الجمعة 5 أكتوبر 2018 12:10 م

كان التاريخ يشير إلى مايو/أيار 2017، وكان السعوديون يشعرون بتوتر متزايد.

فلأكثر من عامين، كانوا يعتمدون بشدة على الدعم العسكري الأمريكي والذخائر الأمريكية لهزيمة المتمردين الحوثيين في اليمن.

في ذلك التوقيت، كان مجلس الشيوخ يدرس قرارا من الحزبين الديموقراطي والجمهوري بقطع المساعدات العسكرية ووقف بيع كميات كبيرة من القنابل أمريكية الصنع إلى السعودية.

ورغم الأدلة المتزايدة على أن الحملة الجوية المدعومة من الولايات المتحدة في اليمن كانت تستهدف المدنيين، تبين أن الحكومة السعودية لديها السلاح اللازم لإبقاء تدفق تلك القنابل وأنواع أخرى من المساعدات، ألا وهو جيشها من جماعات الضغط.

في ذلك العام، ضم أسطول المملكة في واشنطن أعضاء في أكثر من 20 من شركات الضغط والعلاقات العامة.

وكان من أبرزهم "مارك لامبكين"، الشريك الإداري لمكتب واشنطن في شركة "برونشتاين حياة فاربر شريك"، وهي الشركة التي حصلت على نحو نصف مليون دولار من الحكومة السعودية في 2017.

وتبين سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، "فارا"، أن "لامبكين" اتصل بمكاتب أعضاء مجلس الشيوخ أكثر من 20 مرة حول هذا القرار، متحدثا، على سبيل المثال، مع المدير التشريعي السيناتور "تيم سكوت"، في 16 مايو/أيار 2017.

وفي 13 يونيو/حزيران، صوت "سكوت" مع غالبية زملائه في مجلس الشيوخ لصالح السماح للسعوديين بالحصول على قنابلهم.

وبعد مرور عام، ورد أن القنابل المصرح بها في ذلك البيع تم استخدامها في غارات جوية قتلت مدنيين في اليمن.

ولا عجب في أنه وبفضل جهوده في هذا العمل وغيره، حصل "لامبكين" على مكان في قائمة "أقوى وكلاء الضغط لعام 2017" التي قامت بتجميعها "واشنطن بابليكيشن".

ولم تكن قصة "لامبكين" استثنائية فيما يتعلق بالجهات التي تعمل نيابة عن السعودية، لكنها كانت القاعدة.

إذ وظفت الحكومة السعودية عددا كبيرا من جماعات الضغط ساعد في إقناع أعضاء الكونغرس والرئيس بتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان الصارخة والإصابات بين المدنيين في اليمن.

ووفقا لتقرير صادر عن برنامج مبادرة الشفافية حول التأثير الأجنبي، التي يقوم عليها مركز السياسة الدولية، قام وكلاء أجانب مسجلون يعملون نيابة عن مصالح المملكة بالاتصال بممثلي الكونغرس والبيت الأبيض ووسائل الإعلام والشخصيات المؤثرة ومراكز الفكر أكثر من 2500 مرة في 2017 فقط.

وفي هذه العملية تمكنوا أيضا من المساهمة بنحو 400 ألف دولار دخلت خزائن أعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء مجلس النواب، لحثهم على دعم السعوديين.

وتم تقديم بعض هذه المساهمات في نفس اليوم الذي تم فيه تقديم طلبات لدعم مبيعات الأسلحة تلك.

ويعد دور "لامبكين" مجرد قطعة فرعية صغيرة في القصة الواسعة والمستمرة من الأموال السعودية في واشنطن.

وستستمر القصة في الأسابيع المقبلة؛ حيث يعمل اللوبي السعودي على منع جهود الكونغرس الجديدة لإنهاء المشاركة الأمريكية في الحرب الكارثية في اليمن.

اللوبيات تهيمن

وتكمن جذور صعود هذا اللوبي إلى الصدارة في واشنطن في أعقاب الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وكان 15 من هؤلاء الخاطفين الانتحاريين الـ19 من السعوديين، ولم يكن من المستغرب أن يتحول الرأي العام الأمريكي ضد المملكة.

وردا على ذلك، أنفقت العائلة المالكة السعودية القلقة نحو 100 مليون دولار على مدى عقد من الزمان لتحسين صورتها والاحتفاظ بنفوذها بالعاصمة الأمريكية.

وأثبتت عملية الضغط هذه نجاحا حتى عام 2015، قبل أن تتوتر العلاقات مع إدارة "باراك أوباما" بشأن الاتفاق النووي الإيراني.

وعندما فاز "دونالد ترامب" بالرئاسة، عد السعوديون ذلك فرصة لا مثيل لها، وأطلقوا حملة هائلة قوية لاستمالة الرئيس المنتخب حديثا، والكونغرس الذي يقوده الجمهوريون؛ ما كلفهم بالطبع الكثير من المال.

ونتيجة لذلك، كان نمو عمليات الضغط لصالح المملكة غير عادي.

وفي 2016، وفقا لسجلات "فارا"، أنفقت المملكة أقل بقليل من 10 ملايين دولار على شركات الضغط.

وفي 2017، تضاعف هذا الرقم 3 مرات تقريبا ليصل إلى 27.3 مليون دولار.

وهذا مجرد رقم أساسي لعملية أكبر بكثير من أجل شراء النفوذ في واشنطن؛ حيث أنه لا يشمل مبالغ كبيرة يتم منحها لجامعات النخبة أو مؤسسات الفكر والرأي، مثل معهد دول الخليج العربي، ومعهد الشرق الأوسط، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، على سبيل المثال لا الحصر.

وسمح هذا الارتفاع الكبير في الإنفاق للسعوديين بزيادة عدد جماعات الضغط التي تمثل مصالحهم بشكل كبير.

وقبل أن يتولى الرئيس "ترامب" منصبه، وقعت الحكومة السعودية صفقة مع مجموعة "مكيون"، وهي شركة ضغط برئاسة "هاورد باك ماكيون"، الرئيس الجمهوري السابق للجنة الشؤون العسكرية في مجلس النواب.

وتمثل شركته أيضا شركة "لوكهيد مارتن"، وهي واحدة من أكبر مزودي المعدات العسكرية للمملكة.

وعلى الجانب الديمقراطي، وقع السعوديون عقدا بقيمة 140 ألف دولار شهريا مع مجموعة "بوديستا"، برئاسة "توني بوديستا"، الذي كان شقيقه "جون" الرئيس السابق لحملة "هيلاري كلينتون" الرئاسية.

وقام "توني بوديستا" في وقت لاحق بحل شركته، وزعم أنه تم التحقيق معه من قبل المستشار الخاص "روبرت مولر"؛ بسبب عمله كوكيل أجنبي غير مسجل.

وتمت إضافة كل هذه القوة الجديدة إلى ترسانة هائلة بالفعل من جماعات الضغط ووسطاء النفوذ المؤثرين، بما في ذلك عضو مجلس الشيوخ الجمهوري وزعيم الأغلبية السابق "ترينت لوت"، والسيناتور السابق "نورم كولمان"، رئيس شبكة العمل الأمريكية المؤيدة للحزب الجمهوري.

وخلال 2017، وقعت السعودية 45 عقدا مختلفا مع شركات مسجلة في "فارا"، وتم تسجيل أكثر من 100 شخص كوكلاء أجانب للسعودية في الولايات المتحدة.

ويكشف هذا النشاط عن نمط واضح؛ فالوكلاء الأجانب للسعودية يعملون بلا كلل من أجل تحسين صورة تلك البلد، وأفراد عائلتها المالكة، وسياساتها، وخاصة حربها الكئيبة في اليمن، بينما يعملون في الوقت نفسه على إبقاء تدفق الأسلحة الأمريكية والدعم العسكري الأمريكي إلى المملكة.

وعلى الرغم من أن مصطلح "وكيل أجنبي" غالبا ما يستخدم كمرادف للعاملين في مجال الضغط، فإن جزءا من العمل الذي يقوم به ممثلو المملكة هنا يشبه نشاط العلاقات العامة، أكثر من كونه مجرد ممارسة ضغط مباشر.

على سبيل المثال، في 2017، أبلغ الوكلاء الأجانب السعوديون عن الاتصال بالمنافذ الإعلامية أكثر من 500 مرة، بما في ذلك التواصل مع المؤسسات الكبرى مثل صحيفة "نيويورك تايمز"، و"واشنطن بوست"، وصحيفة "وول ستريت جورنال"، وقناة "بي بي إس"، التي بثت عدة أفلام وثائقية عن المملكة، وصحف أصغر، مثل "بيتسبرغ بوست"، ومنافذ أكثر تخصصا، مثل "إي إس بي إن"، على أمل الترويج لقصص إيجابية.

ومن الواضح أن صورة المملكة في الولايات المتحدة كانت المعنية بتلك التحركات.

ومع ذلك، يركز نصيب الأسد من النشاط على القضايا الأمنية ذات الأهمية لأفراد العائلة المالكة.

على سبيل المثال، اتصل الوكلاء السعوديون بالمسؤولين في وزارة الخارجية، التي تشرف على معظم عمليات نقل ومبيعات الأسلحة ما يقرب من 100 مرة في 2017، وفقا لبيانات "فارا".

لكن قبل كل شيء، كان تركيزهم على الكونغرس، خاصة الأعضاء الذين لهم أقدمية في اللجان الرئيسية.

