السبت 15 سبتمبر 2018 01:09 ص

مثل اندلاع الأزمة السياسية في البحرين، قبل 7 أعوام ونصف العام، نقطة تحول في العلاقات بين المنامة وواشنطن حيث غيرت الأزمة الطريقة التي يرى كل من نظام البحرين، ومعارضيه الشيعة، الولايات المتحدة. وعلى مدى عقود سالفة، رأت القيادة البحرينية الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني ​​للمملكة الجزرية، ومعقلا ضد الأطماع السياسية من القوى الإقليمية.

وأثناء وبعد ثورة عام 2011، صورالسلفيون المتشددون، الذين دعمهم النظام الملكي السني، والشخصيات البارزة داخل المعارضة، التي يهيمن عليها الشيعة، أنفسهم كضحايا للسياسة الخارجية لواشنطن. وفي الوقت نفسه اتهم النظام لاعبين رئيسيين داخل المعارضة الشيعية البحرينية بالعمل مع واشنطن. وفي هذه الأثناء، هيمنت رواية شعبية على المجتمعات الشيعية مفادها أن الولايات المتحدة تتلاعب بحكام "آل خليفة" لتحقيق أهدافها الإمبريالية في العالمين العربي والإسلامي.

التأثير العراقي

وكان غزو ​الولايات المتحدة للعراق عام 2003، والذي احتج عليه البحرينيون بشكل علني وغاضب في ذلك الوقت، قد غذى كراهية الكثير من العرب السنة، من الشارع إلى أعلى مستويات الحكومات، تجاه السياسة الخارجية الأمريكية. واعتبرت الحكومة إجراء واشنطن بمثابة تشجيع مباشر أو غير مباشر لنفوذ إيران الإقليمي. وسرعان ما أدى سقوط "صدام حسين"، الذي ترك البحرين كدولة عربية وحيدة ذات أغلبية شيعية تحت الحكم السني، إلى إحداث تأثير مضاعف في أنحاء دول الخليج العربي، بما في ذلك البحرين، حيث كانت الروابط الدينية والعائلية والقبلية مع العراقيين قوية تاريخيا.

وتسببت الأحداث الرئيسية في العراق بعد عام 2003، مثل معركة "الفلوجة" في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية إلى السلطة بعد عقد من الزمان تقريبا، في رفع درجة السخونة الطائفية في البحرين بشكل كبير. وعندما رأى السنة في البحرين النظام الشيعي الجديد في بغداد، وتهميش السنة العراقيين، خشيت النخبة السنية في المملكة الجزرية الخليجية من أن تؤدي سيطرة الشيعة على البحرين إلى القضاء عليهم. وبدأت الشخصيات السلفية علنا في ربط الهيمنة الشيعية بالإمبريالية الأمريكية. 

وفي المقابل، منذ بدء الاحتجاجات في "دوار اللؤلؤة" عام 2011، زعم عدد من السلفيين البحرينيين من بين أعضاء النظام الملكي الحاكم والجيش أن الولايات المتحدة عملت مع المعارضة الشيعية في المملكة البحرينية لإنهاء الحكم السني في البلاد. وذهب المارشال الميداني، "خليفة بن أحمد آل خليفة"، القائد العام لقوة دفاع البحرين، إلى حد اتهام إدارة "أوباما" بتمويل أكبر جمعية معارضة شيعية في البحرين آنذاك، "جمعية الوفاق الوطني الإسلامية". وأشارت الحكومة في المنامة إلى وجود منظمات ونشطاء حقوقيين بحرينيين في واشنطن، كدليل إضافي على أن الحكومة الأمريكية تعمل مع ممثلين شيعة في البحرين للطعن في شرعية "آل خليفة".

دعم غير مشروط

وفي الوقت نفسه، دعمت إدارة "أوباما"، وكذلك دعم البيت الأبيض تحت إدارة "دونالد ترامب"، الأسرة الحاكمة في البحرين، ما سبب استياء كبيرا بين عناصر المعارضة الشيعية، التي اتبعت نهجا مناهضا للولايات المتحدة، فضلا عن الاحتجاجات في مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في البحرين، والإدانة القوية لمبيعات واشنطن من الأسلحة إلى المنامة، الأمر الذي يعكس رواية شعبية بأن نضال الشيعة البحرينيين ضد حكامهم هو بدوره نضال ضد القوى الغربية التي تتحالف مع نظام المنامة، وبشكل رئيسي الولايات المتحدة.

ولا تضع التكتيكات العدوانية المتزايدة من قبل إدارة "ترامب" لمجابهة إيران، والتي استتبعت تعزيز دعم واشنطن للنظام الملكي البحريني، أي ضغط فعلي على حكام المنامة لسن الإصلاحات أو معالجة المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمعارضة. ولا يزال إصرار القيادة البحرينية على أن إيران و"حزب الله" اللبناني وراء الاضطرابات في البلاد يشكل المكون الأساسي لحججها ومبرراتها، التي تحظى بدعم جيد من قبل إدارة "ترامب" المناهضة لإيران، حيث ترى أن الدعم الغربي لحكام "آل خليفة" في المنامة أمر ضروري لمواجهة السلوك الإقليمي العدواني لطهران.

وفي الواقع، من المرجح أن تواصل المنامة حملة القمع القاسية ضد ما تبقى من المعارضة. ويدعو بعض المعارضين البحرينيين الشيعة إلى التعاون مع إيران، وإذا اكتسب هؤلاء يدا أكبر في صفوف المعارضة، فإن أسوأ مخاوف النظام من تزايد النفوذ الإيراني قد تتحول إلى نبوءات تتحقق.

ومنذ عام 2011، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف صعب تجاه البحرين. وكان على واشنطن أن توازن بين قيمها، التي تروج للديمقراطية وحقوق الإنسان، والمصالح الاستراتيجية ذات الأولوية في دولة الخليج العربي. ولقد تم استبدال نهج إدارة "أوباما" بتطبيق ضغوط محدودة وانتقائية على نظام المنامة لصالح استراتيجيات البيت الأبيض الحالية المتمثلة في إلغاء أي اهتمام بحقوق الإنسان والتركيز على العلاقة الثنائية المبنية على المصالح المشتركة. وقد خففت العلاقات الدافئة لإدارة "ترامب" مع النظام البحريني الكثير من التوتر الذي كان قائما خلال فترة رئاسة "أوباما". لكن النظام الآن يشعر بأن لديه القوة والجرأة لرفض تقديم أي تنازلات للمعارضة الشيعية، وهو ما يوفر لإيران فرصة أكبر لاستغلال أزمة البحرين السياسية المستمرة، ولا سيما المشاعر المعادية لأمريكا بين المعارضين الشيعة.

وفي الواقع، يخاطر التزام واشنطن الكامل بدعم النظام البحريني بدفع المجتمعات الشيعية في المملكة الصغيرة نحو التطرف والتشدد، ردا على الدعم غير المشروط المتجدد للعائلة المالكة السنية في حقبة ما بعد "أوباما".