الخميس 6 سبتمبر 2018 02:09 ص

خلال زيارة له للعاصمة الأميركية واشنطن في 1998، التقى الامير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي بمجموعة من رؤساء الشركات النفطية الاميركية، وطرح أمامهم فكرة إعادة ادخال هذه الشركات في صناعة النفط والغاز السعودية بعد أن خرجت منها قبل عقدين من الزمن، وذلك كوسيلة لتمتين العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.

الفكرة أثارت النقاش، وتمّ تكوين لجنة برئاسة وزير الخارجية وقتها، الامير سعود الفيصل، للتفاوض مع الشركات. استغرق الأمر أكثر من عامين وتبلور في النهاية ما عرف بـ«مبادرة الغاز»، أي السماح للشركات الاجنبية بالتنقيب عن الغاز.

وهو ما أعتبرته الشركات خطوة على طريق تحقيق حلمها بالوصول الى احتياطيات النفط الخام الضخمة التي تتمتع بها السعودية.

نهاية «مبادرة الغاز»

 

مبادرة الغاز وصلت في النهاية الى مرحلة مذكرة تفاهم بين السعودية والشركات الاميركية خاصة، ووقعت مذكرة تتحدث عن مشروعات بكلفة 15 مليار دولار، وجرى ذلك في احتفال ضخم برعاية الملك فهد وولي عهده الامير عبد الله، لتبدأ بعدها مرحلة المفاوضات التفصيلية مع مسؤولي وزارة البترول وشركة أرامكو.

وبما ان الشياطين تقبع في التفاصيل، فما احتاج لعامين آخرين، انتهى بأن يخرج وزير النفط وقتها، المهندس علي النعيمي، معلنا وأد الفكرة وإلغاء المشروعات المقترحة. أرامكو وأركان الصناعة النفطية عموماً فوجئوا أصلاً باقتراح الامير عبد الله الذي لم يستمزج رأيهم قبل اعلانه.

لكن وبسبب التقاليد السائدة فأنهم لم يلجأوا الى المعارضة المباشرة والصريحة، وأنما اعتمدوا تكتيكًا مختلفًا وهو إطالة أمد المفاوضات والتشدد في الشروط التي ستعمل بها هذه الشركات، حتى وصل الامر بمسؤولي هذه الاخيرة الى التساؤل عن جدوى الاستثمار في هذه المشروعات متدنية العوائد، فتخلوا عن الفكرة وتُرك لوزير النفط السعودي الإعلان عن ذلك.

لا للأجانب

 

معارضة أرامكو والنفطيون السعوديون لفكرة إعادة ادخال الشركات الاجنبية في الصناعة البترولية السعودية مرة أخرى لم تنبع فقط من عدم استشارتهم ابتداءً.

بل لسبب أهم يتمثل في النظرة التي تحمل الكثير من التقدير والاحساس الوطني تجاه أرامكو والصناعة النفطية، بسبب الدور المحوري الذي لعبته وتلعبه في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية للسعودية، وللنجاح الذي حقتته في الاستمرار بتطوير وتحسين أداءها منذ السيطرة الوطنية عليها.

وتم تعيين أول سعودي رئيسا للشركة في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهو علي النعيمي، الذي التحق بأرامكو وعمره 11 عاماً ليتدرج فيها تعليمياً حتى الحصول على الدرجة الجامعية في الهندسة من الولايات المتحدة، ثم ادارياً ومهنياً حتى احتل مقعد وزير النفط.

تعود علاقة الشركات الاميركية بالنفط السعودي الى العام 1938 عندما تم اكتشاف النفط بصورة تجارية وبكميات ضخمة دفعت إلى تشكيل كونسورتيوم من شركات أربع هي: أكسون، وموبيل، وشيفرون وتكساكو، التي اتفقت على تكوين "شركة الزيت العربية الاميركية" المعروفة اختصارا بـ"أرامكو" لإدارة هذا الاحتياطي الضخم.

أرامكو لم تقْصر جهودها على الصناعة النفطية فقط وأنما شاركت في العديد من المشاريع التنموية مثل مد خط سكة حديد الرياض - الدمام، وآخر هذه المشاريع انشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، (التي اريد لها ان تكون من مستوى علمي عالمي، وهي أول جامعة مختلطة في السعودية) وذلك من خلال استغلال خبراتها الادارية وما توفر لها من قدرات بشرية ومالية لتنفيذ مثل هذه المشروعات بمستوى جيد من الاداء.

في مواجهة رياح التغيير والدعوة الى السيطرة على الصناعة النفطية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، من خلال عمليات التأميم، لجأت السعودية الى خيار المشاركة بداية بشراء نسبة 25 في المئة من «أرامكو»، وتصاعدت النسبة حتى التملك الكامل في 1980.

