الثلاثاء 31 يوليو 2018 08:07 ص

خلال عطلة نهاية الأسبوع، حكمت محكمة في مصر على 75 شخصا بالإعدام، وكان المدعى عليهم من بين أكثر من 700 شخص متهمين أو سبق أن أدينوا بأداء أدوار في احتجاجات عام 2013 ضد الإطاحة بالرئيس «محمد مرسي».

ومن بين هؤلاء أعضاء بارزون في جماعة «الإخوان المسلمون»، وحزب «مرسي»، و«الجماعة الإسلامية» المحظورة الآن، وكان «مرسي» قد فاز بالسلطة بعد الثورة المؤيدة للديمقراطية في مصر عام 2011، قبل الإطاحة به بعد احتجاجات وانقلاب عسكري بعد ذلك بعامين.

وقد استولى وزير الدفاع «عبدالفتاح السيسي» على منصب «مرسي»، حيث أصبح رئيس الجمهورية، ثم قاد ثورة مضادة بعيدة المدى في الأعوام التي تلت ذلك، إلى حد كبير بمباركة الغرب والحلفاء العرب الأثرياء.

ولم يقم نظام «السيسي» بقمع الإسلاميين فحسب، بل أيضا شريحة واسعة من المجتمع المدني المصري، بما في ذلك الصحفيون والسياسيون المعارضون ووكالات الإغاثة والمنظمات غير الحكومية.

وتقول جماعات حقوق الإنسان إن المحاكمة الجماعية تمثل توضيحا قاتما آخر للمدى الذي يستعد «السيسي» الذهاب فيه.

وقالت «نايجا بونيم»، من منظمة «العفو الدولية»، في بيان: «لا يمكن وصف ذلك إلا بأنه محاكاة ساخرة للعدالة، إنه يلقي بظلال قاتمة على سلامة نظام العدالة في مصر بأكمله، ويجعل من الإجراءات القانونية الواجبة محط سخرية».

وتبدو إدارة «ترامب» أقل انزعاجا، ففي الأسبوع الماضي، أفرجت عن 195 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر، وهي أموال كان قد تم حجبها من قبل وزارة الخارجية بسبب مخاوف محددة بشأن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان تحت إدارة «السيسي».

وتواصل القاهرة احتجاز آلاف الأشخاص لأسباب مريبة، وهدم منازل القرويين الأبرياء في سيناء كجزء من مكافحة التمرد العنيف، وإسكات حتى النقاد المعتدلين.

لكن الجهود التي بذلتها لمعالجة الاعتراضات الأمريكية تبدو مستحبة لوزير الخارجية الحالي «مايك بومبيو».

وقدمت الولايات المتحدة لمصر أكثر من 47 مليار دولار من المساعدات العسكرية، و24 مليار دولار مساعدات اقتصادية، على مدى العقود الأربعة الماضية، وهي حقبة شهدت الرئاسة الاستبدادية لـ«حسني مبارك» في معظمها.

وتعزز أحدث خطواتها الرسالة التي تقول إن واشنطن تثمن خنق «السيسي» للإسلام السياسي، وزيادة التعاون مع (إسرائيل)، وفي المقابل لا تعير الكثير من الاهتمام للمثل الديمقراطية التي دافع عنها أجيال من الرؤساء الأمريكيين.

وقالت «ميشيل دن»، وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخارجية الأمريكية، وتشارك في مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي في واشنطن، لصحيفة «وول ستريت جورنال»: «إنها إشارة تقول لا تعر أي شيء نقوله في المستقبل اهتماما».

وصحيح أن التظاهر قد انتهى في عهد الرئيس «ترامب»، الذي لم يخف إعجابه بالرجال ذوي القبضة الحديدية الذين يبقون الإسلاميين والمعارضين في حالة من الاحتواء، لكنه ليس وحده.

فقد نظرت مجموعة من الحزبين والمسؤولين في واشنطن بتشكك في جدوى الديمقراطية المتقلبة في مصر، واعتبروا جماعة «الإخوان المسلمون» المنتخبة شعبيا بمثابة خطر كامن.

وقد ترددت مخاوفهم وتضخمت من قبل الحلفاء في دول الخليج العربي، الذين يرون في الإسلام السياسي، ليس فقط مصدرا للتطرف الجهادي، وإنما أيضا تهديد لنظمهم الملكية.

