السبت 18 أغسطس 2018 03:08 ص

المفَخِّخُون والمفَخَّخون  

 

بقلم: محمد أبورمان

عادت العمليات الإرهابية لتضرب الأردن مجدّداً، لكن هذه المرّة باحترافية أكبر، مقارنةً بالمراحل السابقة (باستثناء تفجيرات فنادق عمان 2005، التي كانت إرهاباً عابراً للحدود بتخطيط وتنفيذ خارجي).

فقد وضعت خلية جهادية عبوة ناسفة أسفل سيارة للأمن بالقرب من مهرجان الفحيص، ثم باغت أحد أعضاء الخلية القوات الأمنية التي حاصرت منزله في السلط بتفخيخ المنزل، وتفجيره ما أدى إلى استشهاد أربعة من رتب مكافحة الإرهاب وإصابة أكثر من عشرين.

خلال العام الماضي (2017)، توقفت العمليات الإرهابية في الأردن (وإن كانت دائرة المخابرات العامة أعلنت عن القبض على خليتين من قرابة 40 شخصاً من مدينة واحدة، الرصيفة)، مقارنة بالعام السابق (2016)، الذي شهد عمليات ومواجهات عديدة غير مسبوقة بين أتباع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والقوات الأمنية، ما أدى إلى استشهاد عشرات من رجال الأمن وإصابة آخرين.

من قام بتلك العمليات (2016)، بالإضافة إلى العمليات الجديدة (2018) شبابٌ جهاديون داعشيون أردنيون، بمعنى أنّها محليةٌ بامتياز، وأن لبعضها صلات تنسيق مع "داعش"، ولكن دور "داعش" اقتصر على المباركة والتأييد والتبنّي، ما يعني أنّ الخطر الداخلي هو أكبر وأشد فتكاً من الخطر الخارجي.

ليس ذلك فحسب، خلصت دراسة قمنا بها بمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وصدرت في كتاب بعنوان "سوسيولوجيا التطرف والإرهاب" (قبل شهور شاركني في تأليفه مدير مركز الدراسات الاستراتيجي موسى شتيوي، المتخصص في علم الاجتماع، وفريق عمل من المركز قام بتحليل البيانات) إلى أنّ التيار الجهادي في الأردن، المؤيد لتنظيم داعش (هنالك تيار مؤيد لجبهة النصرة والقاعدة) تضاعف حجمه خلال الأعوام الماضية.

وتحوّلت طبيعته من الحالة الفردية الذكورية إلى الحالة الأسرية، وبرزت ظواهر جديدة منها "الأشقاء والشقيقات الجهاديون"، "النساء الجهاديات"، "الأحداث الجهاديون".

كما أنّ هذا التيار أصبح أكثر عدائيةً وشراسةً مع قوات الأمن والجيش، ولديهم فتوى من قياداتهم بعدم القبول بتسليم أنفسهم، ما يفسّر المواجهات خلال عمليات الاعتقال في الأعوام الأخيرة.

لماذا يصبحون متطرّفين وإرهابيين؟ سؤال مهم وحيوي، لكن الإجابة عليه مركّبة، ليست بسيطة، وجدلية، من خلال دراساتنا ومراجعة الدراسات الأخرى.

لكن بالتأكيد هنالك كلمات مفتاحية، أبرزها الشباب المحبط المهمّش، الطاقات السلبية المتولّدة عن غياب المؤسسات والأطر التي يمكن أن توظف الشباب في الإطار الصحيح، عجز الدول العربية وفشل الأنظمة عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مثل ما حدث في العراق وسورية من تدمير وقتل لملايين المدنيين، سياسات الهوية الطائفية والدينية والأيديولوجية التي تؤدي إلى ردود فعل عنيفة..

صحيحٌ أنّ هذه الحركات والأفراد الذين ينتمون إليها عدميون بدرجة كبيرة، بمعنى أنّ أهدافهم ووسائلهم (التي تستعين بالمفخّخات) لا تؤدي إلاّ إلى كوارث.

لكن، في المقابل، فإنّ من فخّخ المجتمعات العربية، وحياة هؤلاء الشباب، وقادهم إلى الطرق المعوجّة والخاطئة والخطيرة، هي الأنظمة العربية والحكومات التي فشلت في بناء مجتمعاتٍ فيها قيم الحرية والعدالة والديمقراطية وفرص العمل.

فكانت النتيجة محبطين، خائبين، يبحثون عن مخرج من الواقع، لكنّه مخرج كارثي ودموي وانتحاري!

مرّة أخرى، نهاية "دولة داعش" لا تعني بأي حال موت هذا التيار ونهاية هذا الفكر، لأنّنا نعيش في مجتمعاتٍ مفخّخة بالكامل، والمفخَّخون الداعشيون هم نتيجة لزراعة الألغام والعبوات الناسفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مجتمعاتنا، وهي المفخّخات الأخطر.

عند ذلك يبدو السؤال الموضوعي والمنطقي والحقيقي: من فخّخ من؟ ومن نشر "العدمية" و"الإحباط" في جيل الشباب العربي الذي أصبح صيداً سهلاً متاحاً بسهولة.

لا تستغرق عملية تحويله إلى "مفخَّخ" أكثر من شهور قليلة من التنظيم، الذي هو نفسه ابن شرعي لهذا الواقع المتردّي، وإذا كان يعتمد المُفَخَخّات والانتحاريين، فليس ذلك بعيداً عن سياسات انتحارية رسمية، حكمت الدول العربية خلال العقود الماضية، ولا تزال!

* د. محمد ابورمان كاتب أردني باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية.

المصدر | العربي الجديد