الأربعاء 31 أكتوبر 2018 01:10 ص

على مدى ثماني سنوات تحولت سوريا بمن فيها إلى مقبرة لجثث السوريين، فثمة مئات الآلاف من الجثث المجهولة قضت تحت قصف الاحتلالات الداخلية والخارجية، ولا يزال القاتل طليقاً معروفاً لدى العالم كله.

بل والعجيب لا يزال هذا العالم يتعامل معه صباح مساء، ويتعامل مع مشروعه اليومي المختزل بأنه مشروع جثث للماضي والحاضر والمستقبل، وغدا شعار السوريين إنما جثة الغد تودّع جثة اليوم.

وبعد كل هذا لا يزال العالم المنافق يتساءل عن حق السوريين بتقرير مصير بشار الأسد، ولا أدري إن كان من قضوا بقصف الطائفيين يحقّ لهم أن يصوّتوا ضد الطاغية.

ألم يكفِ العالم كله تصويتهم بدمائهم وجثثهم على مدى ثماني سنوات ومن قبلها ضد أبيه؟!

ألم يكفِ العالم تصويت اثني عشر مليون مشرد بأرجلهم يوم رفضوا اللبث بين ظهراني سفاح استجلب كل حثالات الأرض لقتل الشعب السوري واحتلال أرضه وتغيير ديمغرافيته ؟!

ألم يكفِ العالم تصويت أكثر من نصف مليون معتقل ومعذّب ممن قضى بعضهم في سجون الديكتاتور حيث صوّتوا بصرخاتهم وعذاباتهم؟!

والصور التي سرّبها العميل سيزر «قيصر» شاهدة على جرائم العصر؛ لكنها للأسف فشلت في تحريك ضمير عالمي ميت!

لا يزال هذا العالم المنافق يتساءل عن مصير بشار، بعد أن اختصر أعظم ثورة بشرية ربما بدستور يكتبها له غيره وهو الذي علّم العالم أبجدية الياسمين!

لا يزال العالم أيضاً يستجدي بأن يفكّ الحصار، لكن ليس على المدن وإنما يفكّ حصاره الظالم على مخيم الركبان وسط انهيار قيم العالم كله فيه!

فقد عجز عن إيصال لقمة غذاء أو شربة ماء أو دواء إلى عشرات الآلاف من المحاصَرين الذين يقضون موتاً بسبب الجوع والعطش والمرض في ظل مداهمة فصل الشتاء لهم.

ولا يزال يتراكض من يفترض تمثيله للمعارضة السورية إلى موسكو، بينما كان عليه أن يهرع إلى إنقاذ أهلنا وشعبنا في مخيم الركبان، ولكن للأسف آثر أن يلتقي مع قادة روسيا عوضاً على أن يلتقي أهلنا المحاصَرين في مخيم الركبان.

وعوضاً أن يطرق أبواب العالم كله ويضعه أمام مسؤولياته من أجل فكّ الحصار عن «مخيم الموت» (الذي هو مخيم الركبان) والذي يحاصر القتلة فيه عشرات الآلاف من المشردين نساءً وأطفالاً!

كلنا يطالب بجثة الشهيد جمال خاشقجي، وهذه أبسط حقوق البشر، فإكرام الميت دفنه، وهي مطالبة حقة.

لكن ما ميّز جثة الشهيد جمال خاشقجي عن غيره من الجثث التي قضت حرقاً وقتلاً واغتيالاً على أيدي الطائفيين في لبنان منذ أيام سليم اللوزي وكمال جنبلاط ورفيق الحريري وسمير قصير وغيرهم كثير، إلى المعارض السوري صلاح الدين البيطار في فرنسا وبنان الطنطاوي في ألمانيا وغيرهم كثير، هو أن جمال خاشقجي اغتيل في تركيا حيث وجد من وقف إلى جانبه وطالب بجثته وبالقصاص من قتلته.

بينما من قضوا في تلك العواصم لم يجدوا من يطالب بالقصاص لهم، ولا من يلاحق قتلتهم؛ ولذلك غابوا وسرحوا ومرحوا في طول العالم وعرضه، وواصلوا هوايتهم بالقتل والإجرام.

والقصاص من القاتل بشار الأسد اليوم هو لمنع تكرار الجريمة مجددا بحق شعب أو أرض، فكما عرفنا أن الجريمة تلد جريمة، وإلا فالبشرية وقيمها في مهب الريح..

فهل نحن في العصر الرقمي أم في عصر المنشار والكيماوي والبراميل المتفجرة والمجازر الجماعية؟! تلك مسؤولية أممية أخلاقية..

وعلى العالم أن يقرر فيما إذا كان يستطيع أن يتعامل مع من دفن مليون جثة، وتشريد 12 مليون آخرين وتشريد نصف سوريا أم لا. أما الشعب السوري فقد طلّق الطائفية بالثلاث ولن يعود إلى حكمها إلا إذا عاد اللبن إلى الضرع.

* د. أحمد موفق زيدان كاتب صحفي وإعلامي سوري.

المصدر | العرب القطرية