ويلقي كتاب قادم لـ«ديفيد كيركباتريك»، مدير مكتب نيويورك السابق في «نيويورك تايمز»، الضوء على دور إدارة «أوباما» في تمكين تولي «السيسي» السلطة، وإعادة تأكيد الحكم الاستبدادي.

وكتب «كيركباتريك» في مقال مقتطف لصحيفة «نيويورك تايمز»: «كان هذا الانقلاب لحظة فاصلة بالنسبة للمنطقة، حيث ألغى الأحلام بالديمقراطية، بينما شجع كلا من الحكام المستبدين والجهاديين».

وقال «أندرو ميلر»، الذي أشرف على مصر في مجلس الأمن القومي في ظل إدارة «أوباما»: «لقد عملت السياسة الأمريكية أيضا على تمكين أولئك داخل الإدارة الذين يقولون إنه عليك فقط سحق هؤلاء الأشخاص.

وتولى المناصرون الأمريكيون للاستبداد أدوارا عليا في إدارة «ترامب»، بما في ذلك وزير الدفاع «جيمس ماتيس» و«مايكل فلين»، مستشار الأمن القومي الأول لترامب».

ويشير «كيركباتريك» إلى خلافات داخلية بين البيت الأبيض لـ«أوباما»، الذي كان مليئا بالمثاليين الليبراليين الذين يميلون إلى احتضان الثورات المؤيدة للديمقراطية في الربيع العربي، والقيادة العليا في وزارة الخارجية والبنتاغون، الذين كانوا أكثر حذرا.

ووفقا لروايته وغيرها من الروايات الأخيرة، عمل وزير الخارجية السابق «جون كيري»، ووزير الدفاع السابق «تشاك هاغل»، على تطبيع الوضع الراهن الجديد بإدارة «السيسي».

وحتى ذبح المئات من أنصار «مرسي» والحكومة المنتخبة في ميادين الاحتجاجات، في أغسطس/آب 2013، لم يكن يمكنه عرقلة هذه الجهود لفترة طويلة.

ويُنظر إلى مذبحة رابعة الشهيرة على أنها أعنف حملة دموية منذ أحداث ساحة «تيانانمن» عام 1989، وقد أدى ذلك إلى وقف مبيعات بعض المعدات العسكرية الأمريكية لمصر، وتعليق قصير للمساعدات.

لكن واشنطن عادت في النهاية إلى العمل كالمعتاد، وقال «كيري»، الذي لا يكره «مرسي» شخصيا، في وقت لاحق لـ«كيركباتريك»: «في مصر، ما هو البديل؟ فبطبيعة الحال لم تكن هناك ديمقراطية جيفرسون، وقد وضعنا نحو 80 مليار دولار في مصر طوال تلك الأعوام، وفي معظم الأوقات، كان هذا هو نوع الحكومة التي يمتلكونها، تقريبا طوال الوقت، والواقع هو، بغض النظر عن مدى تمنياتي لو كان الأمر مختلفا، فلن يكون الأمر مختلفا في النهاية».

ولم يكن البيت الأبيض ملتزما بدعم «الإخوان المسلمون»، بغض النظر عن نواياها الديمقراطية، فقد جعلوا محللي واشنطن غير مرتاحين، وأثاروا غضب الحلفاء التقليديين في المنطقة.

وقال «بن رودز»، نائب مستشار الأمن القومي أيام «أوباما»، لـ«كيركباتريك»: «كان الأشخاص الذين أرادوا إقامة علاقة مختلفة مع الشعب المصري، بما في ذلك الرئيس، قلقين، لقد كان هناك شعور بحتمية استئناف السيطرة العسكرية».

وقد تحول هذا الإحساس إلى ارتياح تحت إدارة «ترامب»، الذي وصف «السيسي» بأنه «رجل رائع»، ولكن هناك خطر من أن الدورة الحالية ستخلق فوضى جديدة.

وقال «بريان دولي»، من منظمة «هيومان رايتس فيرست»، وهي مجموعة أمريكية مناصرة لحقوق الإنسان، للصحيفة: «القمع يولد الاستياء، وفي بعض الأحيان التطرف، وسوف يؤدي هذا في النهاية إلى زعزعة استقرار مصر، وتقويض المصالح الأمريكية».

المصدر | واشنطن بوست