السبت 28 يوليو 2018 03:07 ص

في تقرير بصيحفة «نيويورك تايمز»، كشف «دافيد كيركباتريك» المدير السابق لمكتب الصحيفة في القاهرة تفاصيل جديدة حول الدعم الأمريكي للانقلاب على الديمقراطية في مصر منتصف عام 2013 وكيف تواطأ المدنيون والعسكريون في إدارة الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما» لإجهاض التطور الديمقراطي في مصر.

وفيما يلي ينشر الخليج الجديد ترجمة متصرفة لتقرير المراسل الأمريكي:

يتباهى الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» أنه عكس السياسات الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وبينما كان سلفه يأمل في كسب القلوب والعقول، يدافع «ترامب» عن البديهية القائلة بأن القوة الوحشية هي الرد الوحيد على التطرف المزعوم، سواء في إيران أو سوريا أو اليمن أو الأراضي الفلسطينية، متبنيا صقور المنطقة المتشددين، في (إسرائيل) والخليج، كمرشدين رئيسيين له وحلفاء.

لكن الحقيقة أن هذا النهج المتشدد قد بدأ في الترسخ تحت حكم الرئيس «باراك أوباما»، عندما دعم نفس هؤلاء الحلفاء الإقليميين الإطاحة العسكرية عام 2013 بأول رئيس منتخب لمصر؛ وهو «محمد مرسي» المنتمي لجماعة «الإخوان المسلمون».

لحظة فاصلة

كان هذا الانقلاب لحظة فاصلة بالنسبة للمنطقة، فقد قضى على أحلام الديمقراطية وشجع نشاط كل من الحكام المستبدين والجهاديين.

عملت السياسة الأمريكية على تمكين هؤلاء المتشددين وفقا لـ«أندرو ميلر»، الذي كان مشرفا على مصر في مجلس الأمن القومي في ظل حكم «أوباما»، والذي يعمل الآن مع مشروع الديموقراطية في الشرق الأوسط. وقد وصل بعض أكثر المدافعين الأمريكيين عن الانقلاب إلى المراتب العليا في إدارة «ترامب»، بما في ذلك وزير الدفاع «جيمس ماتيس» و«مايكل فلين»، أول مستشار للأمن القومي لدى «ترامب».

وقد عملت رئيسا لمكتب «نيويورك تايمز» القاهرة في وقت الانقلاب، وعُدت إلى الأحداث بعد ذلك بسنوات، لفهم دور واشنطن بشكل أفضل حيث علمت أن دعم إدارة «أوباما» لانتفاضات الربيع العربي قد تعرقل منذ البداية بسبب الخلافات الداخلية حول نفس القضايا التي تعرّف الآن سياسة «ترامب»؛ وهي طبيعة التهديد القادم من الإسلام السياسي، ومدى الإخلاص للحلفاء الاستبداديين مثل الإمارات والسعودية، وصعوبة تحقيق التغيير الديمقراطي في مصر والمنطقة.

وكان «أوباما» وأقرب مستشاريه في كثير من الأحيان على جانب واحد من تلك المناقشات حيث كانوا يأملون في تحويل السياسة الأمريكية الراسخة وإقامة علاقة جديدة مع العالم العربي من أجل تقويض نداءات التطرف المعادي للغرب، حتى في الأيام الأخيرة قبل الانقلاب، كان «أوباما» يحث على احترام انتخابات مصر الحرة، وفي مكالمة هاتفية في اللحظة الأخيرة، ناشد «مرسي» أن يقوم بـ«إشارات جريئة» للتشبث بمنصبه.

ومع ذلك، فإن معظم حكومته اتخذت الجانب الآخر، ليعكسوا بموقفهم المخاوف القديمة بشأن الخطر الجوهري للإسلام السياسي والعقبات التي تعترض الديمقراطية المصرية.

وفي اجتماع للبيت الأبيض في اليوم التالي لإقالة «مرسي»، بعد يومين من المكالمة الهاتفية الأخيرة، استسلم «أوباما» إلى تلك الآراء عندما قبل بالانقلاب العسكري، وبقيامه بذلك، اتخذ خطوة أولى نحو السياسات التي أصبحت المبادئ الجوهرية لإدارة «ترامب».

