الخميس 24 مايو 2018 09:05 ص

ربما كان لدى الرئيس السابق «باراك أوباما» شعبية كبيرة في أنحاء العالم، لكن تلك الشعبية لم تمتد إلى الحكومات العربية. لم تكن المشكلة تتعلق فقط بالاتفاق النووي مع إيران، الذي قالوا إنه سمح لطهران بتوسيع نفوذها الإقليمي بشكل عظيم، وإنما كان يتعلق الأمر أيضاً بتشككه الذي كان نادراً ما يخفيه حول حلفاء أميركا الشرق أوسطيين.

وعلى سبيل المثال، فقد أشار «أوباما» في مقابلة شهيرة إلى حلفاء الولايات المتحدة قائلاً: «سيحتاجون إلى إيجاد طريقة فعالة لمشاركة الجوار وإقامة نوع من السلام البارد مع إيران»، ورداً على سؤال حول ما إذا كانت السعودية حليفًا، ابتسم «أوباما» وقدم ردًا فاتراً قائلاً: «الأمر معقد».

وهكذا، قبل انتخابات عام 2016، رأت دول مثل السعودية والإمارات رئاسة «ترامب» المحتملة كفرصة للتغيير. لكن السؤال الكبير الآن هو: هل ستندم هذه الدول الخليجية على وضع رهاناتها على الحصان الفائز؟

تفاصيل التقرب تتكشف

في الأيام القليلة الماضية كانت هناك تقارير تشير إلى أن مشاعر دول الخليج المؤيدة لـ«ترامب» ذهبت إلى أبعد من الدعم المعنوي.

فقد أفادت «نيويورك تايمز» و«أسوشيتد برس» هذا الأسبوع بأن مبعوثين زعموا أنهم يعملون لصالح ولي العهد السعودي الأمير «محمد بن سلمان» وولي عهد أبوظبي الأمير «محمد بن زايد آل نهيان»، عرضوا في البداية مساعدة حملة «ترامب» عبر «وسائل التواصل الاجتماعي»، وحاولوا في وقت لاحق التأثير على «ترامب» أثناء وجوده في منصبه.

أحد هؤلاء المبعوثين المزعومين كان رجل الأعمال الأمريكي اللبناني «جورج نادر» الذي ساعد أيضًا في تنظيم اجتماع في يناير/كانون الثاني 2017 في سيشيل، بين مؤسس شركة بلاك ووتر الأمنية الخاصة «إريك برنس»، ومسؤولين إماراتيين ومصرفي روسي قريب من الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين».

ويتعاون «نادر» حالياً في التحقيق الجاري في تدخل روسيا في انتخابات عام 2016 والذي يقوم به المحقق الخاص «روبرت مولر».

أكبر الفائزين

بالنسبة لدول الخليج، كان فوز «هيلاري كلينتون» يمثل مشكلة، وكان هناك قلق واضح من أن المرشحة الديمقراطية يمكن أن تستمر في سياسات «أوباما» التي شعروا أنها تظلمهم. وأظهرت رسائل البريد الإلكتروني المسربة التي نشرتها ويكيليكس عام 2016 أن «كلينتون» ربطت السعودية بشكل خاص بتمويل الدولة الإسلامية، وهو اتهام أثار غضب الرياض لفترة طويلة.

الحقيقة أن «ترامب» قد يبدو مرشحًا أقل قابلية للدعم من قِبل دولتين مسلمتين عربيتين، فقد كان رجل الأعمال السابق يشكك صراحة في جميع المسلمين أثناء حملته الانتخابية كما دعا إلى فرض حظر على دخول المسلمين إلى البلاد، وانتقد على وجه التحديد السعودية، فخلال أحد المناظرات الرئاسية، أشار «ترامب» إلى أن الناس في المملكة «يقتلون النساء ويعاملونهن بشكل فظيع».

