الاثنين 10 سبتمبر 2018 10:09 م

"أقلية حزبية لا تريد لليمن الخير"..

هكذا وصف وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية "أنور قرقاش" حزب التجمع اليمني للإصلاح في اليمن، عبر "تويتر"، الأسبوع الماضي، بعد تمزيق متظاهرين يمنيين صورا لولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، في شوارع مدينة المكلا، عاصمة إقليم حضرموت.

حمل الوزير الإماراتي مسؤولية ما جرى بالمظاهرة للحزب اليمني، عائدا بذلك إلى سيرة أبوظبي الأولى في تعاملها مع كل الكيانات المحسوبة على تيار "الإخوان المسلمون" حول العالم، ما اعتبره مراقبون فشلا لوساطة سعودية سبق أن قام بها ولي العهد، الأمير "محمد بن سلمان" شخصيا لترميم العلاقة بين الجانبين.

السلوك المخزي تجاه رموز الإمارات والتحالف في حضرموت وبعض مناطق الجنوب والتي يوجهها الإصلاح لن تثنينا عن تأدية المهمة، قناعتنا أنها أقلية حزبية لا تريد لليمن الخير والتحالف في سعيه لتثبيت الإستقرار لن تهزه هذه التصرفات.

— د. أنور قرقاش (@AnwarGargash) ٥ سبتمبر ٢٠١٨

 

فبعد أكثر من أسبوع على اغتيال الحوثيين للرئيس اليمني السابق "علي عبدالله صالح"، التقى ولي العهد السعودي ونظيره الإماراتي زعيم حزب الإصلاح "محمد عبدالله اليدومي" وأمين عام الحزب "عبدالوهاب الأنسي" في 13 ديسمبر/كانون الأول 2017، وهو اللقاء الذي تزامن مع إعلان الحزب عدم ارتباطه تنظيميا بـ"الإخوان"، ما اعتبره مراقبون بداية لتعويل سعودي - إماراتي على "الإصلاح" كطرف محلي في مواجهة ميزان القوة المختل لصالح الحوثيين.

لكن مخرجات اللقاء لم تر النور حتى الآن، بل عاد الهجوم الإماراتي على الحزب، رغم أن المظاهرات (محل الواقعة التي أثارت استياء أبوظبي) خرجت في معاقل "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي تشكل بدعم من أبوظبي في مايو/أيار 2017.

هتاف لافت

هتف المتظاهرون أيضا ضد العاهل السعودي، الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، ونعتوه بـ"العميل"، وهو ما لا يمثل الخط السياسي لـ"الإصلاح" الذي اتسمت علاقته التاريخية مع السعودية بالموثوقية، خاصة لدى قيادات في الجناح القبلي للحزب، ما دفع العديد من المراقبين للتشكك في اتهامات "قرقاش" الأخيرة للحزب.

فعلى الرغم من دخوله في دائرة الحرب الإماراتية على نفوذه في المحافظات اليمنية المستردة من جماعة أنصار الله (الحوثيين)، خلال السنوات الماضية، لكن "الإصلاح" احتفظ في المقابل بعلاقة جيدة مع السعودية، باعتباره أبرز الأحزاب المؤيدة للحكومة الشرعية بقيادة "عبدربه منصور هادي".  

لكن الإمارات ضغطت بعد تحرير عدن، منتصف 2015، لإقالة المحافظ والقيادي في المقاومة "نايف البكري" الذي ينتمي لـ"الإصلاح"، وبدأت مسلسل استبدال كل من ينتمي أو يشتبه في انتمائه للحزب من المناصب في محافظات اليمن الجنوبية، وهي العملية التي تصاعدت حتى وصلت إلى إعلان الحرب على الحزب في محافظات الجنوب وإحراق مقاره واعتقال قياداته المعروفة بدورها في استرداد العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين.

ولم يكن لقاء ولي عهد أبوظبي برئيس "الإصلاح" سوى هدنة في مسار من العداء، إذ سرعان ما أفلت نجل شقيق الرئيس اليمني السابق "طارق صالح" من قبضة الحوثيين ووصل إلى عدن، ليكون بمثابة "البديل المناسب" من وجهة النظر الإماراتية.

ومنذ صعود نجم "طارق صالح" عاد النهج الإماراتي العدائي لـ"الإصلاح" مجدداً، خصوصاً أن أبوظبي تجهز قوة عسكرية له خارج نطاق الشرعية (الحزام الأمني)، فضلاً عن دعمها مؤخراً لمحاولة انقلابية قادها المجلس الانتقالي الجنوبي، ذو الميول الانفصالية، على الحكومة في عدن، قبل أن تتدخل السعودية لتهدئة الأوضاع.

مظاهرات المكلا

ما الذي قاد مظاهرات المكلا إذن؟ قدمت تغريدة للناطق باسم  حزب الإصلاح "عدنان العديني" إشارة للإجابة، إذ كتب أن "الحزب لا يشك للحظة، أنهم (الإماراتيون) يدركون أنه لا علاقة للإصلاح بما يحدث في حضرموت أو غيرها، وأنهم يعلمون جيدا من هي الجهة التي تقف وراءها وأجندتها التي تحملها".

إنه المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، الذي وقف وراء سلسلة احتجاجات شهدتها مدن الجنوب عموماً خلال الأيام الماضية، على سوء الأوضاع المعيشية، وانهيار العملة الوطنية، وما اعتبره فسادا بحكومة الرئيس "هادي"، لكن الاحتجاجات خرجت عن الإطار الذي رسمه المجلس، بتمزيق صور "محمد بن زايد"، جراء حالة استياء شعبي متنامية إزاء دور الإمارات في تأجيج حالة الفوضى الأمنية بالجنوب اليمني، حسبما علم "الخليج الجديد" من مصادره.

استغلَّ الموالون للإمارات حالة السَّخط والغضب والمظاهرات ضد حكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي"، وتبنّوا مطالب المحتجين إلى حد إصدار المجلس الانتقالي الجنوبي بيانا هدد فيه بـ"ثورة شعبية".

لكن رد المحتجين الغاضبين على محاولة توظيف فعالياتهم سياسيا جاء على النحو الذي أثار غضب "قرقاش".

وإزاء تطورات الأحداث، مع وجود بديل يمكن التعويل عليه إماراتيا، عادت لغة الهجوم الإعلامي على "الإصلاح" إلى سابق عهدها، لكن ما جرى ميدانيا حمل مؤشرات أكثر خطورة رصدتها صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

سلسلة اغتيالات

الصحيفة اتهمت الإمارات والميليشيات المدعومة من قِبلها، بالوقوف وراء عمليات اغتيال لأئمة مساجد محسوبين على "الإصلاح" في عدن، خاصة أولئك الذين تبنوا مواقف تنادي بالوحدة اليمنية وترفض تطلعات المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالية، والتي تدعمها أبوظبي.

ومنذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، زادت وتيرة عمليات القتل التي تستهدف رجال الدين، حيث تشير الإحصائيات إلى مقتل نحو 15 منهم، تعرضوا جميعا لهجمات بإطلاق نار على سياراتهم أو بالقرب من مساجدهم؛ الأمر الذي دفع العشرات من المشايخ إلى الفرار من عدن وبعض المناطق القريبة منها.

وبحسب "واشنطن بوست"، فإن الاغتيالات المتلاحقة في عدن مرتبطة بالصراع على السلطة بين حلفاء السعودية والإمارات في اليمن، فعلى الرغم من أن البلدين دخلا غمار الحرب ضد الحوثيين ضمن تحالف واحد، لكن لكل منهما رؤية مختلفة لمستقبل البلد الذي كان سعيدا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي (طلب عدم ذكر اسمه) أن "الإصلاح" يواجه ضغوطاً شديدة في عدن وأماكن أخرى، سواء من الناحية السياسية أو الأمنية بدعم مباشر من أبوظبي.

توظيف سلفي

وفي سياق متصل جاء توظيف أبوظبي لقطاع من التيار السلفي لمحاولة تأسيس تيار ديني موال لها، لكن على عكس الموروث الفكري المتعارف عليه لدى السلفيين، الذين يرفضون مبدأ الخروج على الحاكم الشرعي.

لكن عضو المجلس الانتقالي "هاني بن بريك" استطاع تأسيس هذا القطاع لمواجهة القوات الحكومية في محافظة تعز (وسط اليمن)، وأصبح هذا القطاع هو ذراعه التنفيذية في مواجهة غير الموالين للإمارات بالجنوب، خاصة من أنصار "الإصلاح".

وفي هذا الإطار، دعا "بن بريك" جماعته السلفية، في أغسطس/آب الماضي، لمواجهة القوات الحكومية في تعز مطالبا إياهم بالتحرك ضد "الإصلاح".

ويتزعم القطاع السلفي الذي يقوده "بن بريك" شيخ يدعى "أبو العباس"، وخاض معارك ميدانية مع "الإصلاح" في تعز انتهت بانسحابه.

ويرى مراقبون أن قوات "الحزام الأمني" التي شكلتها الإمارات بشكل مواز للقوات الحكومية في الجنوب اليمني ما هي إلا "جيش اللحظة المناسبة" سواء كانت إعلان الانفصال، أو الدخول في مواجهة استئصالية مع "الإصلاح" بمشاركة الموالين لها.

فإلى أي مدى سيصل حد عودة العداء الإماراتي المعلن لـ"إخوان اليمن"؟ في الأشهر المقبلة الخبر اليقين.

المصدر | الخليج الجديد