رهاب الإسلام السياسي

تولى الرئيس «مرسي»، وهو قيادي في جماعة «الإخوان المسلمون»، منصبه في 30 يونيو /حزيران 2012، وأنفق الكثير من طاقته مكافحا المقاومة الناشئة من مؤسسات راسخة شملت الجيش والشرطة والقضاة والبيروقراطيين الذين رسخوا في مكانهم عبر 6 عقود من الاستبداد.

لكنه كان سياسيا غير كفء وقد ارتكب أخطاءه أيضا، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2012، أعلن «مرسي» أن قراراته الخاصة ستكون فوق المراجعة القضائية وكان كثير من المصريين، خاصة في القاهرة، غاضبين من الرئيس الجديد لعدم وفائه بوعود انتفاضة ميدان التحرير.

وقامت كل من السعودية والإمارات، التي يخشى حكامها من الانتخابات ويفزعون أكثر من الإسلاميين، بالضغط بقوة لإقناع واشنطن بأن «مرسي» و«الإخوان المسلمون» يشكلون تهديدا للمصالح الأمريكية، وخلص مسؤولون أمريكيون في وقت لاحق إلى أن الإمارات كانت تقدم دعما ماليا سريا للاحتجاجات ضد «مرسي».

وتقدم الولايات المتحدة 1.3 مليارات دولار سنويا كمساعدات عسكرية لمصر، وبعد الانتفاضة في عام 2011 تفاخر البنتاغون بأن مساعدته ساعدت في إقناع الجنرالات المصريين بقبول الانتقال إلى الديمقراطية، لكن بحلول ربيع عام 2013، كانت المحادثات بين الضباط العسكريين المصريين ونظرائهم الأمريكيين عبارة عن «جلسات سرية» متبادلة حول «مرسي»، كما أخبرني العديد من الأمريكيين المتورطين فيما بعد.

وكغيره من الأشخاص في البنتاغون، غالبا ما جادل «ماتيس»، وهو جنرال في المارينز مسؤول عن القيادة المركزية، بأن جماعة «الإخوان المسلمون» كانت مجرد ظل مختلف لتنظيم «القاعدة»، على الرغم من أن «الإخوان» قالوا منذ عقود أنهم يعارضون العنف ويفضلون الانتخابات، في حين أن «القاعدة»، بدورها، نددت بـ«الإخوان» باعتبارها جماعة ساذجة تتعرض للاستغلال من الغرب.

وقال «ماتيس» في خطاب لاحق له: «كلهم يسبحون في البحر نفسه» وألقى باللائمة في سقوط «مرسي» على «قيادته المستبدة».

وكان الجنرال «فلين»، الذي اعترف منذ ذلك الحين بأنه مذنب بالكذب على المحققين الفيدراليين بموجب اتفاق مع المدعي الخاص، يرأس وكالة الاستخبارات العسكرية في ذلك الوقت، وقد زار القاهرة في الأشهر التي سبقت الانقلاب للتحدث مع الجنرالات عن «مرسي»، وقد أخبرني في 2016: «سواء كان الإخوان أو تنظيم القاعدة، كلهم نفس الأيديولوجية».

كان المدنيون في الحكومة متشككين أيضا، وكان وزير الخارجية «جون كيري» قد اقترب من العديد من أفراد العائلة المالكة الخليجيين الأكثر شراسة في معاداة الإسلاميين خلال العقود التي قضاها في مجلس الشيوخ، حتى إنه في بعض الأحيان كان يبحر معهم على اليخت، وكان دائما لا يثق في «الإخوان»، كما قال لي بعد سنوات، وعندما زار القاهرة للمرة الأولى كوزير للخارجية في مارس/آذار 2013 ، شعر بكره فوري نحو «مرسي».

وقال «كيري» لرئيس الأركان أثناء مغادرتهم القصر الرئاسي: «إنه أغبى من قابلته في حياتي، هذا لن ينجح، هؤلاء الرجال مجانين».

