السبت 14 يوليو 2018 03:07 ص

من العناصر الاقتصادية المشتركة التي توحّد معظم الأقطار العربية حاجتها المتجدّدة إلى ضبط موازناتها، وتصويب أوضاع ماليتها العامة، والانتقال نحو تقليل الإنفاق، وتحسين الإيرادات تحت مسمياتٍ عريضة، مثل العقد الاجتماعي، أو الاعتماد الذاتي، أو الخروج من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الرأسمالي، أو التنويع الاقتصادي.

ولكن الملاحظ أن هذا الجهد قد بدأ يصطدم بحواجز خطيرة، وصار يهدّد شرعية بعض الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي، ففي الدول التي حباها الله بالنفط والغاز، تُركت الأمور المالية بيد السلطة الحاكمة، على أساس أنها تتولى رعاية مواطنيها، وتلبي حاجاتهم.

ولذلك لم تفرض ضرائب إلا في حدود النزر اليسير، وفي إطار الضرائب غير المباشرة. واكتفت بعض الدول النفطية بفرض رسوم خدمية على الطعام الجاهز، وعلى المشتقات النفطية، والخدمات الحكومية.

وفي المقابل، منحت الحكومات مواطنيها إعفاءات خاصةً، ودعماً للسلع الرئيسية ومشترياتهم من الماء والكهرباء، ومنحتهم مزايا إسكان وتعليم وتطبيب، تكاد تكون بالمجان.

وقد مضى هذا الاتفاق على أحسن ما يكون، خصوصا بعدما استُثني الوافدون من كل هذه المزايا، وحُصرت في المواطنين.

ولكن لمّا بدأت الموازنات العامة تعاني من العجز، بسبب تراجع مداخيلها وتباطؤ النشاط الاقتصادي، وارتفاع كلف الحرب، الساخنة منها والباردة، اضطرت هذه الدول إلى إعادة التفكير في أسلوب الإنفاق البذخي، والتسامح الضريبي.

ولكن ثار السؤال: طالما أن تأليف قلوب الناس قد قام على معادلة الحكم في مقابل العيش الرغيد، فإن نقض أي طرفٍ لشروط التفاهم غير المعلن سيؤدي حتماً إلى تساؤل الطرف الآخر عن مدى التزامه بذلك التفاهم.

ولذلك، جاء فرج ارتفاع أسعار النفط، ولو مؤقتاً، لإعطاء فرصةٍ للأنظمة الحاكمة لكي تؤخر قراراتها التقشفية والجبائية.

أما في باقي أقطار الوطن العربي، المهدّم منها والمحتاج إلى إعادة البناء، أو الذي نجا من الفتن، لكنه تحت ضغط اقتصادي رهيب، بعدما استنفد كل الوسائل المتاحة لضبط موازنته وزيادة الأعباء على موازنات أسر مواطنيه، فقد واجه احتجاجاتٍ كما جرى في الأردن، وتونس، والمغرب، وإلى حد ما الجزائر ومصر. هذه الدول يجب أن تبدأ بالتفكير في واقعها الصعب.

ثبت بالمعاينة الدقيقة للدول العربية التي اتبعت سياسة مالية متقشفة أن هذه الإجراءات لم تفد كثيراً في تقليل العجز، أو تخفيض المديونية، أو منع التباطؤ الاقتصادي من الاستمرار.

وستبين النتائج قريباً أن ثقة المستثمرين المحليين أو الخارجيين بالاقتصاديات العربية قد تضاءلت. وبالكاد ستحقق أي دولة عربية نمواً سنوياً في ناتجها المحلي يستحق الذكر (ما عدا العراق وقطر وجيبوتي)، وسيكون هذا أقل مما كان عليه عام 2017.

إذن، استنفدت السياسة المالية وسائلها التصحيحية، ولم تحقق أي نتائج تُذكر. إذن، ما الذي يبقى أمامها من وسائل لإعادة دوزنة أوتار اقتصادها؟

لا يبقى أمامها إلا منافذ السياسة النقدية، والسياسة التجارية: وكلا الأمرين أحلاهما مرُّ.