وفي الفترة ما بين أواخر عام 2016 ونهاية عام 2017، اتصلت جماعات الضغط السعودية بأكثر من 200 من أعضاء الكونغرس، بما في ذلك كل عضو في مجلس الشيوخ.

تمويل الحملات السياسية

ومثلما يوجد نمط واضح فيما يتعلق بالاتصال بممثلي الكونغرس، الذين قد يساعدون وكلاء السعودية، فهناك نمط واضح لتدفق أموال الضغط لنفس أعضاء الكونغرس.

وتسرد مستندات "فارا"، التي تسجل جميع الأنشطة السياسية للوكلاء الأجانب، مساهمات مالية في الحملات السياسية.

وأجرى برنامج "مبادرة الشفافية حول التأثير الأجنبي" تحليلا لجميع مساهمات الحملات التي تم الإبلاغ عنها في إيداعات عام 2017 من قبل الشركات التي تمثل المصالح السعودية؛ حيث وجد أن أكثر من ثلث أعضاء الكونغرس الذين اتصلت بهم شركة ضغط، تلقوا أيضا مساهمات مالية لحملاتهم من وكلاء أجانب في تلك الشركة.

وإجمالا، وفقا لوثائق "فارا" الخاصة بعام 2017، قام وكلاء أجانب في الشركات التي تمثل السعودية بتقديم 390 ألف و496 دولارا أمريكيا كمساهمات في الحملات الخاصة بشخصيات في الكونغرس، نيابة عن السعوديين.

وفي حين قد يجادل البعض بأن مثل هذه المساهمات تشبه الرشوة إلى حد كبير، إلا أنه يتبين أنها قانونية تماما.

ولا يحظر أي قانون مثل هذا الفعل، وبينما يحظر على الأجانب وحكومات الدول الأجنبية تقديم مساهمات في الحملات السياسية، يمكن التغلب على هذا بشكل بسيط؛ حيث تستطيع أي قوة أجنبية تأمل في ملء جيوب السياسيين الأمريكيين أن تقوم فقط بتوظيف مجموعة ضغط محلية للقيام بذلك نيابة عنهم.

وكما كتب "جيمي ويليامز"، وهو مسؤول سابق في جماعات الضغط: "اليوم يعمل معظم أعضاء جماعات الضغط في نظام تغلفه الرشوة لكنها رشوة من النوع القانوني".

اللوبي السعودي اليوم

وبالانتقال بسرعة إلى أواخر 2018، نجد أن نفس اللوبي يقاتل الآن بقوة لمنع مجلس النواب من النجاح في جهوده لإنهاء الدعم الأمريكي للحرب السعودية في اليمن.

وهم يغمرون مكاتب الكونغرس بطلباتهم؛ حيث يطالبون الكونغرس بتجاهل أكثر من 10 آلاف مدني تم قتلهم في اليمن، والقنابل الأمريكية التي تسببت في العديد من الوفيات، وحرب أهلية أدت إلى عودة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

وربما يستشهدون في ذلك بشهادة وزير الخارجية "مايك بومبيو"، مؤخرا، بأن السعوديين يتخذون الآن الخطوات اللازمة لمنع المزيد من الضحايا المدنيين.

وما لا يُحتمل أن يذكروه هو أن شهادة "بومبيو" كانت مدفوعة من قبل رئيس فريق الشؤون التشريعية في وزارة الخارجية، الذي تصادف أنه عميل أجنبي سابق لدى "بي جي آر للشؤون الحكومية"، وهي واحدة من 35 شركة مسجلة لدى "فارا" تعمل لصالح السعودية في هذه اللحظة.

وتستخدم جماعات الضغط هذه الجيوب العميقة للعائلة المالكة السعودية لنشر دعايتها، وتسليط الضوء على العمل الخيري الذي تقوم به الحكومة في اليمن.

لكن ما يخفقون في التأكيد عليه هو الحصار السعودي لليمن، والغارات الجوية المدعومة من الولايات المتحدة، التي تقتل المدنيين في حفلات الزفاف والجنازات ورحلات الحافلات المدرسية، وغيرها من الأحداث المدنية.

ويساعد كل هذا، بالإضافة إلى ما سبق، على خلق مجاعة بشعة، وكارثة محتملة من النوع الأكثر مأساوية، ويخلق السبب في الحاجة إلى مثل هذه المساعدات الإنسانية.

وفي النهاية، حتى لو لم تكن الحقائق في صالح السعوديين، فإن الدولار أثبت أنه الحقيقة الأكثر إقناعا بشكل ملحوظ في واشنطن، حيث تدفقت أموال وفيرة من السعودية إلى المقاولين العسكريين الأمريكيين (الذين يجنون مليارات الدولارات لبيع الأسلحة إلى المملكة)، وإلى شركات الضغط، وعبر تلك الشركات مباشرة إلى خزائن أعضاء الكونغرس.