لكن «كيري» انسجم بشكل أفضل في اجتماعه الشخصي مع الجنرال «عبدالفتاح السيسي»، وكان «السيسي» يشغل وظيفة وزير الدفاع في أعقاب تغيير كبير قبل أشهر من ذلك الحين، بعد أن كان رئيس المخابرات العسكرية.

وقال «السيسي» لـ«كيري»: «لن أسمح بضياع البلاد»، وكان «السيسي» مستعدا للتدخل ضد «مرسي»، مما جعل «كيري» يشعر بالاطمئنان «أن مصر لن تقع في حرب أهلية أو مذبحة كاملة للشعب أو انفجار داخلي» حسب وصفه، لكنه في الوقت ذاته، لم يشعر أن المشاكل كلها ستحل.

وقد أخبرني دبلوماسيون أمريكيون كبار في القاهرة في مارس/أذار أن تدخل الجيش كان «غير محتمل بشكل غير عادي»، ولكن بحلول الشهر التالي، كانت السفيرة «آن باترسون» تستقبل إشارات أخرى من كبار الجنرالات، وفي رسالة بريد إلكتروني مشفرة، فإنها حذرت المسؤولين في البيت الأبيض من أنه «رغم أن التدخل ليس على وشك الحدوث الآن، فإن الانقلاب يظل احتمالا كبيرا في غضون بضعة أشهر»، كما أخبرني أحد المسؤولين، وتوقعت أن أي تدخل عسكري سيكون بالتأكيد قاسيا.

وكان البيت الأبيض يرسل لوزير الدفاع «تشاك هيغل» تحذيرات لإبلاغها للجنرال «السيسي» بأن واشنطن ستعاقب على الانقلاب، حيث يفرض قانون الولايات المتحدة قطع المساعدات عن أي جيش ينقلب على زعيم منتخب.

لكن الرسالة التي أوصلها «هيغل» كانت «مختلفة تماما، تماما»، كما قال لي أحد كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي الذي قرأ نصوص المكالمات في وقت لاحق، وأردف قائلا: «أراد البيت الأبيض أن تكون الرسالة: الديمقراطية مهمة»، لكن «هيغل» أرادها أن تكون «نريد أن تكون لدينا علاقة جيدة، لم نتمكن أبدا من إقناعه بتقديم نقاط حوار صارمة».

في مقابلة في أوائل عام 2016، أخبرني «هيغل» أنه كان محاصرا بشكاوى حول «مرسي» من (إسرائيل) والسعودية والإمارات، وقال «هيغل» إن ولي عهد أبوظبي «محمد بن زايد آل نهيان»، الحاكم الفعلي للبلاد والقائد العسكري، قد وصف جماعة «الإخوان المسلمون» بأنها «العنصر الأكثر خطورة في الشرق الأوسط اليوم».

وقال القادة الإسرائيليون إنهم يعتمدون على الجنرال «السيسي» لأنهم قلقون من أن «الإخوان المسلمون» قد يهددون الحدود أو يساعدون «حماس» على الرغم من تعهدات «مرسي» المتكررة.

ويقول «هيغل» إنه اتفق معهم جميعا وسعى إلى طمأنتهم، حيث قال للإماراتيين إن «الإخوان المسلمون خطيرون، ونحن نعترف بذلك»، وقال لـ«السيسي»: «أنا لا أعيش في القاهرة، أما أنت فتفعل، عليك حماية أمنك وحماية بلدك».

من قبول الانقلاب إلى دعمه

في 30 يونيو/حزيران، خرج المتظاهرون إلى الشوارع في جميع أنحاء مصر للمطالبة بالإطاحة بـ«مرسي»، وفي اليوم التالي، قامت الطائرات المصرية برسم قلوب في السماء فوق وسط القاهرة، وكان واضحا أن الجنرالات يدعمون الاحتجاجات علانية.

