الأحد 26 أغسطس 2018 02:08 ص

ما هو عمر العنف في العراق؟ لا اتحدث هنا عن عراق سومر وامبراطوريات بابل وآشور، وبني العباس، بل العراق الحديث، عراق تأسيس الدولة.

كيف نعَرف العنف ونصنف ضحاياه اذا اردنا تأسيس هيئة للحقيقة ورد الاعتبار؟ هل هو عنف الدولة ضد المواطنين أم هو عنف الحكومات المباشر، أو غير المباشر، من خلال عدم مساءلة مرتكبي العنف من قوى غير حكومية، تنشط بغياب الدولة؟

كيف بإمكاننا تحديد الحقبة التي يتوجب مراجعتها، وهناك اجماع على الاختلاف، الاختلاف حتى حول تعريف الاحداث الحاسمة في تاريخ البلد؟

فما يراه البعض ثورة يراه آخرون انقلابا، وما يراه البعض رد فعل حكومي رادع ضد من يستهدف أمن الدولة، يراه آخرون جريمة نكراء بحق الشعب، ناهيك عمن هو الإرهابي أو الشهيد.

من أين نبدأ إذا ما أردنا توثيق الحقيقة ورد الاعتبار لضحايا العنف والانتهاكات؟ ما هي نقطة البدء التي تقود إلى التخلص من الاحساس بالظلم، وما يترتب عليه من مظلومية ورغبة بالانتقام، لتقودنا إلى المصالحة بمعناها الإنساني؟

هل نبدأ من العهد الملكي الهاشمي عام 1921 أم من العهد الجمهوري في ثورة (يسميها البعض انقلابا) 14 تموز/ يوليو 1958؟

نبدأ من حكم حزب البعث الأول عام 1963 أو القومي 64 أو البعث الثاني 1968ـ 2003؟ أو نكتفي بالتوثيق والمطالبة بتعويض البلد وأهله منذ غزوه واحتلاله عم 2003 حتى يومنا هذا؟

كل حقبة زمنية مر بها العراق منذ تأسيسه كدولة، تركت ضحايا ظلم بجروح لم تندمل. والمصيبة الاكبر ان نزيفها لم يتوقف بعد رحيل حامليها بل ورثتها الاجيال التالية، بعد ان حفرت في النفوس وتعمقت وباتت محملة بصديد الانتقام.

هل نبدأ من العهد الملكي؟ من ضحايا الانتفاضات والاضرابات ضد الاحتلال البريطاني، اعدام قادة الحزب الشيوعي والاعتقالات؟

من سحل مسؤولي العهد الملكي في 14 تموز/يوليو أو سحل واعدامات القوميين، من قبل شيوعيين، بعد ذلك بشهور في الموصل وكركوك خصوصا؟

من محاولة اغتيال رئيس الوزراء عام 59 من قبل البعثيين وما تلاه من تصفيات لهم، إلى انقلاب (يسميه البعض ثورة) 8 شباط / فبراير 1963 الذي قاموا خلاله بتصفية كل من اشتبهوا بانه حاول تصفيتهم من الشيوعيين؟

هل نبدأ بالعهد البعثي الثاني وتصفياته التي بدأت داخل الحزب نفسه، وعائلة أمين عام الحزب، وانتهت بابعاد من اطلقت عليهم اسم «التابعية» لإيران، وتصاعد عمليات حزب الدعوة الإرهابية (يسميها البعض استشهادية)؟

أم نترك هذا كله، ونبدأ منذ عام 2003، عام الغزو والاحتلال الانكلوأمريكي (يسميه الشيوعيون تغييرا والاحزاب "الإسلامية" الحاكمة تحريرا)، الذي تسبب بموت ما يتجاوز مليون مواطن، وتهجير أربعة ملايين، وتخريب مدن بكاملها، وتوفير البيئة لإرهاب الدولة والقاعدة وداعش والميليشيات؟

هل حالة الهياج والهستيريا وسحل الجثث هي بداية العنف ام انه تأسيس المجموعات المسلحة خارج سلطة الدولة على غرار المقاومة الشعبية (الشيوعية) في 1958 أم الحرس القومي (البعثي) في 1963، او ميليشيات، ما بعد الغزو، التي يزيد عددها على 40 ميليشيا، أو منظمات القاعدة والدولة الإسلامية (داعش)؟

ماذا عن إرهاب قوات الغزو والاحتلال وقوات التحالف الدولي والقوات الإيرانية؟

ومن هم الضحايا الذين يستحقون رد الاعتبار والكرامة وجبر الضرر؟ الشيوعي ام البعثي ام القومي أم الإسلامي، أو المبعد بحجة التابعية (الإيرانية) أو الكردي، حسب تصنيفات ما قبل الغزو، أو السني والمسيحي والإيزيدي والشيعي، حسب انشطارات ما بعد الغزو؟

على الحكومة العراقية، الوطنية، المستقلة، ذات السيادة، المؤمنة بتحقيق العدالة لكل مواطنيها، مواجهة شبكة التناقضات هذه، كلها، حين تتخذ قرارا بتأسيس هيئة أو لجنة أو مؤسسة من اجل الحقيقة والمصالحة.

النقطة الإيجابية أنها ليست الأولى من نوعها، بالعالم، لذلك بإمكانها البناء على نجاحات تجارب شعوب، أخرى، وتجنب إخفاقاتها.

هناك تجربة جنوب أفريقيا في تأسيس «لجنة الحقيقة والمصالحة» لكتابة التاريخ اعتمادا على قصص الضحايا، غطت فترة تقارب خمسة عقود، تحت نظام الفصل العنصري (أبارتهايد). حيث قدم أكثر من عشرين ألف شخص شهاداتهم، وطلب سبعة آلاف مسؤول العفو.

وتم في الارجنتين تشكيل اللجنة الوطنية للتحقيق في شأن الأشخاص المفقودين التي نجحت في التحقيق بجرائم أرتكبت، منذ ثلاثين عاما، وتم تقديم المسؤولين إلى القضاء، ورصدت تعويضات للضحايا.

عربيا، لدينا تجربة المغرب، حيث تم انشاء المجلس الاستشاري لحقوق الانسان عام 1990 للنظر بحالات الاعتقال والاضطهاد والتعذيب منذ استقلال البلاد عام 1956، ومن ثم وضع آلية لتعويض ضحايا الانتهاكات.

وفي عام 2004، تم إنشاء «هيئة الإنصاف والمصالحة» التي تحملت مسؤولية الكشف عن الحقيقة حول الانتهاكات السابقة وتقديم التعويضات للضحايا وعائلاتهم وتقديم توصيات للحيلولة دون حصول انتهاكات لحقوق الانسان مجددا.

وعقدت جلسات استماع علنية للاستماع إلى روايات الضحايا ولإثبات الحقيقة عن حالات عديدة من الاختفاء القسري. ولكن، لم يمنح الضحايا الحق في الإفصاح عن أسماء الجلادين الذين تغيبوا عن الجلسات، ولم تعقد أية محاكمة لهذا الغرض.

وعاشت تونس تجربة تشكيل «هيئة الحقيقة والكرامة»، بمسار توثيق قضايا الضحايا، وجلسات الاستماع العلنية، والنجاح بتقديم عدد من القضايا إلى المحاكم.

الملاحظ في هذه التجارب، انها توخت، بعد تبني اسلوبها الخاص في التطبيق، «تحديد المسؤوليات وإرساء العدالة وتحقيق المصالحة»، كما في تعريف الأمم المتحدة للعدالة الانتقالية، تغطية انتهاكات حقب زمنية طويلة وتحت انظمة متعددة، منذ الاستقلال.  

في حالتي المغرب وتونس. كما ركزت على مسؤولية الحكومة، الحالية، أيا كانت، في وضع حد للانتهاكات، واصلاح المؤسسات، وشملت بتعريف «الضحية» كل شخص تعرض للانتهاكات.

أما ما جرى، بالعراق، سواء تحت الاحتلال المباشر او غير المباشر، فكان ولادة مشوهة لمفهوم العدالة، بكل المستويات. حيث أقتصر تصنيف «الضحية» على من عانى تحت نظام البعث، فقط، وتم تبني تصنيف «الشهيد» لضحايا الحقبة، نفسها، مما حرم عوائل آلاف الشهداء ممن ضحوا بحياتهم في الحرب العراقية ـ الإيرانية من حقوقهم.

وإذا كان التعويض المادي واحدا من آليات تحقيق العدالة الا انه ليس العامل الاول والأخير، كما حدث، بالعراق، إذ تم القفز على كل الآليات، والاكتفاء بتنفيذ آلية التعويض المادي المشروط بالحصول على تزكية أحد أحزاب السلطة.

الأمر الذي سبب، ولايزال، إلحاق المزيد من الضرر بالضحايا، واستمرارية روح الانتقام، بدلا من تحقيق العدالة وجبر الضرر.

- د. هيفاء زنـﮔنة، كاتبة من العراق.