السبت 25 أغسطس 2018 03:08 ص

بملابس ملطخة بدماء المواشي، ويد تحمل سكّينا كبيرا، يقف المصري ياسر صديق (40 عاما)، على مدخل مذبحه وسط القاهرة، منادياً: "تعال (أقدم عليّ)، فاكهة لسة (للتو) جاية (طازجة).

ففي شارع "المذبح" وسط العاصمة القاهرة، ومع قرب عيد الأضحى، تطل رؤوس المواشي المذبوحة ومنزوعة الجلد، إلى جانب الأمعاء المعلقة بشكل يلفت نظر مرتادي الشارع.

في مناداته، يصف "صديق" أمعاء المواشي ورؤوسها، مجازيا بالفاكهة، كما أن المصريين يسمونها "حلويات اللحوم"، ويحرصون على شرائها قبيل عيد الأضحي، لتكون وجبة رئيسة على مائدة يوم عرفة، وصباح العيد.

أمام محل "صديق" الذي يعمل في ذبح المواشي وبيعها، تنتشر أكوام من قطع الأمعاء، وبجوارها عددا من القصابين، يضربون رؤس ماشية لا يزال الجلد عالقا فيها.

ومن خلف المشهد اثنان من صغار العمال ينظفون سيقان حيوان عليها أثار دم، في مشهد يبدو للغرباء مرعبا، إلا أنه مألوفا لقاصدي المذبح، كما يقول.

فاكهة للجميع

وعلى طرف أحد البنايات القديمة بشارع المذبح التابع لحي السيدة زينب، يتخذ "عبدالمنعم فراج" (50 عاما) الذي يعمل موظفا بقطاع الضرائب، لنفسه موقعا مميزا، ليراقب أحد الجزارين وهي يعبئ له بعض أمعاء الماشية والخراف في كيس بلاستيك.

اعتاد "فراج" المجئ إلى المذبح الذي كان يعرف قديما بـ"السلخانة"، قبل دخول عيد الأضحي بأيام لشراء ما يحتاجه من "طحال وفشة (الرئة) ولحم الرأس".

ويقطع المواطن المصري الذي يسكن في منطقة الجيزة (غرب العاصمة)، حوالي 45 دقيقة بين وسائل مواصلات مختلفة، لشراء ما يلزمه.

ويقول "فراج" إن أسرته المكونة من 5 أفراد، لا تقبل بغير الطحال ولحم الرأس في وجبة إفطار يوم عرفة.

واعتاد على شراء 7 قطع من الطحال، تباع كل منها مقابل 8 جنيهات (أقل من نصف دولار أمريكي)، و3 كيلوا جرامات من لحم الرأس (35 جنيها للكيلو الواحد/دولاران تقريبا).

ويشير إلى أن "هذه اللحوم أقل في السعر من اللحوم البلدية حيث وصل الكيلو فيها لـ130 جنيها (7.5 دولار) وأن أسرته تحتاج في العيد لـ3 كليو وهو ما لا يقدر عليه".

على الطرف الثاني من الطريق، يجلس "سيد كحله" (كنيته) الذي يعمل منذ 30 عاما في بيع الأمعاء، ومن أمامه علقت ألسنة الماشية، ورؤس الأغنام.

ويقول كحلة للأناضول، إن هذه المنتجات جميعها تأتي من المذابح الحكومية، مؤكدا أن أكثر السلع رواجا هذا العام هي الممبار (أمعاء).

وما إن انتهي من تجهيز طلب أحد زبائنه، التفت وقال: "السوق هذا العام ليس به أي حركة مقارنة بالأعوام السابقة، بسبب ارتفاع الأسعار، والتي زادت الضعف تقريبا، مؤكدا أن العرض هذا العام أكثر من الطلب بكثير".

ويبيع الجزار المصري رأس الخروف بـ20 جنيها (1.1 دولار) وكرش الماعز بـ10 جنيهات (نحو نصف دولار).

وتختلف زبائن "كحلة" حسب فئاتهم الاجتماعية، فالأغنياء يشترون الكبد والطحال، بينما يذهب الأقل دخلا، للكرش ولحم الرأس.

ويقول إن بعض الناس يشترى هذه المنتجات يوم الوقفة، وآخرين يقضون بها عيدهم لأن الحالة الاجتماعية لا تتحمل شراء اللحوم.

الإقبال يقيده الغلاء

وفي مصر يعيش نحو 5.3% من السكان تحت خط الفقر المدقع، أي 4.7 مليون مواطن ويبلغ متوسط دخل الفرد في هذه الفئة 322 جنيها شهريا (نحو 18 دولارا)، لتصل نسبة الفقراء إجمالا لـ27.8% في 2015، وفق إحصاء للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء صادر في 2016.

وعنهم تقول "نادية سعدون"، بائعة أمعاء، تجلس على مدخل منطقة المذبح، وأمامها طاولة فردت عليها أمعاء خراف، وطحال ضأن، إن من كان يشترى في العام الماضي 5 كيلو جرام، بات لا يأخذ إلا كيلو ونصف الكيلو فقط.

وبابتسامة مصطعنة تضيف السيدة الخمسينية، أنها تعمل في هذه المهنة في الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة من كل عام، بينما بقية السنة تجلس في بيتها.

وتسعي المرأة من خلال هذا العمل، الذي اضطرت إليه منذ 4 سنوات فقط، بسبب حاجتها للمال، إلى توفير مستلزماتها ومساعدة أبنائها في توفير متطلبات العيد، حسب قولها.

وعلى الطرف من طاولة السيدة نادية، يقف "مدحت الصفاني" (35 عاما)، والذي يعمل بأجر يومي، إذ يقول للأناضول إن "العيد لا يمكن أن يمر بدون طحال، حيث تطبخه زوجتني لأتناوله مع طفليَّ في وجبة الإفطار صباح يوم العيد".

 تحذيرات

لكن الدكتور "مجدي نزيه"، رئيس وحدة التثقيف الغذائي بالمعهد القومي للتغذية (حكومي) يحذر من هذه الأطعمة، ويؤكد أنها خالية من الفائدة الصحية بل إنها مضرة، خاصة لمرضى الكوليسترول والالتهابات الكبدية.

"نزيه" يقول إن أمعاء الحيوانات مجرد مواد دهنية ترفع معدلات الكولسترول في الدم، وطبقات من الألياف الجلدية، التي يصعب هضمها.

وحذر من فرط تناولها، مؤكدا أن الحديث عن زيادة وجبة "الكوارع" معدلات الذكورة "مجرد كذبة".

ويشير إلى أن الصنف الوحيد الذي يوجد به فائدة من بين هذه الأطعمة هي الكبد.

ونوّه إلى أن هناك أربع شروط للتأكد من سلامة الكبد: "أن يكون لونه أحمر مائل للبني، ولامع أملس، وخالٍ من الخصلات الدهينة، أو البقع".

ويتابع: "يلي هذه الأطعمة الفشة (الرئة) التي تحتوى على البروتين، أما الباقي يتكون من دهون وألياف جلدية".

المصدر | الأناضول