مع اقتراب الانتخابات النصفية لأعضاء الكونغرس مطلع نوفمبر المقبل، يزداد دونالد ترامب انفعالاً وعصبية، وتتخذ مواقفه وقراراته وجهات ربما لم تعد مستهجنة لأنها تتكرّر، لكنها مثيرة لشكوك خطيرة في الولايات المتحدة والعالم.

يريد ترامب أن يبرهن للناخبين أنه استطاع– خلال عشرين شهراً في البيت الأبيض– تحقيق أهداف شعارَيه «أميركا أولاً» و«أميركا أقوى مجدداً»!

ولكن كيف؟

بالعقوبات على أنواعها، سواء التجارية كزيادة الرسوم والجمارك على واردات أميركا من الصين وأوروبا وكندا وغيرها، أم السياسية التي تضرب روسيا وإيران وتركيا، فضلاً عن السلطة الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا».

ما يشجّعه في ذلك أن «مؤسسة» الحكم في واشنطن لم تعترض إجراءاته، التي تجد لها قبولاً صريحاً أو مكتوماً في الكونغرس من خلال توزّع أعضائه بين غالبية مستفيدة، وأقلية غير مستفيدة بقي صوتها ضعيفاً ضد قرارات ترامب التي يتقبلها الجمهور على أنها «استرداد» لأموال أميركية مضيّعة أو مسلوبة.

قد تكون الانتقادات الإعلامية العميقة لترامب ونهجه، أقامت توازناً مع النزعات الشعبوية المؤيدة له، لكن الواقع يُظهر أن الرئيس استفاد من الانقسام المجتمعي الذي برز فور انتخابه، ولم يسعَ إلى رأبه بل إلى توسيعه.

ساعده في ذلك أن معارضيه في الحزب الديمقراطي لم يصعّدوا بعد أية زعامة جديدة قادرة، ولم يطرحوا سياسات بديلة، وأن محازبيه الجمهوريين تكيّفوا مع سياساته لحصد مكاسب خاصة بالتكيّف، أو استندوا إلى شعبويته – ولو كانت متقلّبة – للاحتفاظ بناخبيهم.

كالعادة لن تكون السياسة الخارجية محور الاختبار الحاسم في انتخابات نوفمبر، بل السياسة الاقتصادية، وما إذا كانت حققت تقدماً في زيادة فرص العمل، وتعزيز مستوى الأمان للشركات التي شارفت على الإفلاس.

وفي هذا المجال تتعدد التحليلات والأحكام، وإذا كانت استطلاعات الرأي تستدعي الحذر من نتائجها، فإن مؤشراتها الراهنة تقلق البيت الأبيض.

لذلك أكثر ترامب أخيراً من إطلاق تغريداته المتحدية، وبات التغريد «التويتري» معبّراً أساسياً عن السياسات المربكة لطواقم إدارته حين تحاول تطبيقها، وفقاً للشرح التفصيلي الذي يقدمه بوب وودورد في كتابه «خوف»، كذلك وفقاً للتوصيفات التي حملتها انتقادات السيناتور الراحل جون ماكين.

بين التغريدات الأخيرة اثنتان تسترعيان النظر، الأولى يطالب فيها دول منظمة «أوبك»– المحتكرة لسوق النفط – بـ«دفع الأسعار إلى الانخفاض الآن» بلغة الأمر، وبلهجة التهديد: «نحن نحمي دول الشرق الأوسط، ومن غيرنا لن يكونوا آمنين»، سبق لإدارات أميركية أن وجّهت تهديدات مماثلة خلال محادثات حكومية مع شيء من التفهم للاعتبارات التجارية البحتة، أما ترامب فبات يغلّب ما يريده شخصياً على أي اعتبار آخر.

وإذا كانت التغريدة الثانية خلت من الوقاحة، فإنها اعتمدت تحريض الأميركيين على الصين، فقد فرض ضريبة 10% على سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار، ولما ردّت بكين بالمثل اتهمها بمحاولة «التأثير في انتخاباتنا عبر مهاجمة مزارعينا وأصحاب مزارعنا وعمالنا الصناعيين»، كيف؟ «بسبب ولائهم لي»!

ثمّة منحى استبدادي – والبعض يقول دكتاتوري – لدى ترامب، برز خصوصاً في شأن الهجرة والمهاجرين، وكانت عشرات التحليلات دلّت على ميوله مستشهدة بانجذابه إلى فلاديمير بوتن وكيم جونغ أون وغيرهما.

لكن ها هي موسكو تتهمه بتهديد «الاستقرار العالمي» و»اللعب بالنار»، وتتهمه أيضاً بتوجيه «ضربة قاصمة لـ «التسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل»، وبالطبع هناك تحذيرات كثيرة ويومية داخل أميركا، بينها ما كتبته هيلاري كلينتون أخيراً: «ليست هناك دبابات في الشوارع، لكن مؤسساتنا الديمقراطية ومستقبلنا محاصران».

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني