الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 03:09 ص

ما يحدث في الأردن اليوم، بقدر خطورته وحساسيته، (الاحتجاجات الهائلة في المحافظات وطرد الوزراء منها، وحالة الإحباط والسخط العام على خلفية مشروع معدّل قانون ضريبة الدخل) يثير مفارقة طريفة وغريبة.

ما هي أوجه المفارقات والطرافة؟

اعتُبر الأردن، خلال الأعوام الماضية، حالة استثنائية، مقارنةً بالدول العربية، عَبر الربيع العربي بأقلّ الأضرار الممكنة سياسياً، حافظ على استقراره السياسي وسلامته، رغم ما تموج به المنطقة من حروب داخلية وأهلية، وعواصف إقليمية، فبدا كجزيرة هادئة وسط بحر متلاطم، فلا هو أصيب خارجياً بما يحدث حوله، ولا داخلياً تعرّض لما وقع في دول أخرى.

اليوم؛ بعد سبعة أعوام على إعصار الربيع العربي، يبدو الأردن وكأنّه يواجه تحديات داخلية غير مسبوقة، ويستعيد الحراك الشعبي، بصورة أكبر، وأكثر زخماً، مما كانت عليه الحال في ذروة الربيع العربي، وعاد المواطنون، على خلفية قانون الضريبة، يطالبون بمكافحة الفساد واستعادة أموال الفاسدين، وبإصلاحات سياسية جوهرية.

من يتابع النقاشات حالياً في الأردن يشعر كأنّ عقارب الساعة عادت إلى وراء سبعة أعوام، وتذكّر المواطنون مطالبهم حينها، وما تمّ من انتخاباتٍ نيابيةٍ وتغيير لقانون الانتخاب وتعديلات دستورية وسلسلة الإصلاحات الرسمية، وكأنّها تبخّرت في لحظة واحدة، ولسان حال المراقب يقول: أهلاً بكم في المربع الأول مرّةً أخرى.

عدنا إلى النقاش بشأن ماهية الإصلاح السياسي، وما المطلوب بتطوير قانون الانتخاب والحكومة البرلمانية؛ وضمانات تحقيق ذلك، كلّها تبدو كسيناريو مكرّر ومجتر، لكنه يخبئ خلف الستار فكرة جوهرية، هي أنّ المواطنين يريدون تغييراً حقيقياً في إدارة الشأن العام.

في المقابل وموضوعياً، من المفترض ألا نتجاهل سؤالا على درجة عالية من الأهمية، ويتمثل فيما إذا كان هذا التحول مرتهنا لقرار سياسي أم وعي سياسي شعبي، وتطويرٍ في آليات التحشيد الاجتماعي وقدراته من الاكتفاء بالتعبير عن حالة احتجاجية لإسقاط حكومة، أو قانون، إلى ماكينة سياسية لـتقديم خيارات بديلة؟

المفارقة الأخرى أنّ ما حرّك الشارع ابتداءً هي الأزمة المالية والاقتصادية، ومشروع قانون ضريبة الدخل المقترح الذي يسعى إلى توسيع قاعدة دافعي الضريبة، وهو قفزة كبيرة من دولةٍ تمنح الوظائف والامتيازات والأموال (سياسة ريعية) إلى دولةٍ تأخذ من المواطنين، وتعجز عن تقديم الخدمات المطلوبة.

مع ذلك، سرعان ما تنتقل الاحتجاجات الاقتصادية - الاجتماعية إلى المستوى السياسي، فيبدأ الحديث عن الفساد والمطالبة باستعادة أموال الدولة، وبإصلاحات سياسية لإعطاء الشارع سلطة حقيقية، وإيجاد تعبير حقيقي عن مبدأ توازن السلطات.

الطريف أنّ مساحة الحركة الحقيقية للحكومة الحالية، وأيّ حكومة أخرى، لإنقاذ الوضع المالي في البلاد، ومواجهة خطر المديونية والعجز، هو الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، بالتالي فإنّ الحلول الاقتصادية شبه محسومة.

تبقى مساحة الحركة هي في المجال السياسي، من أجل مواجهة الفساد وحماية المال العام، والتأكيد على حق المواطن في الحكم والتمثيل (على قاعدة لا ضريبة من دون تمثيل سياسي)، وذلك جيّد ومطلوب. لكن الدول التي شهدت إصلاحات، سواء ثورات (تونس)، أو حكومات برلمانية (المغرب)، لم تتحسّن فيها الظروف والشروط الاقتصادية والمالية، واضطرت إلى صندوق النقد الدولي، وهي تعاني من أزماتٍ شبيهة بالأزمات الأردنية، لكن إدارة المعادلة السياسية هي التي اختلفت فقط.

بيت القصيد، والنقطة الجوهرية المراد هنا الوصول إليها، أنّ الإصلاح السياسي ضروري اليوم، بل هو طوق النجاة للدول، وأعني الإصلاح الحقيقي الجوهري - الديمقراطي، لكننا نحتاج إلى إصلاحات مالية واقتصادية واجتماعية وثقافية متوازية ومتزامنة، وإلى ثقافة جديدة تقوم على مفهوم سيادة القانون، المواطنة، والحاكمية الرشيدة التي تستند إلى منظومة مساءلةٍ وطنيةٍ قوية.

الإصلاح الاقتصادي وحده غير كافٍ؛ الإصلاح السياسي أيضاً غير كافٍ، فلا مفاضلة بين هذا وذاك، فكلاهما ضروري، وما هو أكثر ضرورةً إصلاحات تعليمية وثقافية ودينية.

- د.محمد أبورمان، كاتب أردني باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية.

المصدر | العربي الجديد