الاثنين 29 أكتوبر 2018 11:10 م

تتهاوى الحصون العربية الأخلاقية اليوم، في منطق الأمة الواحدة والوطن القُطري بصورة غير مسبوقة، غير أن وصول أنظمة الاستبداد إلى مرحلة السادية الوطنجية التي تهيمن على خطاب أقطار عديدة تجاه أي قوى ديمقراطية أو إصلاحية في الداخل، أو ضد أي دولة عربية أو أجنبية تشتبك سياسيا مع الدولة العربية (أ) أو (ب)، سبقته منهجية توحش حقيرة وخبيثة، في صناعة صنم "وطنجي"، يطوف به الرأي العام قهراً أو ترغيبا، ويقال له ما عدا ذلك فهي خيانة وطنية، فبقدر ركوعك للمستبد أنت وطني.

والغريب أن التحريض المنحط تورّطت فيه الخطابات، اليساري والقومي والإسلامي. ولذلك فنحن اليوم أمام أزمة فكرية وأخلاقية. وفيما السادية الوطنجية أيضاً عاشتها تجارب غير عربية، إلا أن التمسّك بصنمية الفرد تكثفت عربيا، وإن كانت خسائر الإنسان فيها فادحة، سواء كانت في مناطق كوريا الشمالية، أو تركستان الصينية، أو حيث عاد بشار الأسد إلى شرعية حكم جديد، بعد أن كان المحققون يغتالون عشرات الآلاف من الشعب، بعد أن ينطقوهم الشهادة بتوحيد الزعيم إلها لا حاكما وحسب.

ثم جاءت أزمة الخليج والتوحش السلوكي واللفظي للمختلفين مع توجهات أزمة الخليج ومشروع الرياض وأبوظبي الجديد، حتى يخيّل للإنسان أن بعض كتل التواصل الاجتماعي ثلة من مخلوقات استدعيت من غابات، لا مواطن كرامة إنسانية أو جغرافيا بشرية. وهكذا أدخل الوطن العربي في سباقٍ من توحش الاتهامات والردود، وإن كنّا لا نشمل كل الشعوب بالمستوى البذيء نفسه، لكن الكارثة أن تكون المرجعية هنا سياسية قائمة على صنمية الحاكم، لا أخلاقية مطلقا، وهنا علينا العودة إلى منصة الخطاب الأخلاقي، ما علاقتها بالقضية.

لقد اعتمد سؤال الفلسفة قديماً على معنيين يخصّان الرحلة البشرية: الأول مسألة الوجود وعلاقته بسؤال الروح ورحلة الإنسان، الإقرار بالخالق أو ماهية الوجود، ثم كيف تنشأ منظومة الأخلاق في رحلة الحياة. والعجيب الملهم أن الخطاب الديني في الإسلام يعزّز قيم الأخلاق منفصلة عن اعتقاد الإنسان أياً كان، وأن نبي الإسلام العظيم جعل رسالته تتمةً للمنظومة الأخلاقية للكتب السماوية، وقس على ذلك مئات النصوص.

أي أن البعد الفلسفي المجمع عليه لمهمة الفلسفة القديمة والمعاصرة ذات قاعدة صلبة، في إقرار الأخلاق مرجعا موحّدا بين البشر، والقبول به معياراً. وكان ابن رشد الفيلسوف يدور حول هذا المفهوم، في كتابه التاريخي "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال" (الحكمة لدى الفلاسفة الإسلاميين تعني الفلسفة)، حين يعتذر لمسائل الخلاف بين الطرفين، في لغةٍ راقيةٍ متقدمةٍ على ذلك التاريخ.

وفي تقديري المتواضع، لا يزال بعض فلسفة ابن رشد لم يُفقه من بعض ناقديه، المتهمين له بالتقليد لأرسطو من دون إبداع، أو المستصغرين لغته أمام فلاسفة العصر. وأعتمد هنا على فهمي المباشر لقواعده الخاصة، والأرضية التي ينطلق منها.

لكن ما يهم هنا أن ما يطلق عليه مصطلح المذهب الأخلاقي في الفلسفة ليس مذهبا حقيقة، بل هو قاعدة توافق حضاري تسلسلت بصورة طبيعية، فالبعد الأخلاقي، بالمفهوم العام للفلسفة، قديم، نظمه الفلاسفة العرب، ودخلت بعده أوروبا في ازدحام من المذابح الداخلية، قبل أن تنظّم بُعدها الأخلاقي، والذي عجز، حتى اليوم، عن تطبيقاته مع العالم الجنوبي الآخر.

وما يهمنا هنا بالدرجة الأولى كيف نعيد تزكية الخطاب الثقافي العربي، ليكون مساهماً في نقل العقل العربي المأزوم من علاقته الذاتية بنفسه وأسرته ومواطنيه، ثم الأسرة البشرية عبر الأرومة العربية.

وكيف يتحوّل الضمير الإنساني العربي، حتى الذي تحت سيف الاستبداد إلى ضبط أخلاقه وسلوكه النفسي مع الناس، والذي يمكن ملاحظة نماذجه في أي بلد وأي دين وأي عرق، بل وأي صحراء ومدينة، فتلاحظ أقواماً ردّهم نبلهم عن فاحشة القول، على الرغم من اختلافهم السياسي والديني، ولكن لسانهم انضبط وتأدب بسلوك ذاتي.

من زرع فيهم هذه الأخلاق؟ من نَشَّأَهم على ذلك؟ ولماذا ينحّط واعظ مأجور يردّد أحاديث الرسول ليلاً نهاراً، ولا تنهاه عن فجوره وعنصريته، فيما يأتي رجل متدين من أقصى المدينة، يستحي من عشر ما يقوله هذا الواعظ المأفون؟

ولماذا يتصدّر الحزبي الأيديولوجي في أي معسكر قومي أو يساري منصّة اللعن والقذف الشائن، وينصرف عنها شاب يساري، يرسم طريقة عروبته باستقلال أخلاقي لكفاح الإنسان العربي.

لا علاقة لذلك باللحى ولا التقدمية المزيفة. إنها بسيطة أخلاقية، نشأت عند الفرد من منظومتين: الأولى خُلق العائلة وأدبها اللذين يتحولان إلى قناعة بأن السلوك الأخلاقي مضادٌ يمنع المستمع من الولوج إلى أودية الكراهية والسادية العنصرية، والتي تتحرّك بها محنة الخليج العربي اليوم لسبب سياسي.

أما السبب الثاني فإن رصيد القرءة والاستماع لهذا الشاب كان من ضمنها، مكتبة رصينة ومنابر معتبرة، عزّزت فيه معنى الخلق والقيم، وأن الإنسان هو الوطن، والروح في الوطن هويتها الأخلاق، ومن لا أخلاق له لا هوية له. ولذلك يُعيد المستبدّ توظيف الوطن لصالح الصنم، والعقل ليكسر أمام الجهل، ثم يَبُثُ في جوفه على الناس، فيحقن الطقس بهذا التلوث المنحط.

المهمة الجمعية اليوم للمثقفين العرب، بغض النظر عن موقعهم أو حضورهم، من كان لهم مقال واحد أو رزمة من الكتب، المساهمة في عودة السلوك والاستشعار الأخلاقي وتطبيعهما. وقد يكون من أهم أسباب تمكّن تحالف الاستبداد والجهل من وطننا العربي غياب الأخلاق الذي شرّع للجرائم السياسية، وهو ما يعني أن أول مهام الحرية العربية المسألة الأخلاقية.

* مهنا الحبيل كاتب عربي مستقل مقيم في كندا.

المصدر | العربي الجديد