الأحد 26 أغسطس 2018 08:08 ص

لا يمكن التكهن بالمسارات التي قد يذهب إليها الشارع اليمني، مع استمرار تردّي الأوضاع الاقتصادية، وانهيار كل فرص النجاة من مجاعةٍ محقّقة، طاولت اليمنيين البسطاء.

فبقدر ما تعطينا تجارب الاحتجاجات الاجتماعية السابقة التي شهدتها اليمن دروساً تمكّننا من مقاربة حركة الاحتجاجات الاجتماعية، وأسباب انتكاستها، فإن الأكيد هنا أن نجاح الاحتجاجات المطلبية مرهونٌ بحاملها الاجتماعي، ومدى وعيه بعدالة قضيته ونزاهة أدواته، لا بارتهانه للسياسي، أيا كانت ادّعاءاته.

وفي هذا السياق، يعوّل يمنيون كثيرون على أن تؤدي حركة الاحتجاجات المتقطعة التي تشهدها مدينة عدن، منذ مطلع أغسطس/ آب الحالي، إلى انتفاضة يقودها "الجياع"، المقهورون والمغلوبون على أمرهم.

وأن تمتدّ هذه الانتفاضة إلى جميع المناطق اليمنية، بما في ذلك الخاضعة لسلطة جماعة الحوثي، وأن تؤدّي هذه الانتفاضة إلى إسقاط أمراء الحرب المحليين وحلفائهم الإقليميين  والمستفيدين منهم.

إلا أن تحوّل احتجاجات مطلبية، محصورة حالياً في مربّعات معزولةٍ في مدينة عدن، إلى حركة احتجاجاتٍ شاملةٍ مرهونٌ بجملة من العوامل التي قد تؤدي إلى انتشارها، أو كمونها، أو بقائها في حالةٍ غير ناضجة كما هي الآن.

في بلدٍ كاليمن، يعيش حالة حرب شبه أهلية ومؤقلمة، وسبق أن خاض تجربة ثورةٍ تواطأت قوى محلية وإقليمية على حرف مسارها، فإن عوامل متداخلة ومتناقضة ستقوّض تولد حركة احتجاجات مطلبية، ستطاول بالضرورة سلطات الحرب، وستغير خريطة المصالح المستقرّة بين الحلفاء والخصوم التي كرّسها اقتصاد الحرب.

كما أن معنى الحرب بحد ذاتها، التي هي انتصار لمنطق القوة والسلاح، جرف نبل الأدوات السلمية في انتزاع الحقوق المشروعة، إضافة إلى رُهاب اليمنيين من اللجوء إلى التظاهر للمطالبة بحقوقهم، خوفاً من قوى سياسية ومسلحة متربّصة بهم، طالما جنت ثمار ثوراتهم واحتجاجاتهم.

فقد خبر اليمنيون تسلّق بعض القوى السياسية مطالب الشارع في ثورة فبراير، وتوظيفها لصالحها، الأمر الذي أدّى إلى انقسام المجتمع اليمني رأسياً وأفقياً في مرحلةٍ لاحقة، وتحملهم عبء ذلك على الصعيد النفسي.

كما خبر اليمنيون نتائج انتفاضة أهالي صنعاء ضد جرعة الحكومة الانتقالية في أغسطس/ آب 2014. فقد استغلّت جماعة الحوثي حراك الشارع مدخلا لاجتياح العاصمة صنعاء وإسقاطها، وترتب على ذلك احتراب شبه أهلي وتدخل إقليمي.

كما أن تعقيدات الحرب الحالية، وتعدّد أطرافها المحلية والخارجية تعيق لجوء اليمنيين إلى الشارع، إذ ستوظّف هذه الأطراف الاحتجاجات لصالحها أو للتخلص من حليف مزعج، إضافة إلى حالة الإنهاك النفسي الذي وصل إليه معظم اليمنيين، جرّاء أربع سنوات من الحرب القاهرة.

حسابات الشارع اليمني الدقيقة، وحساسيته حيال القوى التي ستستفيد من حراكه المطلبي، وكذلك تقييمه السلبي لجدوى المطالبة بحقوقه، في ظل فوضى الحرب وكلفتها على اليمنيين، قوّضت إمكانية تشكل حراك اجتماعي يمني مسؤول في الوقت الراهن، وربما في المستقبل.

فرغم توفر شروط موضوعية لنجاح الاحتجاجات، إذ أحدثت سنوات الحرب في اليمن واقعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً مسّ اليمنيين البسطاء فقط، حيث أدرك اليمنيون أن أطراف الصراع، المحلية والإقليمية، يختلفون سياسياً، ويتقاتلون في الجبهات، لكنهم يتفقون على تجويعهم ونهب موارد بلادهم.

إذ يعيش اليمنيون في واقع يومي، تنتفي فيه العدالة الاجتماعية، حيث تفاقمت حالة الفقر، بعد أن زجّت أطراف الصراع الاقتصاد الوطني في حربهم القذرة، ما أدى إلى انهيار الاقتصاد الوطني، وتدهور العملة الوطنية، وتمخّضت عن ذلك حالة انكشاف مجتمعي، لا مثيل لها.

فقد عجز اليمنيون عن تلبية متطلبات حياتهم اليومية جرّاء استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مع أزمة الرواتب وتفشّي البطالة، نتج من ذلك اتساع الهوة الاجتماعية والاقتصادية بين عموم الشعب المُفقرين، وأغنياء الحرب الجدد من مليشيات الحوثي في المناطق الخاضعة لهم، والسلطة الشرعية بالمناطق المحرّرة.

خضوع اليمنيين لحالة القهر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المفروض عليهم من سلطات الحرب وحلفائها يمكن تفهّمه في ضوء تعدد السلطات الفاعلة في اليمن التي تشكل عاملاً محبطاً لبلورة حراك اجتماعي.

إذ يختلف اليمنيون في تحديد الجهة الرئيسية المسؤولة عن تدهور أوضاعهم الإنسانية، خصوصا في المناطق المحرّرة.

فإضافة إلى السلطة الشرعية، يتحمّل المسؤولية كذلك كل من العربية السعودية، قائدة التدخل العسكري في اليمن، والإمارات المتحدة، المسؤولية المباشرة عن تفاقم الأوضاع الاقتصادية في المناطق المحرّرة.

ففي حين ضخّتا أموالاً لإنعاش الاقتصاد الأردني، لامتصاص نقمة الشارع على حكومته، فإنهما ظلتا تراقبان حالة غليان الشارع في عدن والمناطق المحرّرة جرّاء استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية.

كما كرّست سلطات الحرب في المدن اليمنية مشكلات اجتماعية تختلف عن المدن الأخرى، بحيث أصبح للمواطنين في كل منطقة مخاوف وحسابات خاصة، وهو ما أعاق انتشار رقعة الاحتجاجات وتوسعها في اليمن، إضافة إلى إفراغ بعض الأحزاب اليمنية حراك الشارع من مضامينه وقضاياه العادلة، وتحويله إلى ورقة سياسية ضد خصومها وحلفائها.

في جميع المدن اليمنية، يعيش المواطنون حياة لا آدمية، في ظل استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، فيما يثرى، في المقابل، أغنياء الحرب.

وإذ يدرك المواطنون في المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي أن الجماعة وحدها المسؤولة عن إفقارهم وتجويعهم، بما في ذلك افتعالها أزمات المشتقات النفطية لتغطية تكاليف مجهودها الحربي.

فإن ما يمنع قيام حراك اجتماعي في هذه المناطق هو بطش الجماعة، وكذلك الإخفاءات القسرية التي فاقت المدن الأخرى، إضافة إلى أن ضرب المليشيات جميع القوى الاجتماعية والسياسية في مناطقها جعل من أي حراكٍ اجتماعيٍّ مطلبيٍّ في تلك المناطق مكشوفاً، فيما يبدو الخوف وحده والتوجس حاضرَين في مظاهرات عدن.

فرغم الوقفات الاحتجاحية والمظاهرات المتفرّقة في أكثر من منطقةٍ في مدينة عدن، فإن الحاضر في كل تلك الاحتجاجات هو الخشية من توظيف المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، لحِراكه المطلبي في خدمة أجنداته وصراعه ضد السلطة الشرعية، خصوصا مع إعلان المجلس الانتقالي دعمه هذه الاحتجاجات.

إذ يأمل، كما يبدو، أن تكون تلك الجماهير المسحوقة عكازه الجديد الذي سيوصله إلى قصر معاشيق، بعد أن سقطت ورقة التوت التي كان يختبئ خلفها.

ليس لدى اليمنيين الجوعى ما يخسرونه، وقد أتت الحرب وأطرافها على كل شيء، لكن ذاكرة اليمنيين مرهقةٌ من خيبات قوة ومليشيات تسلقت على ثوراتهم ومطالبهم، وهو ما يجعلهم يخشون المخاطرة مرة أخرى.

وربما حين ينضج الشارع اليمني، ويخرج ضد جميع أطراف الصراع اليمنية، ضد الإمارات والسعودية وإيران وكل القوى التي دمرت اليمن، حينها فقط ستعود إلى الشارع سطوته.

ومهما بات ذلك بعيداً فإن احتجاجات الشارع العراقي الذي خرج ضد العمائم والمليشيات وأذنابها تمنح اليمنيين الأمل في أن الشعوب، مهما رضخت للواقع القهري، فإنها ستكسر قيود جلاديها.

* بشرى المقطري كاتبة وناشطة يمنية.

المصدر | العربي الجديد