الاثنين 1 أكتوبر 2018 04:10 ص

كان للسياسة دور في تعرّض الليرة التركية لأزمة حقيقية، أدت إلى فقدانها أكثر من 60% من قيمتها منذ بداية العام الجاري، لكن مع نهاية تعاملات الخميس 27 سبتمبر 2018، ارتفعت الليرة أمام الدولار الذي تراجع سعره إلى أقل من 6 ليرات.

 

ويُعزى التحسن في سعر الليرة لعدة عوامل، على رأسها العوامل السياسية. فمنذ عدة أيام وتصريحات المسؤولين الأتراك تنم عن أن ثمة حلحلة لقضية القس الأميركي المحددة إقامته في تركيا، وإن كان فحوى تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن "قضية القس سوف يبت فيها القضاء وليس الساسة".

إلا أنه فهم من التصريحات أن الأمر في طريقه إلى انفراجة في العلاقات السياسية التركية الأميركية، خاصة بعد تصريحات ترامب والإدارة الأميركية التي أثنت فيها على إدارة تركيا للأزمة في إدلب، بل واستعداد أميركا لدعم الموقف التركي في المدينة السورية.

ولم يكن لتصريحات ترامب أن تخرج منفردة حول إدلب، ما لم يكن هناك تحسّن في باقي الملفات التي مثلت نقاطا ساخنة في العلاقة بين البلدين خلال الفترة القليلة الماضية.

كذلك كان لتصريح أردوغان في أميركا، خلال لقائه مع مجلس الأعمال الأميركي التركي "بأن الشراكة الاستراتيجية بين أنقرة وواشنطن ستجتاز فترة اضطراب العلاقات الثنائية، كما حدث في الماضي"، دلالاته الإيجابية على تحسّن سعر الصرف.

فالتأكيد على استراتيجية العلاقة بين البلدين من قبل أردوغان يصب في إطار سيناريو تحسّن العلاقات بين البلدين خلال الفترة القليلة القادمة.

وكان واضحًا أيضًا عامل سياسي آخر، لتحسن أداء سعر الليرة، وهو بدء أردوغان زيارته لألمانيا، والتي استغرقت ثلاثة أيام بدءًا من الخميس 27 سبتمبر، وهي زيارة لها دلالتها، وإن كانت تحمل طابعًا اقتصاديًا، إلا أن دلالاتها السياسية واضحة.

فألمانيا تعد الشريك الأول لتركيا في العديد من المجالات، مثل التبادل التجاري والاستثمارات المباشرة، وكذلك حركة السياحة، وهو ما يعني أن ثمة انفراجة في علاقات تركيا الخارجية، من شأنها تحسين المناخ الاقتصادي.

فحجم التبادل التجاري السلعي بين البلدين بلغ 36.4 مليار دولار، بنهاية 2017، بفائض تجاري لصالح ألمانيا 6.2 مليارات دولار.

وألمانيا، والاتحاد الأوروبي بشكل عام، ساندا تركيا في أزمتها الاقتصادية منذ البداية، إلا أن الخطوة الأخيرة التي اتخذتها تركيا بشأن إدلب، من شأنها أن تستدعي المزيد من المساندة.

فنجاح أنقرة في إدارة هذا الملف، يعني منع تدفق نحو 3 ملايين مهاجر إلى أراضيها، وبالتالي تهديد محتمل بنسبة كبيرة إلى تدفق موجات من الهجرة غير الشرعية من الأراضي التركية إلى ألمانيا وأوروبا بشكل عام.

وبقدر ما ستسمح السياسة بتهدئة الأزمة الاقتصادية بشكل عام، وأزمة الليرة بشكل خاص، إلا أن هناك بعدا آخر سيمثل تحديًا لتركيا على الصعيد السياسي، وسيكون له مردود اقتصادي، وهو أنه قد يطلب من تركيا اتخاذ خطوات تجاه مقاطعة إيران، والامتناع عن استيراد الغاز الطبيعي والنفط من طهران.

وكانت تركيا قد أعلنت من قبل أنها ترفض هذه الإملاءات من قبل أميركا، باعتبار أن العقوبات الأميركية على إيران لم تصدر من الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن، لكن علينا أن نعي أن الأمر في النهاية يخضع لمواءمات وموازنة بين المصالح.