لكن قيادة الإدارة ظلت أجنبية لفترة ست سنوات أخرى وذلك حتى تم تعيين النعيمي، كما ان مجلس إدارة «أرامكو» ظل محافظاً على وجود خبرات أجنبية فيه وكذلك حافظ على تقاليد العمل والانضباط الموروثة منذ أيام الادارة الاميركية.

بل وحققت أرامكو السعودية نجاحاً ملحوظا مقارنة بمثيلاتها من شركات النفط الوطنية في دول «أوبك» الأخرى، التي شهدت في الغالب تراجعاً في أداءها مما اضطرها بصورة من الصور الى الاستعانة بالشركات الاجنبية عبر صيغ مختلفة لحلحلة بعض المشاكل المالية أو الفنية المتعلقة بالعمليات الأمامية من استكشاف الحقول والانتاج فيها وإدارتها.

أداة استراتيجية

 

«أرامكو» هي الجهة التي توفر الجزء الاعظم من مداخيل الدولة المالية، كما انها وبعدد العاملين في الشركة وفروعها الذي يتجاوز 70 ألفاً تعتبر أكبر مخدّم.

ويعود ذلك بصورة رئيسية الى نجاحها في ادارة الصناعة النفطية وجعلها أداة استراتيجية في يد الدولة عبر زيادة طاقتها الانتاجية والاحتفاظ بفائض لاستخدامه عند حدوث شح في الامدادات في الاسواق، وتعدّد منافذ التصدير..

ثم التوسع في إنشاء مشروعات لتكرير النفط السعودي عبر شركات عالمية وذلك لتحقيق قيمة مضافة وليكون هذا النفط قريباً من أسواق الاستهلاك.

وقد تمكنت من تحقيق كل هذا بقدراتها المالية والادارية والفنية الخاصة، أو عبر تلك الشراكات التي يتفق معها على الاحتفاظ بسيطرة السعودية، ودون فتح أبوابها وملفاتها أمام الآخرين.

وكان هذا الاحساس هو الدافع وراء إلغاء «مبادرة الغاز» التي طرحها في السابق الامير عبد الله، ويبدو أنه وراء عملية تأجيل طرح أسهم «أرامكو» التي أعلن عنها لأول مرة في مطلع العام 2016.

الامر الذي شكل صدمة للكثيرين عبرت عنها بعض التغريدات وحسابات الهاشتاغ وبعض التساؤلات المباشرة التي كان يتلقاها المسؤولون في بعض المناسبات (كما فعل رجل الاعمال جميل فارسي في خطابه المباشر مع وزير التجارة والاستثمار ماجد القصبي).

على أن التأثير الاكبر ترك للاتصالات الجانبية التي لعب فيها مسؤولو الصناعة النفطية و«أرامكو» تحديداً، دوراً أساسياً من واقع خبرتهم ومعرفتهم بما يجري، خاصة وأن الكثير من التساؤلات تطال مبلغ ترليوني دولار الذي قدر به الأمير محمد بن سلمان قيمة الشركة.

وهو ما شكك فيه الكثيرون، بل وعبر البعض عن تخوفه من أن يعني ذلك بيع جزء من احتياطيات ارامكو النفطية.

التسريبات التي تفردت بها وكالة «رويترز» تشير الى ان الفكرة قد وضعت على الرف، وهو ما يؤكده حديث وزير الطاقة خالد الفالح عن ان الرياض ستختار الوقت المناسب لطرح الأسهم.

ويثير ذلك نقطتين: هل تعتبر عملية الإلغاء هذه مؤشراً على بروز مركز معارضة لولي العهد الامير محمد بن سلمان؟ قد لا تكون إلا معارضة محدودة لهدف محدود يتعلق بعملية الطرح، مثلما حدث من قبل مع «مبادرة الغاز»، من دون اعطاء ذلك حمولة سياسية، في الوقت الحالي على الاقل.

على أن السؤال الاساسي يتعلق بالنقطة الثانية، وهو مصير برنامج «رؤية 2030»، حيث يعتبر بيع جزء من أسهم أرامكو وتوفير مبالغ مالية حجر الزاوية في ما اعتبر تنويعاً للقاعدة الاقتصادية للبلاد وتقليلاً من اعتمادها التام على النفط.

والسؤال هو عما إذا كانت أرامكو، التي عوِّل الأمير محمد بن سلمان عليها لتوفير التمويل اللازم لتنفيذ تلك الرؤية، قد سددت لها الضربة القاضية.

* السر سيد أحمد كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط.