الخميس 30 أغسطس 2018 05:08 ص

يدرك مطبخ القرار في عمّان أنّ الإدارة الأميركية الحالية هي الأكثر انحيازاً لإسرائيل من كل الإدارات السابقة، وأنّ اليمين المؤيد لإسرائيل اليوم هو الذي يُمسك بعنان هذه الإدارة.

بل ويتجاوز اليمين الإسرائيلي نفسه في التطرّف السياسي، إلى درجة أنّ شخصاً مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد يبدو معتدلاً مقارنةً بصهر الرئيس الأميركي ومستشاره، جاريد كوشنر، الذي يضع تحت إبطه ملف القضية الفلسطينية!

من موضوع نقل السفارة الأميركية في القدس، والاعتراف بها عاصمةً لإسرائيل، وصولاً إلى ملف تخفيض الدعم الأميركي لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم (أونروا)، يواجه الأردن تحديّاً مفصليا في التعامل مع الإدارة الحالية.

وإذا كان نائب الرئيس الأميركي، مايكل بنس، قد أطّر معادلة القدس والعلاقة مع الأردن، بالقول بالاتفاق بين الدولتين على تحييد المصالح المشتركة عن موضوع القدس الذي اتفقا على ألا يتفقا فيه، فإنّ موضوع "أونروا" اليوم يبدو أكثر تعقيداً وصعوبة.

أمضى وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، عطلة عيد الأضحى متنقلاً في زياراتٍ مكوكيةٍ بين الولايات المتحدة والسويد، في محاولة لإيجاد حلّ لموضوع "أونروا".

إلا أنّه لم ينجح في إقناع وزير الخارجية الأميركي بالعدول عن موقفهم في الإبقاء على دعم المنظمة الدولية، بدلاً من ذلك، وغداة الاجتماع، أعلن المسؤولون الأميركيون عن تعليق مساعدات بقيمة مائتي مليون دولار للسلطة الفلسطينية، ما يضاعف حجم الأزمة المالية في الأراضي المحتلة.

قناعة المسؤولين الأردنيين أنّ الإدارة الأميركية تريد كسر إرادة السلطة الفلسطينية، وأنّ القصة سياسية ورمزية، وليست مالية فقط، وأنّ موضوع "أونروا" الذي يقف وراءه صهر الرئيس الأميركي مرتبط بملفات الحل النهائي، وإزالة صفة اللاجئ عن الفلسطينيين في الخارج، وغالبيتهم في الأردن.

لذلك رفض الأردن مقترحاتٍ أميركيةً بأن تعطى الأموال الأميركية مباشرة للأردن، من دون المرور عبر "أونروا"، فيما يتعلق بالمدارس التابعة للوكالة في الأردن (فيها نحو 120 ألف طالب)، لكن الأردن رفض بصورة قاطعة ذلك، لإدراكه أنّ المطلوب هو تحويل الملف ماليا، فلا يبقى سياسياً، وأنّ هنالك رائحة لـ"طبخة" أميركية كريهة!

تتمثل خطّة التحرّك الأردنية، في الأيام المقبلة، في تأمين الدعم البديل، وهنالك حاجة ماسّة اليوم إلى قرابة 120 مليونا فوراً، بعدما أمّن مؤتمر روما في بداية العام الحالي مائة مليون، وإلاّ فإنّ موارد "أونروا" للاجئين كفيلة فقط بشهر واحد.

ما يعني أنّ هنالك ملايين الطلاب الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني والأردن سيكونون خارج صفوفهم في الشوارع، وآلاف العاملين في الوكالة من المعلمين والإداريين سيجدون أنفسهم في الشارع بلا رواتب، أي أمام كارثة مالية واجتماعية حقيقية.

إلى الآن، تبدي السويد، وبدرجة قريبة اليابان، استعداداً كبيراً للمساهمة في تأمين الموارد المالية البديلة، لكن المطلوب لا يزال أكبر بكثير مما هو متوفر، ولذلك سيلجأ الأردن إلى جلسةٍ، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، لدولٍ عديدة يمكن أن تساعد في إيجاد حل للمشكلة الراهنة.

في الأثناء، لا يراهن الأردن كثيراً على دور عربي حقيقي في تأمين البديل المالي للوكالة الأممية، على الرغم من أنّ المبلغ المطلوب يعتبر متواضعاً مع المليارات التي يتم إنفاقها في مجالات أقل أهمية من رمزية القضية الفلسطينية وأهميتها، وخصوصا حماية حق عودة اللاجئين اليوم من أجندة كوشنير وزملائه في الإدارة الأميركية الحالية.

في نهاية اليوم، إذا وضعنا موضوع "أونروا" إلى جانب القدس، والعمل الدؤوب من فريق كوشنير على إنهاء حق العودة، بالإضافة إلى الطعنة الأميركية للأردن في موضوع الجنوب السوري، عندما تخلى الأميركيون بسهولةٍ شديدةٍ عن المعارضة هناك، ومن دون إعلام الأردن بل كان الأمر مرتبطاً فقط بالمصالح الإسرائيلية.

فإذا أُخذت هذه المؤشرات معاً، وأضيفت إليها الأزمات المتتالية بين الأردن وحكومة بنيامين نتنياهو، والرؤية الأردنية المغايرة للحلفاء العرب والأميركان في إدارة ملفات إقليمية، وإذا قرأنا منعطف الازمة المالية والاقتصادية الداخلي القاسي في الأردن، سنصل إلى نتيجة أنّ الأردن اليوم على مفترق طرق حقيقي، ومنعطف صعب وحاد.

* د. محمد أبورمان كاتب أردني باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية

المصدر | العربي الجديد