الثلاثاء 21 أغسطس 2018 04:08 ص

الضحية الأولى للحرب التجارية التي أعلنها "دونالد ترامب" على العالم، أم التحدي الأول لسياسة العنت والتهور التي ينتهجها هذا الرئيس الأمريكي؟

وجدت تركيا نفسها في مواجهة لم تردها مع الدولة العظمى، التي كانت حتى قبل بضعة أعوام حليفها الدولي الأبرز.

ورغم أن حاجة كل من الدولتين إلى الأخرى لا تزال قائمة، وأن من أولى مقومات التحالف أو الشراكة عدم إساءة أي من الشريكين إلى الآخر، فإن «الأخ الأكبر» الأمريكي أثبت أنه لم يعد معتدّاً بهذه التسمية الشائعة عنه، بل يتماثل أكثر مع نسخة "جورج أورويل" لـ«الأخ الأكبر»، المستبد الشمولي.

ذاك أن عدوانيته لا تقتصر على تركيا، بل تنسحب على الحلفاء الأوروبيين والجيران الأمريكيين، ومن يعتبرون أنفسهم أصدقاء من عرب وغيرهم. واللافت أنه لا يستثني سوى (إسرائيل) من «بنك الأهداف» التي يصوّب عليها.

ومع أن أي دولة عاقلة لا تسمح لنفسها بمقارعة أمريكا، فإن "ترامب" لم يترك لـ"رجب طيب أردوغان" أي خيار آخر غير المواجهة، خصوصاً أن لائحة الخلافات مع الإدارتين الأخيرتين -وبعض منها بالغ الخطورة- راحت تطول وتتوسع:

- خذلان أنقرة أمريكياً وأطلسياً في المسألة السورية وتركها وحدها بعد دفعها إلى سيناريو المواجهة مع نظام "بشار الأسد" وحلفائه الإيرانيين ثم الروس بعد تدخّلهم المباشر.

- اتهامها بدعم الإرهاب في بداية انتشار تنظيم «الدولة» ومن ثم وضع شروط على مشاركتها في محاربة الإرهاب.

- افتعال العقبات أمام مد نفوذها شمالي سوريا.

- تسليح حزب العمال الكردستاني المصنف أمريكياً كمنظمة إرهابية فضلاً عن السكوت على عملياته الدموية داخل تركيا.

- وصولاً إلى الضربة الأهم التي تمثلت في المحاولة الانقلابية منتصف يوليو(تموز) 2016.

مع ذلك، اعتبرت أنقرة أن منطق التحالف سيتغلب في النهاية، وأنه كفيل بحل الإشكالات، مهما تعقدت.

في كل المحطات الصعبة، ومع كل محاولة لتفكيك الخلافات، كانت تركيا تُضطر إلى تحذير الأمريكيين بأن «شراكتنا في خطر»؛ كي تستحثهم على تليين مواقفهم، كان بإمكان الولايات المتحدة -لو أرادت إثبات حسن النية والحرص على «الشراكة»- أن تطمئن أنقرة بشأن هواجسها، لكنها لم تفعل.

بذلت تركيا جهداً خارقاً لانتزاع إقرار أمريكي بوقف تسليح الأكراد، ومع ذلك بقي الأمر عائماً ولم تتعامل واشنطن بمنحى استراتيجي مع الخطر الكردي على وحدة تركيا واستقرارها.

وحين باشرت أنقرة تطبيع علاقتها مع موسكو -بعد أزمة قاسية عقبت إسقاط طائرة «سوخوي 24»- راحت واشنطن تبدي ارتياباً من تقارب الدولتين، لكنها في الوقت نفسه لم تهتم بتبديد شكوك أنقرة بالنسبة إلى تورّط أمريكي في المحاولة الانقلابية.

والأسوأ أن إصرارها الفظّ على إطلاق القس الإنجيلي "أندرو برونسون" لم تقابله أي إيجابية في التعامل مع ملف الاتهامات التركية للداعية "فتح الله كولن"، رغم أن القضيتين مرتبطتان.

لم يكن "أردوغان" يرتجل حين تحدّث، بعد تفجّر الأزمة أخيراً، عن حلفاء جدد وشراكات جديدة وأسواق جديدة. لعله، وهو الذي يعاين تراجع العلاقة مع أمريكا منذ أعوام، لم يُفاجأ بالضغوط على العملة التركية المستمرة منذ شهور، ولا بمضاعفة الرسوم الجمركية على الصادرات التركية، ولا بالمماطلة في الصفقات العسكرية.

بل استشعرها كرسائل أمريكية متعمّدة للضغط عليه من أجل تغيير سياساته. لذلك، بادر إلى التلويح بالبدائل؛ ففي حال كهذه لا يمكنه الرضوخ، حتى مع يقينه بأن المواجهة ستكون طويلة ومؤلمة.

- عبدالوهاب بدرخان، كاتب صحفي لبناني.