الاثنين 2 يوليو 2018 06:07 ص

وجدت صعوبة في محاولة حصر عدد الدول التي قام رئيس وزراء الهند نارندرا مودي بزيارتها في الشهور الأخيرة. أعتقد أنه زار منذ توليه منصبه عددا يفوق عدد الدول التي زارها جواهر لال نهرو وهو في قمة شهرته.

وهي الشهرة التي مكنته، إضافة إلى صفات أخرى، من أن يحول الهند الخارجة لتوها من حكم الاستعمار البريطاني، إلى دولة يحسب لها الغرب والشرق على حد سواء حسابا.

لا أشك اليوم ونحن على بعد عقود من عهد نهرو، أن الدافع وراء نشاطاته الدولية وزج الهند في قضايا لا تخصها وتزويدها بعقيدة سياسية عابرة لحدودها بل للإقليم والقارة الآسيوية، كان السعي وراء ضمانات تحافظ على كيان الهند وتدعم أمنها وسلامتها.

خرجت الهند من الاستعمار بكيان مهدد بالتمزيق والانفراط. وبالفعل وقع التمزيق وبقي خطر الانفراط جاثما. ففي الداخل أقليات تنتمي الى أعراق متباينة وشعوب تنطق بلغات عدة.

ومن الخارج استمرت باكستان بعد مرور نحو سبعين سنة تمثل تهديدا مباشرا ومتواصلا لأمن الهند. ومن الخارج أيضا وفي وقت حصول الهند على استقلالها، ظهرت الصين في شكل جديد وعقيدة مختلفة ونزاع حدودي لم يجد له الطرفان على مر السنين حلا مناسبا.

جاء نارندرا إلى الحكم على رأس نظام أقرب إلى الشعبوية الدينية في دولة حاول أسلافه من زعماء حزب المؤتمر ترسيخ قواعد العلمانية ومبادئ الديموقراطية السياسية في أوساط النخب الحاكمة في مختلف ولاياتها.

وأقام حملته الانتخابية على فكرة إعادة مجد الهند التاريخية وثقافتها الكلاسيكية وفي الوقت ذاته بناء دولة حديثة تستعد لتكون هي الأقوى في إقليم جنوب آسيا، ولتتولى مسؤولية حماية دول الإقليم، واثقا من أن الهند تستطيع بقواها الذاتية، وبمساعدة الدول العظمى، تحمل هذه المسؤولية.

اعتمدت الهند منذ استقلالها على مبدأ الاستناد إلى توازن دقيق في علاقاتها بالقطبين الأعظم سواء في زمن الحرب الباردة أو في زمن القطبية الأمريكاية المنفردة، أو ما يعرف بالمرحلة الانتقالية في تطور النظام الدولي.

كانت، ولا تزال، في أمس الحاجة إلى السلاح الروسي لأنه السلاح المتقدم الذي تستطيع الهند الحصول عليه معفيا من شروط الارتفاق التي تأتي مغلفة بها الواردات العسكرية الأجنبية ومنها شروط عسكرية واقتصادية وسياسية.

هو أيضا السلاح الذي يمكن أن يأتي مزودا بأسرار تخزينه وصيانته وأساليب استعماله على عكس السلاح الذي يأتي من دول الغرب التي دأبت على رفض تزويد الدول النامية بمعلومات عن تكنولوجات الأسلحة المتقدمة.

واقع الحال يشير إلى أن روسيا، في معظم مراحل العلاقة مع الهند، لم تحاول تغيير طبيعة هذه العلاقة العسكرية. لم تفرض شروطا على رغم حاجتها إلى مزايا جيوستراتيجية في إقليم جنوب آسيا، ولم تضع صانع القرار الهندي أمام خيار الاستغناء عن استيراد الأسلحة الروسية إلا تلك الأسلحة التي يتعذر على روسيا إنتاجها.

كان واضحا تماما أن روسيا مستعدة لتقديم كل التسهيلات والحوافز الممكنة كي لا تفقد مكانتها في السياسة الخارجية الهندية. وتعلم روسيا كما تعلم دول عدة مارست العمل مع الهند، أنه لم يأت إلى منصب رئيس وزراء الهند إمرأة أو رجل أبدى استعدادا للتفريط في مبدأ كاد أن يحتل مكانة التقديس وهو التمسك باستقلالية القرار السياسي الهندي.

استجدت أمور تضغط كلها في وقت واحد على صانع القرار الإستراتيجي في الهند. أختار من هذه الأمور ثلاثة ربما لأنها الأهم من وجهة نظر بعض الخبراء الذين حضروا قبل أيام مؤتمر الأمن المعتاد انعقاده سنويا في منتجع شانغري - لا في جزيرة سنغافورة. هذه التطورات هي:

أولا: توسعت الإستراتيجية الدفاعية الهندية في السنوات الأخيرة فصارت تغطي مساحات أوسع في مياه المحيط الهندي وخليج عمان، في وقت تأكدت استحالة أن تتمكن القاعدة الصناعية الهندية من توفير حاجة الأمن الهندي إلى منظومات سلاح متكاملة.

