الأحد 2 سبتمبر 2018 02:09 ص

تقريران على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة يكشفان النوايا الأمريكية الخطيرة تجاه القضية الفلسطينية، الأول للواشنطن بوست، قبل يومين، والثاني لصحيفة الغارديان، وكلاهما يؤكدان أننا أمام مسارعة أمريكية في ملف اللاجئين والأونروا والقضاء نهائيا على حق العودة، ويتكاتف معهما مقال آخر مهم ليوسي بيلين يتحدث فيه عن موقف اليمين الإسرائيلي من إقامة الدولة الفلسطينية والتلميح لخيار "دولة غزة".

لم يقف الموقف الأمريكي نحو وكالة غوث اللاجئين الأونروا في تحجيم الدعم المالي بدلا من 360 مليون دولار إلى فقط 60 مليونا، بل أعلنت الإدارة الأمريكية أنها ستوقفه نهائيا خلال الفترة القادمة، والأخطر من ذلك، كما ذكرت التقارير الإعلامية السابقة، أن الإدارة تضغط على الدول الأخرى لعدم تعويض الدعم المفقود.

القرار الآخر المتوقع، وفق التسريبات، يعزز المخاوف من أن القصة سياسية ورمزية بامتياز، هو أن الإدارة الأمريكية بصدد أن تعلن بوضوح إعادة تعريف اللاجئ، ليرتبط بشروط ومواصفات معينة، ما يجعل العدد الإجمالي – وفق التعريف الأمريكي الجديد- فقط نصف مليون، بدلا من 5 ملايين.

أي بجرة قلم وبقرار (بلفور 2) تريد إدارة ترامب شطب حق العودة لأغلبية اللاجئين الفلسطينيين، ومصادرة قرارات الأمم المتحدة وضربها بعرض الحائط!

في مواجهة هذه التهديدات الخطيرة والكبيرة، ماليا واقتصاديا والأهم رمزيا وسياسيا، دخلت الديبلوماسية الأردنية في استراتيجية تصدٍ حقيقية للسياسات الأمريكية، منذ تخفيض المساعدات للأونروا، وتمكن الأردن (مع حلفائه، بخاصة السويد ومصر) في مؤتمر روما الماضي من تحصيل 200 مليون دولار.

ويعمل مع الأونروا حاليا والأتراك والسويد واليابان ودول في الاتحاد الأوروبي على توفير دعم دولي بديل، ليس فقط لهذا العام، بل خطة مالية للأعوام الثلاثة القادمة أيضا، وهي مهمة ليست سهلة، لكن جزءا منها تحقق.

ضمن هذه الاستراتيجية الأردنية الحالية، سينعقد اجتماع على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع العديد من الدول المعنية لتوفير الدعم المالي البديل، ودعا الأردن إلى عقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب سيعقد خلال الأيام القادمة لمناقشة البدائل المالية الممكنة.

من الواضح تماما أننا دخلنا في تحدٍ كبير وخطير في مواجهة سياسات وتوجهات أمريكية واضحة لإنهاء ملفات الحل النهائي، والاستفراد بالسلطة الفلسطينية، في استثمار للحالة العربية المتردية، والضغط عليها.

وقد أخذ الأردن على عاتقه مسؤولية فك هذا الحصار، والعمل على عزل الموقف الأمريكي عن المجتمع الدولي:

- فنجح عمليا في تحجيم الخسائر وتقليلها في موضوع القدس، بمعنى محدودية عدد الدول التي لحقت بالأمريكان بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل،

- ونجح ثانيا في مقاومة الضغوط الأمريكية وبناء تحالف مع دول متعددة لتعويض المساعدات الأمريكية للأونروا.

فوق هذه الاعتبارات، أعلن وزير الخارجية، أيمن الصفدي، في مؤتمر صحافي، أن تعريف اللاجئ قرار أممي دولي، ويخضع للمعايير القانونية.

بمعنى – والكلام لي- أنه لا يحق لأي دولة أن تسلب هذا الحق وتدعيه، وإلا بالفعل فإننا أمام حالة مطابقة تماما لوعد بلفور، أو وعد كوشنر إن جاز التعبير!

هي، إذا، يا سادتي، لمن يريد أن يقرأ الأمور في سياقاتها الدقيقة والموضوعية، مواجهة ديبلوماسية، غير معلنة، حول القضية الفلسطينية، بين الأردن والإدارة الأمريكية واليمين الإسرائيلي. مع التذكير بمعضلة أن أكبر داعم للأردن اليوم هي الولايات المتحدة الأمريكية (مع انقطاع مساعدات الأشقاء!).

والأخطر أن أكبر تأثير سياسي على قرارات صندوق النقد الدولي يأتي أيضا من واشنطن، فهل وصلت الرسالة وأدركنا حجم التحديات غير المسبوقة التي يمر بها الأردن، وربما الأجندة الإعلامية المشبوهة التي تقف وراء نشر الإشاعات والإيحاء بعدم الاستقرار الداخلي!

  • د. محمد أبورمان - كاتب أردني باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية