الأربعاء 12 سبتمبر 2018 03:09 ص

تكتسب أحداث الشهر الماضي (أغسطس/آب 2018) في اليمن أهمية مفصلية في سياق تطورات الصراع بين حزب التجمع اليمني للإصلاح والجماعة السلفية في مدينة تعز.

إذ تتجاوز تداعياتها السياسية والاجتماعية والعسكرية تغيير موازين القوة على الأرض بين الطرفين إلى تأثيرها على جبهات القتال الداخلية ضد جماعة الحوثي، وكذلك انعكاسها المباشر على التحالفات السياسية والعسكرية في البلد.

فقد شهدت مدينة تعز، منذ مطلع أغسطس/آب الماضي، معركة «كسر عظم» بين المتقاتلين. وترجّح مجمل التطورات اللاحقة أن نتائج هذه الجولة تختلف عن سابقاتها، إذ سيكون صعبا على الطرفين تجاوز كلفة جولة الاقتتال أخيرا، بما في ذلك أثرها على قاعدتهم الشعبية في المدينة.

كما أفضى التحشيد السياسي المصاحب لانفجار الصراع، وما تلاه من نتائج، إلى انقسام المجتمع بين المتصارعين. كما كشفت جولة الصراع الدامية الغطاء عن الجيش الذي تشكل في ظل الحرب، باعتباره مشكلة حقيقية وسبباً للصراع.

إضافة إلى انفراط الثقة بين الخصمين، وفشل لجنة التهدئة الرئاسية أخيرا في نزع فتيل الصراع، وتحولها، كغيرها من لجان التهدئة السابقة، إلى جزءٍ من المشكلة، وهو ما دفع القائد السلفي، عادل عبده فارع، المكنّى «أبو العباس»، قائد الجبهة الشرقية، إلى دعوة مقاتليه إلى الخروج من مدينة تعز، متهماً حزب الإصلاح بالاعتداء على منازلهم.

ورغم تراجع "أبو العباس" عن قراره بعد جهود السلطة الشرعية لتهدئة الصراع، واستخدامه لذلك كورقة سياسية في تحسين شروط بقائه في المدينة، فإن الخلاف بين الطرفين وصل إلى نقطة اللا عودة.

دفعت أجندات الدول المتدخلة في اليمن، ودول الأزمة الخليجية، الطرفين إلى المواجهة العسكرية، إلا أن انفجار الصراع الذي استجدّ أخيرا ارتبط بشكل رئيس باختلال موازين القوى العسكرية بين حلفاء الشرعية في مدينة تعز لصالح طرفٍ على حساب الأطراف الأخرى.

واختارت كتائب أبو العباس، السلفية، أن تكون الطرف الثاني في معادلة الاشتباك، حيث يتجاوز جوهر الخلاف بين الإصلاح والسلفيين حدّة الاستقطابات الإقليمية في اليمن إلى التنازع حول أسباب البقاء.

إذ يتنافس الطرفان على القاعدة الاجتماعية الدينية السنّية نفسها، وادّعاء تمثيلها على المستويين، الاجتماعي والسياسي، في حين حولت الحرب كتائب أبو العباس، السلفية، إلى طرف رئيسٍ من أطراف الحرب المحلية في مدينة تعز، بموازاة حزب الإصلاح.

كما أدى ضعف السلطة المحلية المتعاقبة في مدينة تعز، وتواطؤها مع قانون الغلبة والاحتكام لقوة السلاح، إلى تجذير الخلاف بين الطرفين، فيما تحولت ألوية الجيش، بما في ذلك المؤسّسة العسكرية والأمنية بمختلف أجهزتها، إلى وسيلةٍ مُثلى لحسم المعركة.

بقدر ما لعبت الأطراف اليمنية والإقليمية دوراً رئيساً في تقسيم الجيش اليمني وتسييسه، وانتهاءً بملشنته في شمال اليمن وجنوبه، فإن تموضعات الجيش في مدينة تعز شكلت حالة خاصة لها تعقيداتها المحلية.

إذ يبدو أن الفراغ السياسي الذي شهدته المدينة، منذ بدء الحرب، دفع الأحزاب السياسية، وبكل ثقلها، إلى اختراق قوام الجيش، وإعادة تشكيله وفق أسس حزبية ضيقه، بما في ذلك تحويله إلى ورقةٍ سياسيةٍ في معاركها، لإزاحة خصومها المنافسين.

كما دخلت الأحزاب السياسية، مع فصائل المقاومة، في ماراثون السباق للسيطرة على مواقع عسكرية ومدنية في المدينة، لفرض شروطها على الأطراف الأخرى، بما في ذلك السلطة المحلية.

في هذا السياق، عزّز حزب الإصلاح، طوال الحرب، من قوته العسكرية في المدينة، إذ أحكم قبضته على مختلف أجهزة المؤسسة الأمنية وأقسام الشرطة، وأجهزتها المختلفة.

كما فرض حزب الإصلاح سيطرته على معظم ألوية الجيش في المدينة، واستغلّ عشوائية دمج فصائل المقاومة في الجيش، وذلك بزجّ مقاتليه داخل الألوية، متفوّقاً على الفصائل الأخرى، وهو ما أدّى إلى تسييس الجيش في تعز وملشنته.

في المقابل، تجاهلت الأحزاب اليسارية والقومية تفتيت بُنية الجيش في ظل الحرب، وتسييسه، واكتفى المتحمّسون منهم بالتخندق حول اللواء 35 مدرع، الذي تتبعه كتائب أبو العباس، السلفية، بحسب خريطة دمج الفصائل.

تتعدّد ألوية الجيش التي يسيطر عليها حزب الإصلاح، منها ما تشكّل بقرار رئاسي، ومنها ما تم تشكيله وفق منطق الأمر الواقع من بعض العسكريين، ويمثل اللواء 22 ميكا الذراع العسكرية الرئيسية لحزب الإصلاح، ممثلا بقائد اللواء، العميد صادق سرحان، وكذلك رئيس العمليات وقيادة القطاعات.

كذلك أدخلت عملية دمج المقاومة الآلاف من مقاومة حزب الإصلاح إلى قوام اللواء، في حين يشكل اللواء 17 مشاة ذراعا عسكرية أخرى لحزب الإصلاح، ممثلاً برئيس عملياته العقيد عبده حمود الصغير.

كما يمثل اللواء 170 دفاع جوي، بقيادة رئيس أركان اللواء حمزة حمود سعيد المخلافي، ابن قائد المقاومة في تعز، والمنتمي لحزب الإصلاح، الذراع الأخرى، إضافة إلى ألوية عسكرية أخرى، يتولى زمامها حزب الإصلاح.

منها اللواء 145 مشاة، من خلال الملازم شكيب خالد فاضل، ابن قائد المحور، اللواء خالد فاضل، واللواء الرابع مشاة، بقيادة العقيدة أبو بكر الجبولي، واللواء الخامس حماية رئاسية بقيادة العميد عدنان زريق المقرّب من حزب الإصلاح، وكتائب الاحتياط، ممثلا بعزام فرحان، ابن مستشار المحور العميد عبده فرحان المخلافي ومسؤول الإخوان المسلمين في مدينة تعز، وعضو لجنة التهدئة الرئاسية.

كما سيطر حزب الإصلاح على الأمن السياسي، ممثلا بالعقيد عبد العزيز سرحان، شقيق قائد اللواء 22 ميكا، إلا أن الأخطر من تلك القبضة العسكرية شبه المطلقة لحزب الإصلاح هو الانحياز السياسي للشرطة العسكرية، وقيادة المحور، ممثلا باللواء خالد فاضل، إذ تجاهل قيادة المنطقة العسكرية الرابعة التي يتبعها، وتحوّل إلى طرفٍ في جولات الصراع السابقة والأخيرة بين السلفيين وحزب الإصلاح.

بدأت جولة الصراع أخيرا بين الطرفين، من حيث انتهت الجولات السابقة، وهو إشكالية تحديد الجهة الرسمية المخوّلة بفرض القانون واستلام المواقع العسكرية من الفصائل، حيث فرضت الألوية العسكرية التابعة لحزب الإصلاح نفسها جهة رسمية ممثلة للدولة.

وانخرطت هذه الألوية، بما في ذلك قيادة المحور، بملاحقة العناصر الخارجة عن القانون أو الإرهابية، بحسب بيانات المحور، حيث تتهم قيادة اللواء 22 ميكا جماعة أبو العباس بالوقوف خلف اغتيال العشرات من جنودها. لذلك خاض اللواء 22 ميكا حرب شوارع ضد كتائب أبو العباس، أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من ثمانين من مقاتليهم، بينهم مدنيون.

إلا أن ما دفع بتفجير الصراع هو شعور حزب الإصلاح بأنه محاصرٌ في شمال الشمال وجنوب اليمن، وأن الأطراف السياسية الأخرى قد تُضحّي به في أي تسوية سياسية مقبلة، في حين اعتقد أن كتائب السلفية قد تلجأ إلى تحالفٍ مع بقايا المؤتمر الشعبي العام في مدينة تعز.

لذا وجد أنه مدفوعٌ بهذه المعركة إلى فرض شروطه، في حين تحوّل الصراع لاحقاً بين السلفيين وحزب الإصلاح إلى محاولة نزع عوامل القوة على الأرض، وتمثل ذلك بإجبار كتائب أبو العباس على تسليم المواقع العسكرية التي تسيطر عليها للجيش، كقلعة القاهرة ومبنى الأمن السياسي.

وفي حين سلم أبو العباس هذه المواقع مضطراً، فإن ألوية الجيش التابعة لحزب الإصلاح رفضت تسليم مواقعها، بحسب ما تم الاتفاق عليه سابقاً.

تقضي إزالة جذور الصراع في مدينة تعز بين الطرفين بإعادة النظر في مؤسسة الجيش وكيفية دمج المقاومة، بما في ذلك إخراج الألوية والفصائل بكتائبها من مركز المدينة وأحيائها إلى مناطق المواجهات، والقبض على كل من تسبّب في جرائم.

عدا ذلك، فإن الخصوم المتنافسين الذين تتنازعهما إرادات قوى أكبر، بعد افتراق مصالحهما، سيسعيان، ما أمكن، إلى جرّ المجتمع في حربٍ أخرى لا تبقي ولا تذر.

* بشرى المقطري كاتبة وناشطة يمنية

المصدر | العربي الجديد