كان الرئيس «أوباما» آنذاك مسافرا في أفريقيا، وتحدث في 1 يوليو/تموز للمرة الأخيرة مع الرئيس «مرسي»، وأكد أن الجيش المصري لم يكن يتلق توجيهات من الولايات المتحدة، بحسب تسجيل مفصل للمحادثات من أحد المساعدين في البيت الأبيض، لكنه حث «مرسي» بشكل رئيسي على التوصل إلى حل وسط مع خصومه المدنيين.

وقال «أوباما» الذي كان يزور «نيلسون مانديلا» في مرضه «اتبع خطى نيلسون مانديلا الذي وضع سجانه السابق مسؤولا عن الأجهزة الأمنية، وبسبب تلك الإشارات أظهر أنه يستطيع توحيد البلاد، كن جريئا التاريخ في انتظارك»، ولكن الأوان كان قد فات آنذاك.

كان الحرس الرئاسي العسكري قد نقل «مرسي» إلى قاعدته الخاصة، ظاهريا من أجل سلامته، وبعد يومين، في 3 يوليو/تموز 2013، أعلن الجنرال «السيسي» عزل «مرسي».

وأخبرني «كيري» أنه جادل في البيت الأبيض بأن الإطاحة بـ«مرسي» لم تكن انقلابا عسكريا.

وقال «كيري» إن الجنرال «السيسي» رضخ فقط لإرادة الشعب لإنقاذ مصر، مشيرا إلى أن الجنرال قد أعلن عن خطة لإجراء انتخابات جديدة (تم انتخاب السيسي رئيسا في العام التالي ومرة ​​أخرى في عام 2018، وفي كل مرة حصل فيها على أكثر من 95% من الأصوات).

وقال «كيري» متسائلا: «ما هو البديل في مصر؟ أنفقنا ما يصل إلى 80 مليار على مصر على مدى السنوات الماضية، وفي معظم الأحيان كان هذا هو نوع الحكومة التي كانت تحكمهم، والواقع هو أنه بغض النظر عن تمنياتي لو كانت الأمور مختلفة أن ذلك لن يختلف في المستقبل».

وقرر الرئيس «أوباما» عدم اتخاذ أي قرار حول ما إذا كان إبعاد «مرسي» انقلابا أم لم يكن، وقبِل الانقلاب بشكل ضمني.

وقال لي «بن رودس»، نائب مستشار الأمن القومي لـ«أوباما» لاحقا: «إن الأشخاص الذين أرادوا إقامة علاقة مختلفة مع الشعب المصري، بما في ذلك الرئيس، كانوا على جزيرة معزولة في حكومتنا، كان هناك شعور بالحتمية إزاء استئناف السيطرة العسكرية».

سحق الجيش المصري معارضي الانقلاب بسلسلة من عمليات إطلاق النار الجماعية، والتي بلغت ذروتها في 14 أغسطس/آب 2013، ما أدى إلى مقتل ما يصل إلى 1000 شخص، وخلصت «هيومن رايتس ووتش» إلى أنها كانت أكبر مذبحة في يوم واحد في التاريخ الحديث، وتجاوزت مجزرة ميدان تيانانمن في الصين عام 1989.

وسرعان ما وسّعت الشرطة المصرية حملتها لقمع المنظمين الليبراليين واليساريين والنسويين والمسيحيين المستقلين، وأثارت ردة الفعل العكسية ضد الانقلاب تمردا متطرفا يتركز في شمال سيناء ويستمر حتى اليوم.

وقد أشاد «ترامب» ومستشاروه بـ«السيسي» باعتباره زعيما عربيا نموذجيا، ولم يعد «ماتيس» يرى أن القيادة المستبدة تمثل مشكلة في مصر، ففي محاضرة عامة قبل أن يصبح وزير دفاع «ترامب»، احتفى بمحاولة «السيسي»، «إصلاح الدين الإسلامي» وخلص إلى أن «الوقت قد حان بالنسبة لنا لدعمه».

وأضاف: «الطريقة الوحيدة لدعم نضوج مصر كدولة ذات مجتمع مدني وديمقراطية تكمن في دعم الرئيس السيسي».