فقد تراعي تركيا أوضاعها الاقتصادية، والهزة العنيفة التي ألمّت بها، بعد الصدام السياسي مع أميركا، والذي اتخذ بعدًا اقتصاديًا بشكل كبير، عبر فرض العقوبات على بعض السلع المصدرة لأميركا، وعقوبات على وزراء أتراك، وكل ذلك حمل آثارًا أكثر سلبية على الاقتصاد التركي، وما حمله من دلالات لتصعيد النزاع بين البلدين.

 

ضبط مطلوب

رغم حالة التفاؤل التي يمكن أن تبنى على سيناريو التهدئة السياسية بين تركيا وأميركا، عبر العديد من الملفات، إلا أن ذلك لا يعني أن ما تم اتخاذه من خطوات تتعلق بإصلاح السياسة الاقتصادية في تركيا، لم يعد مهمًا، أو يمكن إهماله في قضية التحسن الأخير لسعر الليرة.

بل على العكس، لربما من فوائد هذه الأزمة أنها نبّهت متخذي القرار وصانع السياسة الاقتصادية في تركيا، إلى ضرورة إجراء هذه الإصلاحات، والاستمرار في ضبط بعض المؤشرات الاقتصادية المهمة:

مثل ترشيد الواردات، وتوجيه الاستثمارات المحلية والأجنبية للصناعات عالية التكنولوجيا، وتبني سياسة إحلال الواردات في بعض السلع التي يمكن إنتاجها محليًا ومن دون الحاجة للاستيراد.

ونبهت الأزمة صانع القرار التركي، كذلك، إلى ملف الديون الخارجية للقطاع الخاص، وما يتبعه من التهديد بوجود أوراق ضغط خارجية، لإدارة هذا الملف مع غيره من الملفات التي أظهرت فيها أزمة الليرة نقاط الضعف، تستلزم الاستمرار في الإصلاحات الاقتصادية، التي من شأنها أن تحقق لتركيا أمرين هامين:

- الأول إعادة التوازن الاقتصادي والاستمرار في مشروع التنمية،

- الثاني تقوية أواصر الاقتصاد التركي بمواجهة أزمة مالية عالمية محتملة بحيث يقوم صانع السياسة بإعداد الإجراءات اللازمة للسيناريوهات الأسوأ لتوقعات أزمة مالية عالمية قادمة، خلال السنوات الخمس المقبلة.

إن ما اتخذته الحكومة التركية من إجراءات على صعيد سعر الفائدة وتأجيل الدخول في بعض المشروعات الكبرى التي لم يتم البدء فيها بعد، أو الأمور الأخرى المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية، المباشرة وغير المباشرة، ساعد بالفعل في تحقيق نجاح تمثل في وقف المزيد من تراجع الليرة.

 

استشراف المستقبل

لا تزال الخطوات الإيجابية في شأن العلاقات السياسية بين تركيا وأميركا في مهدها، وحتى يكون لها دور في تحسّن الأوضاع الاقتصادية في تركيا، يستلزم الأمر الانتظار بعض الوقت، خاصة بعد 12 أكتوبر القادم، ومعرفة مصير القس الأميركي، وغيره من الملفات، مثل استمرار تركيا في صفقات التسليح من روسيا، ولذلك فمنتصف أكتوبر القادم قد يكون بداية لمزيد من التحسن في سعر الليرة أو العكس.

تعد أزمة الليرة التي مرت بها تركيا منذ مطلع أغسطس 2018، واحدة من المحطات المهمة، التي لم يشهدها الاقتصاد، منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، ولذلك سيكون لها ما بعدها، عندما تجتازها الحكومة، لتتجنب أسبابها، ولتعيد تقدير أدائها الاقتصادي محليًا، وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي.

فتركيا ما زالت تستهدف أن تكون ضمن أقوى عشرة اقتصادات على مستوى العالم مع حلول 2023، أي بعد 5 سنوات، ولن يتأتى لها ذلك إلا عبر تجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية، والانطلاق بمعدلات للنمو الاقتصادي تتجاوز التقديرات التي أعلنت من قبل الحكومة خلال الأيام الماضية.

ينبغي أن تكون خطوات الانفتاح محسوبة، وأن يكون الاعتماد على الذات صاحب النصيب الأوفر في التخطيط الاقتصادي، وأن تكون هناك نقلة في اقتصادات القيمة المضافة العالية، وليس فقط الوقوف على معدلات متقدمة بالصناعات التقليدية كما كان من قبل.

* عبد الحافظ الصاوي باحث وكاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد