولقاءه زعماء الخليج أدت إلى فرض الحصار على قطر.

والسبب أن الحدثين جاءا متتاليين في فترة قريبة، فنقول إن الحدث الأول كان السبب، وكان الثاني النتيجة. وقد يكون هذا صحيحاً، وقد لا يكون في غياب معرفتي أسلوب الربط بينهما.

وفي استنتاجاتنا الاقتصادية، نقول كثيراً من النتائج التي لا تكون دقيقة. ولكن إذا آمن بها صنّاع القرار، أو المؤثرون فيه، تحول ذلك حقيقة، أو نبوءةً محقّقة ذاتها.

فعندما أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، انسحابه من الاتفاق النووي المعقود بين إيران وستة أطراف فاعلة (الأعضاء الدائمون الخمسة في مجلس الأمن وألمانيا)، ارتفع سعر النفط.

وذلك لأن التنبؤات انصبت على تحليل احتمالات التصعيد بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الخليج العربية من ناحية ودول الحلف المضاد المكوّنة من إيران وحلفائها في المنطقة مثل سورية، وحزب الله، ولربما حركة حماس في قطاع غزة من ناحية أخرى.

وبذلك تدخل دول منتجة للنفط في أتون هذه المعركة، ما يعرّض مصادر النفط للتهديد، فيتوقف الإنتاج أو الشحن، وتقل الكميات المعروضة، ويزيد الطلب على شراء النفط وتخزينه تحسباً لانقطاعه، ما يؤدي إلى ارتفاع سعر برميل النفط.

وهذا ما حصل خلال الأيام العشرة الأخيرة، حيث قارب سعر النفط (خام برنت) إلى ما يقارب 78 دولاراً للبرميل الواحد. ولكن ظروفاً مشابهة حصلت في الماضي، فقد تعرّضت إيران وروسيا وفنزويلا لعقوبات اقتصادية، وسادت الفوضى في الدول العربية، ومنها العراق، وسورية، وليبيا، لكن سعر النفط ظل يهبط ويهبط، فلماذا هبط في هذه الحالة، ويرتفع في ظروف مشابهة نعيشها الآن؟

إذن، تؤدي التوترات السياسية والأمنية والعسكرية إلى زيادة سعر النفط. وفي ظروف أخرى، قد تؤدي إلى هبوطه، فما هو سبب التفاوت بين الحالتين.

إذا قلنا إن السبب يكمن في أن الدول المنتجة الكبرى، مثل المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، وروسيا، وإيران، لم يتأثر إنتاجها إبّان فترة اشتداد الأزمة العربية، ما عوّض عن العرض الذي تضاءل في ليبيا وسورية والعراق، فنقول إن الوضع حالياً يشهد زيادةً في النفط العراقي المنتج، وعودة إنتاج النفط إلى مستوى أعلى في سورية، ومصادر النفط في الدول المنتجة الكبرى على حاله، فلماذا ارتفع سعر النفط؟

وإذا قلنا إن السبب هو المخاوف المستقبلية في الظرف الراهن من حروب قادمة وشيكة، فإن الدلائل لا تؤيد ذلك كثيراً، فقد تبادلت إيران وإسرائيل الهجمات عبر سورية، وكلٌّ ادّعى أنه قادر على محق الآخر، وكل منهما قال إنه لا يريد الحرب، لكنه جاهز لها. إذا، لماذا تأخذ هذه النظرية ذلك البعد؟

وإذا قلنا إن دول التحالف الخليجي لم تعد قادرةً على مواجهة تكاليف الحروب الساخنة والباردة، ومواجهة المطالب المتزايدة على أموالها من إدارة ترامب في مقابل دفاعه عنها كما يدّعي، فذلك سيصب أيضاً في مصلحة الدول المعادية للتحالف، مثل إيران وروسيا.

هل كانت نتائج الانتخابات في العراق ولبنان مبشّرة بدخول المنطقة في حالة اصطفاف وتحالفات متناقضة. أم إن نقل السفارة الأميركية إلى القدس قد لامس نخوة العرب إلى حد صاروا يهدّدون فيه أمن إسرائيل؟ أم ماذا؟

أم أن الولايات المتحدة هي صاحبة القرار، والمتحكّمة في أسعار النفط بهيمنتها على عوامل كثيرة مؤثرة في سعره، مثل سعر الدولار، والمخزون الأميركي، وكمية إنتاج النفط الأميركي، وتحكم أميركا في أسواق السلع وبورصاتها، وإدارتها ومشاركتها في ملكية كثير من آبار النفط ووسائل نقله؟

يتطلب الأمر كله منا وقفة تأمل وبحث عميقين، ليس لمجرد فهم العناصر المؤثرة في سعر النفط والغاز. ولكن، لأن مستقبلنا كله في المنطقة صار بيد دول عظمى على مستوى العالم، ودول غير عربية أكبر قوة في منطقتنا العربية؟

وقد يقول قائل، كما أخبرني أحدهم، إننا نحن العرب فقدنا بصيرتنا المستقبلية، لأننا لا نعلّم الفلسفة والمنطق في مدارسنا.

* د. جواد العناني خبير اقتصادي، سابقا نائب رئيس الوزراء وزير الصناعة ورئيس الديوان الملكي الأردني.

المصدر | العربي الجديد