كما تأكدت من حاجتها إلى منظومة دفاعية أمريكاية وهذه تعني بالضرورة إخضاع القرار السياسي الهندي لهيمنة أمريكاية، أو حاجتها إلى منظومة دفاعية متكاملة من أسلحة روسية الصنع وهذه تقف دونها تهديدات أمريكاية بتطبيق العقوبات المقررة على روسيا من جانب الغرب على الدول المتعاملة معها في المجالات العسكرية.

ثانيا: عندما أطلق الرئيس الصيني شي جينبنغ مبادرة طريق الحرير والحزام، لم يخطر على بال كثيرين أن الصين ستستخدم قفزات عالية وثبا نحو تنفيذ المبادرة ورسم معالم واقع جديد ممتد من الصين شرقا إلى أوروبا غربا، مرورا بوسط آسيا وجنوبها وبالمياه الدافئة في المحيط الهندي وخلجان المياه العربية والإيرانية ومضايقها.

في شهور قليلة ظهرت جزر اصطناعية تملكها الصين في مياه المالديف. راحت الصين أيضا تقلد النموذج الأوروبي لتشتري جزيرة بعد أخرى في أرخبيل كان تابعا جيوسياسيا للنفوذ الهندي.

وهناك في سيريلانكا قامت الصين ببناء مرفأ للحاويات في ميناء العاصمة كولومبو وشيدت مرفأ جديدا أنفقت عليه المليارات لتحصل على حق امتياز مدته 99 عاما. يحدث هذا على بعد عشرات الأميال من شاطئ جنوب الهند المطل على أحد أهم الممرات المائية في العالم.

على الناحية الغربية انتهت أو كادت تنتهي الأعمال الخاصة بمد أهم طريق بري وبحري يربط وسط الصين وغربها بالبحار الموصلة إلى إفريقيا والخليج والبحر الأحمر فالبحر المتوسط مرورا بميناء جوادار الباكستاني.

هناك أيضا وعلى بعد مسافة قصيرة راحت الهند تدعم تطوير ميناء شهرابار في جنوب غربي إيران ليستعد لاستقبال التجارة المتبادلة بين أقاليم في وسط آسيا وجنوب روسيا من ناحية، وموانئ إفريقيا والبحر المتوسط من ناحية أخرى.

على الناحية الأخرى، أي في مواقع شرق الهند تقيم الصين ميناء حديثا وتسهيلات في ميانمار، الدولة التي كانت في زمن الاستعمار محسوبة دفاعيا على ذمة التاج البريطاني في الهند.

هكذا، وعلى ضوء الوجود العسكري المتطور بمناطق التماس شمال شرقي الهند وفي أراض قريبة من كشمير، يمكن القول إن الصين تبدو وكأنها تسعى إلى تطويق الهند بسلسلة من القواعد والمرافئ والحشود العسكرية تجعل من سعيها للتصدي مستقبلا للزعامة الصينية في آسيا أمرا شديد التعقيد وبالغ الكلفة.

ثالثا: التحول المهم في الإستراتيجية الأمريكاية في آسيا. فبإعلان البنتاغون أن إستراتيجيته الباسيفيكية تمددت لتغطي أقاليم في جنوب آسيا ومنها الهند، صار في حكم المؤكد أن أمريكاا لم تعد تخفي نيتها بذل كل ضغط ممكن يحفز الهند على الانضمام إلى إستراتيجيات الدفاع الأمريكاية في المحيط الهادىء.

بمعنى آخر وكما لمح أحد خبراء الهند، يصبح من واجب الهند كشريك لأمريكاا في منظومة دفاعية واحدة أن تشارك في تحمل مسؤولية الدفاع عن غوام وهاواي والقواعد العسكرية الأمريكاية في كوريا الجنوبية واليابان، والتزام باستقلال تايوان والدفاع عنها في وجه أي محاولة من جانب الصين لاستعادتها إلى أرض الوطن.

أظن أن كثرا لا يتوقعون أن تؤدي الهند هذا الدور في وقت قريب. وهي لن تفلح في الوقت القصير المتاح لها في أن تمنع الصين من احتلال موقع قيادة آسيا، ولكن تأمل الولايات المتحدة بأن تستطيع الهند جعل مهمة الصين الصعود إلى القمة الدولية عام 2049 أكثر صعوبة.

في كل الأحوال يجب أن نتوقع تأثيرا متزايدا من جانب الهند في عدد من شؤون الشرق الأوسط، ليس فقط لأن مستقبلها صار مرتبطا بمستقبل الصين وبصراع القيادة الدولية بشكل أو آخر، ولكن أيضا لأن الهند كتلة سكانية يصعب أن نتخيلها تبقى ساكنة في عالم بدأ يشهد تحركات بشرية ستزداد مع الوقت كثافة وخطورة.

  • جميل مطر - مفكر مصري مهتم بالشؤون الدولية والعولمة والإصلاح، مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل
المصدر | الشروق المصرية