السياسة النقدية تعني استخدام سعر الإقراض أو الإيداع (سواء في المصارف التقليدية أو الإسلامية) من أجل التحكّم في الإنفاق وزيادة الادخار. أو بمعنى آخر، رفع سعر الفائدة، أو زيادة الأرباح التجارية على القروض المقدمة من البنوك الإسلامية.

ولكن هذا الإجراء يعني رفع تكاليف الاستثمار والاستهلاك. وسوف يضر الأول بالمسرِّع (زيادة الدخل عن طريق زيادة الاستثمار) أو بالمضاعف (زيادة الدخل الوطني عن طريق زيادة الاستهلاك). وبدون المسرِّع أو المضاعف أو كليهما سيكون تحقيق أي نمو صعبا.

زيادة كلف التمويل الإنفاقي، العام منه والخاص، لن تسمح للناتج الوطني بالنمو. ولذلك، لن تُحل مشكلة البطالة المستفحلة، خصوصا في صفوف الشباب.

أما وسيلة السياسة النقدية الأخرى (عدا عن سعر الفائدة)، فهي زيادة الكتلة النقدية. وتأتي زيادتها عن طريق طباعة النقود، وهو أمر ينطوي على مخاطر تهدّد الاحتياطات الأجنبية، ويجوز أن تصل إلى النتيجة نفسها، بتخفيض سعر تبادل العملة الوطنية في مقابل الدولار أو الذهب.

ويؤدي هذا الأمر إلى زيادة الأسعار، كما حصل في مصر. ومع أنه إجراء محتوم، إلا أنه ينطوي على تضحيات كبيرة من المواطن المصري.

أما السياسة التجارية، فتعني أن تضييق الخناق على الاستيراد عن طريق التعقيدات الإدارية على المستوردات، أو عن طريق رفع الرسوم الجمركية على السلع والخدمات المستوردة.

وقد يبدو الإجراء مبرّراً هذه الأيام في ظل الحرب التجارية التي تدور رحاها بين الولايات المتحدة من ناحية، وجيرانها في القارة الأميركية، وكذلك مع الدول الأوروبية ودول شرق آسيا من ناحية أخرى.

وفي ظل التراجع الكبير لدور منظمة التجارة العالمية، وضآلة تأثيرها على استمرار العمل بنظام التجارة الحرة في السوق العالمية، فإن هذه الحرب ستفتّ في عضد الاقتصاد الدولي.

ولكن سياسة تقليل الاستيراد ستؤدي إلى نتائج تخفيض العملة نفسها، خصوصا إذا لم تكن لدى الدول المعنية القدرة الاستيعابية على زيادة إنتاجها المحلي.

وقد تبين أن البعثرة الحاصلة في الاقتصاد العربي الكلي، والانكفاء القُطري، وسياسات التشاطر على بعضنا بعضا، وفرض الحصار والمقاطعة بشكل مفتوح أو غير معلن على بعضنا بعضا، سوف يبقي الجميع داخل الحلقة المفرغة، ولم يبق أمامنا حلٌّ إلا أن نتبنى سياسات اقتصادية متفق عليها، إذا أردنا أن نحقق إنجازاً.

إذا لم تتوفر لدينا أي بدائل من أجل إقناع المواطن العربي في أي مكان، وكل مكان داخل هذا الوطن العربي الكبير مترامي الأطراف، بسبب ما نعانيه من تشويش واضطراب، فنحن كلنا أمام معضلات خطيرة.

وفي ظل استخدام الحرب الاقتصادية ضدنا لتمزيق الوطن، وهدر الموارد، وتضييع الفرص، ستعبّر شعوبنا التي سيقع عليها هذا العبء الذي لا يحتمل، عن رأيها سخطاً وغضباً.

* د. جواد العناني خبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني سابقا.

المصدر | العربي الجديد