لكن حملة «ترامب» كانت تعاني أيضاً من نقص الموظفين وزيادة المسؤوليات لذا فإنها عينت مجموعة من المستشارين في الشؤون الدولية من هنا وهناك، وحينها اشتمّ الوسطاء الضعفاء مثل «نادر» و«برويدي» فرصة لنشر نفوذهم، والأهم من ذلك، كسب المال.

وتشير الأدلة التي نشرتها وكالة أسوشيتد برس إلى أنهم في بعض الأحيان عاملوا عشيرة «ترامب» بازدراء، حيث يُزعم أنهم أطلقوا على «جاريد كوشنر» - صهر الرئيس الذي كلف بإعداد خطة سلام في الشرق الأوسط - لقب «الأمير المهرج» في رسالة من «نادر» إلى «برويدي».

وبغض النظر عن الدور الذي لعبه «نادر» و«برويدي» في النهاية، فإن العلامات الأولية تشير إلى أن السعودية والإمارات كانتا من بين أكبر الفائزين في رئاسة «ترامب»، ففي في أول رحلة خارجية له في منصبه؛ خالف «ترامب» التقاليد وتوجه إلى الرياض بدلاً من أوتاوا أو مكسيكو سيتي، وأثناء وجوده هناك، أعرب عن ثنائه الشديد على مضيفيه وحلفائهم، واعداً بأنه لم يأتِ «لإلقاء محاضرة» على المسلمين، في إشارة انتقاد محتملة لخطاب «أوباما» البارز في 2009 في القاهرة.

ووضع «ترامب» نفوذه وراء خطط «محمد بن سلمان» الطموحة للإصلاح الداخلي في السعودية، حتى أنه دعمه في تغريدة خلال حملته المثيرة للجدل على الأمراء المنافسين، وأيد في البداية التحرك الذي قادته السعودية والإمارات لعزل قطر وغض الطرف عن التجاوزات المزعومة لتدخلهم العسكري في اليمن، وفي الشهر الماضي، تراجع عن أحد سياسات «أوباما» التي كان أولياء العهد ينزعجون منها، وسحب الولايات المتحدة من الصفقة النووية الإيرانية.

مخاطرة لا تستحق ثمنها

في الوقت نفسه مع ذلك، فإن عدم قابلية «ترامب» للتنبؤ وعدم وجود سياسة خارجية شاملة قد ألقت بحواجز غير متوقعة على الطريق. هناك مثلاً المحاولة المتكررة لمنع الزائرين للولايات المتحدة من الدول ذات الأغلبية المسلمة، ونقل السفارة الأمريكية في (إسرائيل) إلى القدس، وعرض السلام في الشرق الأوسط الذي لم يتم الإفراج عنه بعد. ورغم أنه لا شيء من هذه الأشياء قد يزعج أولياء العهد، لكنها كلها أمور مثيرة للانقسام في الشعوب التي يحكمها الأمراء.

في هذه الأثناء، تراجع دعم «ترامب» للحصار القطري - ربما بسبب ألعاب نفوذ الدوحة نفسها - وقد أشار مرارا وتكرارا إلى أنه يريد إخراج الولايات المتحدة من سوريا، ولكن ربما تكون المشكلة الكبرى هي أن «ترامب» قد يكون في نهاية المطاف أكثر إقصاء لحلفائه في الخليج من سلفه.

وإذا كان أفراد العائلة المالكة السعوديون قد اشتكوا من أن «أوباما» قد أشار ضمناً إلى أنهم «راكبون بالمجان» فقد ذهب «ترامب» إلى أبعد من ذلك حيث طلب المليارات منهم قائلاً إن دولهم «لن تدوم أسبوعًا واحداً» بدون حماية الولايات المتحدة.

قد يكشف تحقيق «مولر» عن تفاصيل محرجة أكثر حول محاولات السعودية والإمارات لإيجاد أرضية مشتركة مع «ترامب»، أو نقطة ضعف يمكنهم استخدامها لمصلحتهم، وكلما زادت المعلومات التي تنكشف، كلما قد يتساءل أولياء العهد عما إذا كانت هذه الجهود قد استحقت العناء.